سقوط "تلة علي الطاهر"... آخر المعارك؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ليست تلة علي الطاهر مجرد ارتفاع جغرافي يطل على قرى قضاء النبطية، بل باتت خلال الأسابيع الأخيرة عنواناً مكثفاً لمرحلة لبنانية- إسرائيلية جديدة، تختصر في تفاصيلها الصغيرة أسئلة كبرى: من يقرر مصير الجنوب؟ وهل ما زال للدولة اللبنانية، وللمقاومة، كلمة فيه؟ وإلى أين تتجه المواجهة بعد أن أعلنت إسرائيل "سيطرتها" على الموقع بعملية تفجير ضخمة استهدفت أنفاقاً كان "حزب الله" قد شيّدها هناك؟

Advertisement

لا يختلف اثنان على ان الإعلان الإسرائيلي عن السقوط لم يكن حدثاً عسكرياً عابراً، بل "زلزالاً سياسياً" بحسب توصيف عدد من المحللين ، لأنه طرح علناً سؤالاً محرجاً عن حدود القرار اللبناني المستقل، وعن قدرة "الحزب " على الدفاع عن موقع رفض تسليمه للجيش اللبناني حين طُلب منه ذلك.
إلا ان ما حصل يثير سلسلة تساؤلات لا اجوبة محددة عليها راهناً ، لكن الاتي من الايام قد يحمل تفسيرات لها.

أولاً: لغز السقوط... تسوية تحت الطاولة؟

يصعب فصل ما جرى في علي الطاهر عن السياق الإقليمي الأوسع الذي يجمع، بشكل غير مباشر، بين طهران وتل أبيب. فالتزامن بين تصعيد إسرائيلي متدرج في الجنوب اللبناني وتوسع حوثي متسارع باتجاه الساحل الغربي لليمن، بما يعزز الإمساك بمضيق باب المندب، تطرح فرضية تستحق البحث: هل ثمة تفاهم غير معلن، ولو ضمنياً، يقضي بالتساهل الإيراني حيال ما يجري في الجنوب اللبناني، في مقابل هامش تحرك أوسع للحوثيين في اتجاه السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم بعد تأرجح السيطرة على مضيق هرمز ؟
لا يوجد دليل مباشر على "صفقة" رسمية بهذا الشكل، لكن المنطق الاستراتيجي الإيراني يميل تاريخياً إلى إدارة أوراقه بمنطق "الأواني المستطرقة": حين يضعف "حزب الله" في الجنوب اللبناني، تُعوَّض طهران، أو تحاول أن تعوّض، عبر تقوية موقع الحوثيين في نقطة تُقلق الملاحة الدولية وتربك حسابات واشنطن وحلفائها الخليجيين. كما أن إيران، وهي التي تعيش على وقع أزمات داخلية وضغوط اقتصادية وأمنية متراكمة، قد تكون وجدت في التريث حيال الجنوب اللبناني وسيلة لتفادي مواجهة إضافية لا تحتمل كلفتها، مقابل الاستمرار في تظهير "الحزب" كـ"مقاومة صامدة" في الخطاب لا في الميدان.

غير أن أوساطاً لبنانية متابعة تفضل تفسيراً أكثر بساطة: أن الحزب فقد التلة عسكرياً منذ فترة، وأن توقيت الإعلان عن سقوطها جاء ملائماً سياسياً لإسرائيل أكثر مما يعكس تطوراً ميدانياً مفاجئاً. ولعل ما يعزز فرضية "الصفقة" هو الصمت الإيراني المطبق حيال ما حصل في التلة ، علماً ان طهران ، على لسان مسؤولين فيها ، توعدت بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا ما هاجمت إسرائيل التلة او فجرتها وقتلت من فيها من مقاتلين وعناصر من " الحرس الثوري " الإيراني الذين لم يعرف مصيرهم مع مقاتلي " الحزب " وإن قيل انه وُجد لهم " معبر آمن" انتقلوا منه إلى مكان مجهول او معلوم … لا فرق !

ثانياً: ماذا بعد السقوط؟

إلا أن السؤال الأهم اليوم هو: هل يكتفي بنيامين نتنياهو بـ"نصر" علي الطاهر يوظفه في حملته الانتخابية، أم يواصل معركة التلال؟ فإسرائيل تتجه إلى انتخابات تشريعية مقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول المقبل ويسعى نتنياهو، الذي يواجه منافسة متصاعدة من شخصيات مثل رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، إلى تظهير أي إنجاز أمني يمكن تسويقه كـ"استعادة ردع" بعد سنوات من الحرب المفتوحة على أكثر من جبهة.
لكن منطق "الأمر الواقع" الذي تنتهجه إسرائيل في الجنوب يوحي بأن علي الطاهر قد لا تكون خاتمة المسار، بل حلقة في سلسلة تستهدف رسم خط دفاعي متقدم يمتد من الجنوب إلى البقاع الغربي وصولاً إلى الحدود مع سوريا، وهي حدود تشهد بدورها خروقات إسرائيلية شبه يومية. فإسرائيل لم تُخفِ يوماً رغبتها في تثبيت "مناطق أمنية" أو "نموذجية" تُبقيها خارج أي التزام صارم بالانسحاب الكامل، وهو ما يجعل من المرجح أن تستمر عمليات "قضم" التلال والمرتفعات الاستراتيجية، ولو بوتيرة أبطأ بعد الانتخابات، بانتظار ما تفرزه صناديق الاقتراع من موازين سياسية جديدة. ومن تابع تصريحات نتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين بعد سقوط التلة يستنتج ان الانسحاب من التلال التي تحتلها أسرائيل في الجنوب " حلم ليلة صيف " وان ما رسمته الالة العسكرية الاسرائيلية لن تمحوه العبارات المطاطة الواردة في " اتفاق الاطار " الذي احتفلت السلطة اللبنانية ذات يوم بالتوقيع عليه .

ثالثاً: مصير المفاوضات واتفاق الإطار

في اي حال تتراكم على المسار الدبلوماسي، المؤشرات على أن نتنياهو لا يلتزم عملياً بمندرجات "اتفاق الإطار" الذي تم التوصل إليه في واشنطن في السادس والعشرين من حزيران الماضي برعاية أميركية وبحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. فالجولة الجديدة من المفاوضات، التي كانت مقررة في روما مطلع أيلول الجاري أُرجئت إلى تشرين الأول المقبل، بذريعة تزاحم المواعيد مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والأعياد اليهودية ومؤتمر باريس الداعم للجيش اللبناني. وبدلاً من روما، تقرر عقد اجتماع بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، لمتابعة "التطورات الراهنة" وآليات تنفيذ الاتفاق.
هذا التأجيل، وإن قُدّم بغلاف تقني- بروتوكولي، يعكس في جوهره تعثراً فعلياً: فالخلاف قائم حول جدول الانسحابات الإسرائيلية من الجنوب، وحول الجهة التي ستتولى مراقبة ما يُعرف بـ"المناطق النموذجية"، فيما ترفض إسرائيل مناقشة أي انسحاب إضافي قبل التأكد من اكتمال انتشار الجيش اللبناني في كل البلدات المعنية. وقد سبق للسفير الأميركي في بيروت أن طلب من إسرائيل تحديداً الانسحاب من علي الطاهر وتسليمها للجيش اللبناني، وهو طلب لم يُستجب له ميدانياً، ما يضع علامة استفهام كبيرة حول صدقية الضمانات الأميركية، وحول مصير الاتفاق نفسه إذا استمر نمط "التنفيذ الانتقائي" الذي تعتمده إسرائيل. ويتزامن ذلك مع استمرار صدور مواقف أميركية واسرائيلية حول عدم تنفيذ الجيش اللبناني التزاماته ، اضافة الى توجيه المزيد من الانتقادات إلى قيادته والتشكيك بولاء بعض ضباطه وعناصره وهو ما تنفيه القيادة اللبنانية جملة وتفصيلا .

رابعاً: "حزب الله" بين الصمت والتراجع

واللافت في تطورات الايام القليلة الماضية ، أن "حزب الله" لم يدافع ميدانياً عن تلة علي الطاهر، ولم يُصدر رداً عسكرياً على سقوطها، مكتفياً بخطاب سياسي عام حول استمرار "المقاومة" و"عدم التخلي عنها". هذا الصمت غذّى موجة تحليلات تتحدث عن تراجع فعلي في قدرة "الحزب " على الرد العسكري، وعن تحوّله، بحسب قراءات عدة، من "معادل ردعي" لإسرائيل إلى "قوة داخلية" همّها الأول الإمساك بالتوازنات السياسية الداخلية أكثر من المواجهة الخارجية. و"الحزب" ، الذي رفض سابقاً تسليم الموقع للجيش اللبناني حين طُلب منه ذلك، وجد نفسه اليوم أمام معضلة مزدوجة: فإما أن يرد فيجر البلاد إلى تصعيد غير محسوب العواقب في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، أو أن يلتزم الصمت فيعزز الانطباع بأن معادلة الردع التي بناها طوال عقدين قد تصدّعت فعلياً. وتتردد في أوساط معنية معلومات عن وجود اكثر من رأي داخل قيادة " الحزب" حول ما آلت اليه وضعية تلة علي الطاهر ، بين من يقول انه كان الرد بالنار ضرورياً مهما كانت النتائج ، وبين من يرى ان الموقف الممتنع يكشف نوايا اسرائيل العدوانية ويسقط " اتفاق الاطار " المرفوض حزبياً ، والذي " ولد ميتاً" كما قيل غداة توقيعه في واشنطن . وبين هذا الرأي وذاك ، ثمة من يقول ان قرار الرد وبالتالي تجدد المواجهة ليس في حارة حريك بل في طهران التي تقيّم التطورات من منظار مصالحها وحساباتها و" الصفقات" التي تحضّر لها ، وليس من المنظار الذي يراه " الحزب" ، علما ان موقف قادة " حزب الله" غامض . والحقيقة انه لم يقتنع احد بما سربه بعض القياديين في " الحزب" ان صمتهم الملتبس يهدف إلى عدم اعطاء نتنياهو اي ورقة اضافية نتيجة سقوط التلة يستغلها في الاستحقاق الانتخابي الاسرائيلي !!

خامساً: إحراج الحكم ودور الجيش المرتقب

في المقابل، يجد الحكم في بيروت نفسه في موقع حرج، إذ لم يحصل حتى الآن على ترجمة فعلية للوعود الأميركية بدعم تطبيق "اتفاق الإطار" وممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف خروقاتها. هذا الإحراج يتقاطع مع تشكيك إسرائيلي وأميركي متزايد بقدرة الجيش اللبناني على تطبيق كامل مندرجات الاتفاق، من نزع سلاح خارج الشرعية إلى بسط سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية. ومع ذلك، يبقى الجيش اللبناني الخيار الوحيد المتاح والمقبول دولياً لملء الفراغ الأمني في الجنوب، وهو ما يفرض على الدولة اللبنانية مضاعفة جهدها الدبلوماسي لتحويل الدعم الدولي المعلن، وآخره ما سيجري التعبير عنه في مؤتمر باريس بعد ايام ، إلى التزامات فعلية بالتسليح والتمويل والتغطية السياسية، حتى لا يبقى الجيش "شاهداً" على تطورات يتجاوزها الميدان قبل أن تصل إليه الوسائل الكفيلة بضبطه. لكن المفارقة ان واشنطن التي يفترض ان تكون صادقة في دعم الجيش ، تتصرف احياناً على نحو غير مفهوم حيال المؤسسة العسكرية اللبنانية ، فهي تصفها حيناً بانها الضامن للسيادة والاستقلال وكرامة الوطن ، وتتصرف احياناً عكس ذلك من خلال التضييق عليها وتحجب عنها مساعدات ضرورية وتجهيزات ، وتضغط لمنع لبنان من قبول مساعدات عينية من دول شقيقة او صديقة، او تحدد نوعية هذا العتاد بحيث يبقى للاستعمال الداخلي فقط ولا يشكل اي " خطر" على اسرائيل . مفارقة لا تفسير لها سوى ان الادارة الاميركية تتعامل مع لبنان وفق التوقيت الإسرائيلي وليس اللبناني !

في الخلاصة ، يبقى السؤال ، هل يكون الوضع في الجنوب أمام مزيد من التصعيد، أم أن تلة علي الطاهر ستكون آخر "المعارك" التي تفرض واقعاً ميدانياً وسياسياً يستمر إلى حين إجراء الانتخابات الإسرائيلية؟ يبدو أن الأشهر الفاصلة عن السابع والعشرين من تشرين الأول ستكون أشبه بمرحلة "تجميد نسبي" أكثر منها هدوءاً حقيقياً، ينتظر خلالها الجميع، من بيروت إلى تل أبيب مروراً بواشنطن وطهران، ما ستفرزه صناديق الاقتراع الإسرائيلية. فإذا فاز نتنياهو بولاية جديدة، فمن المرجح أن يستكمل مقاربته القائمة على فرض وقائع أمنية جديدة تباعاً، تلة بعد أخرى، من دون التزام حقيقي ب "اتفاق الإطار" . أما إذا أفرزت الانتخابات قيادة بديلة، فقد ينفتح هامش، ولو محدود، لإعادة التفاوض الجدي حول جدول زمني واضح للانسحاب وتفعيل الضمانات الأميركية. وفي الحالتين، يبقى الرهان اللبناني معلقاً على معادلة صعبة: دولة تحاول استعادة قرارها وسيادتها عبر جيشها ومؤسساتها، ومقاومة تعيد حساباتها بصمت، وشعب جنوبي يدفع يومياً كلفة معارك لم يعد يملك ترف انتظار نتائجها، ووطن لا مستجدات فيه سوى حكومة لا تتقن إلا فن زيادة الضرائب والرسوم ، في مقابل عجز موصوف !

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق