وبحسب وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، فإن الجزائر استنفدت مختلف الوسائل المتاحة للحفاظ على العلاقات الثنائية، قبل اتخاذ قرار إنهائها، وذلك على خلفية "التصرفات الاستفزازية أو العدائية" الصادرة عن الجانب الإماراتي، والتي بلغت مستوى لم يعد مقبولًا أو قابلًا للتحمل.
وفي إطار الإجراءات المترتبة عن قرار القطيعة، استُدعي السفير الإماراتي لدى الجزائر، وأُبلغ بضرورة مغادرة التراب الوطني خلال مهلة أقصاها 48 ساعة، في خطوة تعكس دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من القطيعة الرسمية.
ولم تقتصر تداعيات القرار على الجانب الدبلوماسي، إذ أعلنت وزارة الدفاع الوطني، عقب قرار قطع العلاقات، عن غلق المجال الجوي الجزائري، ابتداءً من يوم 11 سبتمبر 2026 على الساعة 00:00، أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ذهابًا وإيابًا.
ويشمل القرار، وفق بيان وزارة الدفاع الوطني، استثناءً يتعلق بالرحلات الجوية الإماراتية المدنية التجارية القادمة من وإلى مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة، حيث ستتواصل هذه الرحلات إلى غاية نهاية السنة الجارية 2026، باعتبارها تاريخ انتهاء العقد المبرم بشأنها.
وبذلك، تنتقل الأزمة الجزائرية الإماراتية من مستوى الخلافات والتوترات السياسية والدبلوماسية إلى إجراءات سيادية وميدانية أوسع، تشمل العلاقات الدبلوماسية والمجال الجوي، بما يؤكد عمق القطيعة التي وصلت إليها العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التصعيد المتدرج.
البداية سنة 2019
تعود جذور التأزم إلى سنوات سبقت القطيعة الدبلوماسية، غير أن سنة 2019 برزت كإحدى المحطات التي بدأت خلالها ملامح الخلاف تتشكل بصورة أوضح، بالتزامن مع التحولات السياسية التي عرفتها الجزائر والاستحقاقات الرئاسية التي تلتها.
وخلال هذه المرحلة، برزت دلائل بشأن محاولات للتأثير في المشهد الداخلي، بتوظيف النفوذ المالي والإعلامي لخدمة توجهات وأجندات سياسية لا تنسجم مع الخيارات السيادية للجزائر.
وبين تحذير الرئيس عبد المجيد تبون في 2024 بأن "للصبر حدود"، وتصريحاته في 2025 عن دولة خليجية واحدة تمثل استثناءً في علاقات الجزائر مع دول الخليج، ثم اتهامه في فيفري 2026 دولة لم يسمها بالتدخل في الانتخابات ومحاولة ضرب استقرار البلاد، وصولا إلى إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية وقرار القطيعة في سبتمبر، تكشف كرونولوجيا الأزمة عن انتقال تدريجي من الخلاف الصامت إلى التصعيد المفتوح.
ففي أفريل 2024، وجه الرئيس عبد المجيد تبون تحذيرًا إلى دولة عربية "شقيقة" لم يسمها، متحدثًا عن تدخلات في شؤون دول المنطقة، وعن محاولات توظيف المال والنفوذ في بؤر توتر، من بينها ليبيا والسودان.
وفي حديثه عن علاقة الجزائر بالدولة المعنية، شدد الرئيس تبون على رفض الجزائر أن تفرض عليها أي جهة أسلوبًا في التعامل كتلك التي تنتهجها مع أطراف أخرى، مؤكدًا أن الجزائر لا تقبل الضغوط أو المساس بسيادتها، قبل أن يختم تحذيره بالقول: "للصبر حدود". وقد ربطت وسائل إعلام ومراقبون آنذاك هذه التصريحات بالإمارات، رغم أن الرئيس لم يسمّها صراحة.
ولم يمنع التصعيد في التصريحات آنذاك استمرار الاتصالات الرسمية؛ ففي جوان من العام نفسه التقى تبون الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، في مؤشر على أن قنوات التواصل بين البلدين ظلت مفتوحة، وأن الطرفين لم يكونا قد وصلا بعد إلى مرحلة القطيعة، غير أن ذلك التواصل لم يضع حدا للتباينات التي سرعان ما عادت إلى الواجهة.
2025.. الازمة تخرج للعلن
مع دخول 2025، أخذت الأزمة الجزائرية الإماراتية منحى أكثر وضوحًا، ولم تعد مقتصرة على تلميحات المسؤولين.
وفي أكتوبر 2025، قال الرئيس تبون إن علاقات الجزائر مع دول الخليج جيدة، لكنه استثنى "دولة واحدة" رفض تسميتها، مؤكدا أن الجزائر لا تقبل تدخل أي دولة في شؤونها الداخلية.
وقال الرئيس تبون إن الجزائر تتعامل يوميا مع دول خليجية شقيقة، لكنه اتهم الجهة التي لم يسمها بالرغبة في "الخراب" داخل الجزائر لأسباب وصفها بالمشبوهة، مضيفا أن هناك أطرافا حاولت التدخل في أمور منعت الجزائر حتى دولًا كبرى من التدخل فيها. وقد فُهمت الإشارة على نطاق واسع على أنها موجهة إلى الإمارات.
الهوية الوطنية تدخل على خط الأزمة
ومن أبرز المحطات التي زادت حدة التوتر في 2025، قضية تصريحات المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث بشأن الهوية الأمازيغية، خلال ظهوره في برنامج على قناة سكاي نيوز عربية.
وأثارت تصريحات بلغيث، في ماي 2025، جدلا واسعا داخل الجزائر بعدما تحدث عن البعد الأمازيغي للهوية والثقافة الجزائرية، واعتبر الأمازيغية مشروعا أيديولوجيا مرتبطا بفرنسا والصهيونية.
ولم يتوقف الجدل عند حدود ردود الفعل الشعبية والإعلامية، بل تحوّل إلى قضية قضائية، إذ أُمر بوضع بلغيث رهن الحبس المؤقت بعد فتح تحقيق بشأن تصريحات اعتُبرت ماسّة بالوحدة الوطنية ورموز وثوابت الأمة، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بموجب عفو رئاسي أصدره رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
لكن البعد الأبرز في الأزمة بالنسبة للعلاقات الجزائرية الإماراتية تمثل في المنصة الإعلامية الإمراتية التي بُثت عبرها التصريحات.
فقد بثت قناة «سكاي نيوز عربية» المقابلة من أبوظبي، الأمر الذي دفع التلفزيون العمومي الجزائري إلى توجيه انتقادات حادة، معتبرًا ما جرى تصعيدًا إعلاميًا خطيرًا وتجاوزًا لما وصفه بالخطوط الحمراء المرتبطة بالهوية الوطنية. كما ربطت تغطيات إعلامية بين هذه الأزمة والتوتر السياسي المتزايد بين الجزائر وأبوظبي.
وهنا دخل ملف الهوية والوحدة الوطنية إلى صلب الأزمة، لان توظيف قضية حساسة، على غرار الهوية الأمازيغية، عبر منبر إعلامي خارجي يمكن أن يتحول إلى مدخل لإثارة الانقسام الداخلي والمساس بالنسيج الوطني.
التدخل في الشؤون الداخلية.. في صلب الأزمة
في أكتوبر 2025، أكد الرئيس تبون رفض الجزائر أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية، متحدثًا عن دولة خليجية واحدة قال إنها تحاول التدخل في قضايا داخلية، بينما كانت علاقات الجزائر مع بقية دول الخليج، بحسب وصفه، تسير بصورة جيدة.
فالجزائر، التي تجعل من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أحد ثوابت سياستها الخارجية، تعاملت مع أي نشاط سياسي أو إعلامي يمكن أن يُفهم منه استهداف استقرارها باعتباره مسألة مرتبطة بالأمن القومي، وليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
محاولات التدخل في الانتخابات
في 7 فيفري من السنة الجارية، تحدث الرئيس عبد المجيد تبون، خلال لقاء دوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، عن دولة خليجية لم يسمّها، واصفًا إياها بعبارة: "دولة، حتى لا أقول دويلة".
واتهم الرئيس الجهة المعنية بالتدخل في الشأن الجزائري والتدخل في الانتخابات، مشيرًا إلى تدخلها في الانتخابات الأولى والثانية، وإلى محاولات تستهدف ضرب استقرار البلاد.
كما أشار الرئيس إلى وجود خلافات مرتبطة بالاستثمارات واللجوء إلى التحكيم الدولي، قبل أن يوجه تحذيرًا شديد اللهجة ختمه بالقول: "لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه."
ورغم عدم ذكر الإمارات بالاسم، اعتبرت وسائل إعلام ومراقبون أن سياق هذه التصريحات يشير إليها، خصوصًا في ظل سلسلة التصريحات السابقة والتوتر السياسي المتصاعد بين الجزائر وأبوظبي.
إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية
في اليوم نفسه، أو بالتزامن مع تصعيد الخطاب السياسي، اتخذت الجزائر خطوة عملية باتجاه تقليص مستوى التعاون مع الإمارات.
وأعلنت في 7 فيفري 2026 مباشرة الإجراءات اللازمة لإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين في أبوظبي بتاريخ 13 ماي 2013، والمصادق عليها بموجب مرسوم رئاسي في 30 ديسمبر 2014.
وبموجب المادة 22 من الاتفاقية، أخطرت الجزائر الجانب الإماراتي عبر القنوات الدبلوماسية، بالتوازي مع إخطار الأمين العام لمنظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو".
ملفات الإقليم.. الصحراء الغربية والساحل وليبيا والسودان
ساهم تباين الرؤى بشأن الملفات الإقليمية في توسيع الهوة بين الجزائر وأبوظبي، وتقاطعت مصالح البلدين في عدد من الملفات الحساسة، أبرزها الصحراء الغربية، وليبيا، والسودان، ومنطقة الساحل، بإعتبارها مجالا حيويا لأمن الجزائر القومي.
ففي قضية الصحراء الغربية، تتمسك الجزائر بموقفها الثابت والداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، في حين دعمت الإمارات الموقف المغربي الإستعماري بشأن القضية.
كما تمثل الملفات الليبية والسودانية ومنطقة الساحل ساحات أخرى لتباين المواقف، وسط اتهامات للجانب الإماراتي بدعم جماعات مسلحة وتوفير الأسلحة واللوجستيات لها، وهو ما يُنظر إليه في الجزائر باعتباره عاملا من شأنه التأثير في أمن المنطقة واستقرارها، ولا سيما في ظل حساسية هذه الملفات بالنسبة للأمن القومي الجزائري.
التطبيع مع إسرائيل.. أحد أوجه التقارب المغربي–الإماراتي
يربط السفير السابق نور الدين بلاني، هذا التقارب باتفاقيات إبراهيم الموقعة في أوت 2020، والتي أفضت إلى تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، قبل أن يلتحق المغرب بهذا المسار في العام نفسه.
ويرى أن هذا المسار أسس لتقارب أمني وسياسي بين الرباط وأبوظبي وتل أبيب، معتبرًا أن الأطراف الثلاثة باتت تتقاطع في "محور مصالح أمنية مشترك"، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، "الطابع العملياتي" للتعاون والدعم المتبادل، بما اعتبره على حساب استقرار الجزائر ومصالحها الأمنية.
ملف الاستثمارات والتحكيم الدولي
في تصريحاته مطلع فيفري 2026، أشار الرئيس عبد المجيد تبون إلى وجود خلافات مرتبطة بالاستثمارات واللجوء إلى التحكيم الدولي، وذلك في سياق حديثه عن الدولة الخليجية التي اتهمها بالتدخل في الشأن الجزائري.
وفي هذا السياق، يرى السفير السابق نور الدين بلاني أن الإمارات حاولت، التغلغل في "العمق الاستراتيجي" للجزائر بمنطقة الساحل، بإعتبارها "منطقة حيوية للأمن القومي الجزائري".
وقال بلاني إن أبوظبي، تحت غطاء الاستثمارات الاقتصادية ومبادرات التعاون، سعت إلى "تحييد النفوذ التقليدي للجزائر" في المنطقة، من خلال نسج علاقات مع فاعلين إقليميين، بما يخدم، تعزيز الموقع المغربي على الحدود الجنوبية للجزائر.
ووصف السفير السابق هذه السياسة بأنها "مناورة تطويقية"، معتبرًا أنها تتجاهل "العمق التاريخي للروابط التي تجمع الجزائر بجيرانها في الساحل".
وعلى الصعيد الثنائي، اتهم بلاني عددًا من المشاريع التي قُدّمت في السابق باعتبارها شراكات اقتصادية بأنها تحولت، بحسب تقديره، إلى "أدوات للاختلاس"، معتبرًا أنها غذّت "دوائر غامضة اختلطت فيها المصالح الخاصة بعمليات نهب على حساب المصلحة الوطنية".
وأضاف أن هذه المشاريع، وفق ما أورده، لم تخدم التنمية المشتركة بالشكل الذي قُدّمت به، وإنما أسهمت في تغذية "سلسلة من الفساد تتجاوز تشعباتها الإطار التجاري البحت".
ملف المخدرات.. تهديد اماراتي للأمن القومي الجزائري
يبرز ملف المخدرات والجريمة المنظمة كأحد التحديات الأمنية التي تواجه الجزائر، خاصة مع نشاط شبكات التهريب العابرة للحدود، فقد كشفت مصالح الأمن الوطني مؤخرًا عن عمليتين نوعيتين من أكبر عمليات مكافحة المخدرات، الأولى أسفرت عن حجز 10.4 ملايين كبسولة بريغابالين و33.4 كلغ من الكوكايين وتوقيف 25 شخصًا، مع كشف وجود عناصر من الشبكة في دبي بالإمارات، حيث كانوا يتولون تسيير وتحويل العائدات الإجرامية.
أما العملية الثانية بوهران، فأفضت إلى حجز قنطارين و28 كلغ من الكوكايين وتوقيف 20 شخصًا، إلى جانب 46 مركبة ومبالغ مالية بينها الدرهم الإماراتي، كما ثبت وجود عناصر من الشبكة في دبي بالإمارات.
وتعيد هاتان القضيتان إلى الواجهة ورود اسم الإمارات، ولا سيما دبي، في سياق بعض ملفات شبكات المخدرات العابرة للحدود، سواء من خلال وجود عناصر تنشط في تسيير وتحويل الأموال، أو عبر استخدام العملة الإماراتية ضمن المسارات المالية المرتبطة بهذه الشبكات.


















0 تعليق