الجولة الثامنة من مفاوضات غير متكافئة... هل يستطيع لبنان قلب المعادلة؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
بين إسرائيل التي تفاوض من موقع القوة، ولبنان الذي يدخل الجولة الثامنة، إذا عُقدت، مثقلاً بتداعيات الحرب، هل تنجح واشنطن في تحويل المفاوضات من عملية فرض شروط إلى تسوية تحفظ لكل طرف مصالحه؟

Advertisement


فالجولات السبع السابقة بين لبنان وإسرائيل لم تكن، كما هو معروف، مفاوضات متكافئة، إذ دخلت إسرائيل إلى الغرف المغلقة وهي تستند إلى تفوق عسكري وميداني واضح، ولذلك لم تتصرف كطرف يبحث عن تسوية بقدر ما تصرفت كطرف يريد ترجمة نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأمد.

أما لبنان، فكان يحاول منع تحول هذا التفوق إلى أمر واقع دائم، فيما بقيت مجموعة من الملفات الشائكة تحول دون الوصول إلى أي تفاهم نهائي.

واليوم، فإن الجولة الثامنة المؤجلة قد تبدو مختلفة في طبيعتها المحتملة. ليس لأن موازين القوى قد انقلبت، وإنما لأن نجاح واشنطن في تذليل بعض العقبات قد يفتح نافذة ضيقة لإعادة صياغة قواعد التفاوض نفسها، خصوصًا في ضوء المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والتي يرى فيها المراقبون تطورًا سياسيًا قد يدفع المعنيين إلى مراجعة حساباتهم، خصوصًا أن زيارته لمدينة النبطية حملت أكثر رسالة سياسية إلى الداخل كما إلى الخارج.

ولكن وفي ضوء كل هذه المعطيات يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستطيع لبنان أن يستفيد من هذه النافذة إذا فُتحت؟

فالمطلوب لبنانياً ألا تكون الجولة الثامنة مجرد مفاوضات حول كيفية وقف إطلاق النار أو تنظيم الانسحاب الإسرائيلي، بل أن تكون بداية لمسار سياسي ينهي أسباب الحرب ويمنع تكرارها.


فالانسحاب الإسرائيلي يجب ألا يبقى وعداً مؤجلاً أو مرتبطاً بشروط مفتوحة. المطلوب جدول زمني واضح، يترافق مع انتشار الجيش في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، بما يعيد إلى الدولة حضورها الكامل على حدودها. وهنا تصبح المسألة أبعد من استعادة الأرض. إنها مسألة استعادة السيادة.

فلا يمكن بناء استقرار دائم في الجنوب إذا بقيت إسرائيل تحتفظ بحق تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان كلما رأت تهديداً لأمنها كما فعلت في "علي الطاهر"، كما لا يمكن للبنان أن يطمئن إلى مستقبله إذا بقيت حدوده الجنوبية مفتوحة على احتمالات الحرب. ربما تكون هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تنطلق منها الجولة الثامنة.
إسرائيل تريد أمناً دائماً على حدودها الشمالية، ولبنان يريد سيادة كاملة على أرضه. ولا يوجد تناقض حتمي بين الهدفين إذا جرى التفاوض عليهما باعتبارهما حقين متلازمين، لا باعتبار أن أحدهما يجب أن يأتي على حساب الآخر.

فإذا كانت إسرائيل تريد حدوداً هادئة، فإن لبنان يستطيع أن يوفر لها ذلك من خلال الدولة والجيش والآليات الدولية للرقابة، لكن في المقابل ينبغي أن تحصل بيروت على ضمانات واضحة بوقف الاعتداءات والخروقات والعمليات العسكرية. وفي هذا المجال تحديداً يمكن أن يكون الدور الأميركي حاسماً.

فواشنطن لا تستطيع أن تطلب من لبنان تقديم تنازلات كبرى، ثم تترك إسرائيل تحتفظ بكل أوراق الضغط. فنجاح الوساطة يفترض ممارسة الضغط على الطرفين للوصول إلى تسوية متوازنة.

في المقابل يبقى سلاح "حزب الله" العقدة الأصعب. لكن تحويل المفاوضات إلى معادلة مباشرة من مثل "السلاح مقابل الانسحاب" قد يكون عقدة لإفشال هذه المفاوضات، إذ أن لبنان لا يستطيع، كما بات معروفًا، وفي ظروفه السياسية والأمنية الحالية، أن يعالج هذا الملف بقرار لحظي، كما أن "حزب الله" لن يكون مستعداً لتقديم تنازل كبير إذا شعر أن مقابل هذه التنازلات تكريس لانتصار إسرائيلي كامل. لذلك قد يكون الطريق الأكثر واقعية هو المسار التدريجي، أي وقف العمليات العسكرية؛ انسحاب إسرائيل؛ انتشار للجيش؛ تعزيز سلطة الدولة، ثم معالجة ملف السلاح في إطار استراتيجية وطنية وجدول زمني واضح، من دون أن يعني ذلك ترك الأمور للصدف وللمعالجات "الترقيعية".  فهذه المعادلة، في رأي بعض السياسيين، تمنح الدولة فرصة لاستعادة دورها من دون أن تجعل التسوية تبدو وكأنها إملاء خارجي على الطرف اللبناني.

أما لماذا لا يجب أن تنعقد الجولة الثامنة تحت عنوان "صفقة السلاح مقابل الانسحاب"، فلأن لبنان، وبكل صراحة وواقعية، لا يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك. قد يمكنه أن يطرح حزمة متكاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وتثبيت الحدود، ومعالجة النقاط العالقة، وإطلاق الموقوفين والمحتجزين، ووضع آلية أميركية ودولية لمراقبة التنفيذ، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار، أي بمعنىً آخر أن يتحول التفاوض من صفقة أمنية محدودة إلى تسوية شاملة لما بعد الحرب.

وإذا كان صحيحاً أن إسرائيل دخلت الجولات السابقة وهي تتصرف من موقع المنتصر، فإن التحدي اللبناني في الجولة الثامنة هو منع ترجمة هذا الانتصار العسكري إلى معادلة سياسية دائمة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق