"الحزب" بعد الحرب... البقاء لا يكفي

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم تنجح الحرب في إسقاط حزب الله، رغم حجم الضربات التي تلقاها، ولا سيما استهداف قيادته العليا وبنيته العسكرية والتنظيمية. فقد سقط الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ومن ثم السيد هاشم صفي الدين وعدد من أبرز القيادات، وتبدلت في الوقت نفسه البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب مع سقوط النظام السوري، فيما دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة رافقتها ضغوط متزايدة على الحزب وسلاحه ودوره.

Advertisement


ومع ذلك، بقي الحزب واستعاد جزءًا من قدراته، وتمكن من استعادة المبادرة في لحظة بدت فيها قدرته على الاستمرار موضع شك، لكن نجاحه في تجاوز الحرب لا يعني أن بإمكانه العودة إلى ما قبلها.

وبحسب كوادر في"الحزب"، فإن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية خلّفت آلاف الشهداء ودمارًا واسعًا، بل كشفت أيضًا عن أسئلة كبيرة تتصل بالأمن والقرار والتقدير والإدارة والإعلام والبنية التنظيمية. وهذه الأسئلة لا يمكن أن تدفن مع الذين سقطوا، ولا أن تتحول التضحيات إلى سبب يمنع المراجعة والمساءلة.

وعليه، فإن المطلوب، وفق هؤلاء، ليس محاكمة التجربة بأكملها، ولا الانتقاص من تضحيات جمهور المقاومة، بل التمييز بين المقاومة كخيار وبين الآليات التي أُديرت من خلالها، فنجاح "الحزب" في البقاء لا يعني أن كل ما كان قائمًا فيه يجب أن يبقى معه، وهذه ربما هي العقدة الأساسية في المرحلة المقبلة: كيف ينتقل "الحزب" من إدارة آثار الحرب إلى إعادة بناء نفسه؟

لا يبدو، كما تقول كوادر "الحزب"، ان المطلوب إنهاء دور حزب الله، بل إعادة النظر في الصيغة التي استنفدت نفسها، فالتنظيم الذي واجه خلال السنوات الماضية تحولات عسكرية وإقليمية وسياسية عميقة، يحتاج إلى بنية أكثر قدرة على التجدد، وإلى دماء جديدة في مواقع القرار، وإلى مراجعة جدية لتجربته.


وهنا يبرز دور الشيخ نعيم قاسم. فقد تسلم قيادة "الحزب" في أصعب مراحله، بعد خسارة أمينه العام وعدد كبير من قياداته، وتمكن خلال فترة قصيرة من منع الانهيار وإعادة تشغيل قدرات "الحزب"، وهذه التجربة، وفق مصادر في "الحزب"، تضعه أمام مسؤولية تتجاوز إدارة مرحلة ما بعد الصدمة إلى قيادة عملية انتقال "الحزب" إلى مرحلة جديدة.

وفق قراءة هذه المصادر، قد تبدأ هذه العملية من تشكيل هيئة تأسيسية أو إطار داخلي للمراجعة وإعادة البناء، لا تكون مهمته تبديل أسماء بأسماء، بل مراجعة التجربة من أساسها، أين أخطأ التقدير؟ أين تعطلت آليات القرار؟ أين ظهرت مكامن الضعف؟ وكيف يمكن بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المرحلة المقبلة؟ والأهم أن تكون هناك قناعة بأن المواقع ليست امتيازات دائمة، فبعد عقود من بقاء بعض الوجوه في مواقع أمنية وسياسية وتنظيمية وإعلامية، يصبح تجديد النخب ضرورة لا خيارًا. لا مسؤولية ينبغي أن تتحول إلى موقع أبدي، ولا اسم ينبغي أن يصبح أكبر من المؤسسة، ولا موقع يجب أن يكون محصنا من النقد والمراجعة.
بالنسبة إلى هذه المصادر، فإن "الحزب" لا يعاني من نقص في الكفاءات، فلديه قاعدة واسعة من الشباب والكوادر في المؤسسات، إضافة إلى شخصيات أثبتت حضورها في العمل الحكومي، سواء كانت حزبية أو عملت من خارج الأطر التنظيمية المباشرة، وقد أظهرت تجاربها أن الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة يمكن أن تكونا معيارًا أكثر أهمية من الموقع الحزبي نفسه، وربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى توسيع هذه المساحة بدل حصر التمثيل في الوجوه التقليدية.
وعليه، فإن الجهد يفترض أن ينكب، بحسب هذه المصادر، على إنقاذ "الحزب" من إعادة إنتاج الأسباب التي قادته إلى أثمان الحرب، ف"الحزب" الذي خرج من تحت الركام يستطيع أن يخرج أيضًا من عباءة الماضي، شرط أن تكون لديه شجاعة الاعتراف بأن البقاء لا يعني الجمود، وأن الوفاء للشهداء لا يعني حماية الأخطاء، وأن الحفاظ على المقاومة لا يتناقض مع إعادة بناء المؤسسة التي تحمل اسمها.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هل يبقى حزب الله؟ بل أي حزب الله سيبقى؟
ووفق المصادر، المطلوب صيغة تستفيد من تجربة الحزب الطويلة، وتتعلم من أخطائه، وتجدد قياداته، وتفتح الطريق أمام جيل جديد، ف"الحزب" يحتاج اليوم إلى أن يعيد بناء نفسه بعد الحرب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق