هل فُتحت فعلاً قناة اتصال أميركية مع "حارة حريك"، أم أن ما يتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية لا يتجاوز رسائل غير مباشرة تنقلها أطراف وسيطة بين واشنطن و"حزب الله"؟
هذا السؤال بات أكثر إلحاحاً بعد الموقف الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، والذي بدا واضحاً فيه أن رسم حدود العلاقة مع "الحزب" مرتبط بمدى استعداده لتسليم سلاحه. فواشنطن تقول إن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة التفاوض بشأن مستقبل لبنان، وتؤكد في الوقت نفسه أنها لا تريد أكثر من أن يسلّم "حزب الله" سلاحه للدولة.
والأهم في الرسالة الأميركية أن "الحزب"، وفق ما تقوله واشنطن، "لا يريد حتى الآن التحدث مع الدولة اللبنانية، ولا معنا، ولا مع إسرائيل".
إذا كان هذا هو الموقف الأميركي الرسمي، فمن أين جاء الحديث عن قناة تواصل مباشرة بين واشنطن و"حارة حريك"، خصوصًا أن يجب التمييز بين الاتصال والوساطة؟
وفي هذا الإطار ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من التواصل: فالأول هو الاتصال المباشر، أي أن يجلس مسؤولون أميركيون مع ممثلين عن "حزب الله" للتفاوض على ملف محدد. وهذا، حتى الآن، لا تؤكده المعطيات العلنية، بل إن التصريح الأميركي الأخير ينفيه بوضوح.
الثاني هو الرسائل غير المباشرة، حيث يمكن لوسيط لبناني أو عربي أو دولي أن ينقل إلى "الحزب" موقفاً أميركياً، أو ينقل إلى واشنطن موقفاً من "الحزب". وهذا النوع من الاتصالات ليس جديداً في الأزمات المعقدة، ولا يعني بالضرورة وجود قناة تفاوضية رسمية.
أما المستوى الثالث فهو جس النبض، أي أن يسعى طرف إلى معرفة حدود استعداد الطرف الآخر للحوار أو التنازل، من دون الدخول في مفاوضات فعلية.
وفي رأي بعض المطلعين أن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة هو الذي يمكن أن يكون قد أنتج رواية "قناة تواصل بين واشنطن و"حارة حريك".
فالموقف الأميركي الأخير لا يوحي بأن واشنطن تريد التفاوض مع "حزب الله" على مستقبل سلاحه، بل الرسالة، في جوهرها، مختلفة تماماً، ومفادها أن "سلّموا السلاح للدولة، وبعدها يمكننا أن نساعد في تقريب وجهات النظر."
وهذا يعني أن واشنطن، حتى الآن، تحاول إبقاء الحكومة اللبنانية في قلب المعادلة، وليس تجاوزها. وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى الرئيس جوزاف عون، الذي يصر على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون للدولة، وأن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم من خلال المؤسسات اللبنانية.
فإذا كانت واشنطن نفسها تقول إن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة التحدث باسم لبنان، فإن أي تفاوض أميركي مباشر مع "الحزب" خارج هذه المظلة سيكون متناقضاً مع الموقف الذي تعلنه واشنطن نفسها.
ولكن هل يعني ذلك عدم وجود رسائل؟ ليس بالضرورة، كما يقوله العارفون، إذ أن السياسة الخارجية لا تُدار دائماً عبر البيانات الرسمية. وقد تكون هناك رسائل تنقل عبر وسطاء، أو اتصالات غير مباشرة، أو محاولات لجس النبض، خصوصاً أن ملف سلاح "حزب الله" قد أصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية تتداخل فيها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران ولبنان.
فإذا كان الحزب يرفض حتى الآن الدخول في حوار مباشر مع الدولة اللبنانية حول مصير سلاحه، فقد يكون السبب أن أي تفاوض داخلي سيضعه أمام استحقاق واضح، وهو كيف يمكن الانتقال من معادلة المقاومة والسلاح إلى معادلة الدولة والجيش؟ أما الحوار الدولي، إذا حصل، فيوفر له مساحة أوسع للمساومة، لأن ملف السلاح يصبح جزءاً من صفقة أكبر يمكن أن تشمل الانسحاب الإسرائيلي، ووقف العمليات، والضمانات، وإعادة الإعمار، ومستقبل الوضع الأمني على الحدود.
لكن واشنطن، بحسب رسالتها الأخيرة، تبدو وكأنها تريد قطع الطريق على هذه المعادلة. فهي لا تقول لـ "الحزب": "تعالَ نتفاوض". بل تقول له: "عندما تكون مستعداً لتسليم سلاحك للدولة، يمكننا عندها أن نساعد في تقريب وجهات النظر".
وهذا يعني أن واشنطن لا تريد أن تمنح الحزب اعترافاً تفاوضياً مستقلاً عن الدولة اللبنانية.
حتى الآن، يبدو أن واشنطن تريد أن تقول إن الورقة الأقوى ليست في "حارة حريك"، بل في بعبدا. فإذا كان الحزب يريد الخروج من الضغط الدولي، فعليه أن يعود إلى الدولة. وإذا أراد ضمانات أو مساعدات أو تخفيفاً للضغوط، فعليه أن يمر عبر المؤسسات اللبنانية.
المؤكد حتى الآن هو أن واشنطن تريد أن يكون لبنان الرسمي هو العنوان. والمؤكد أيضاً أن "حزب الله" لم يُظهر بعد استعداداً للقبول بالشروط الأميركية المعلنة. وبين الموقفين، يتحرك الوسطاء في منطقة رمادية.
ففي الأزمات الكبرى، أحياناً لا تكون الرسالة المهمة هي ما يُقال علناً، بل ما إذا كانت الرسائل التي تُنقل في الغرف المغلقة قادرة فعلاً على تغيير مواقف الأطراف.
أما حتى الآن، فالمؤشرات العلنية تقول شيئاً واحداً، وهي أن واشنطن تريد الحوار مع الدولة اللبنانية، لا أن تستبدلها بحوار مباشر مع "حارة حريك".
Advertisement
والأهم في الرسالة الأميركية أن "الحزب"، وفق ما تقوله واشنطن، "لا يريد حتى الآن التحدث مع الدولة اللبنانية، ولا معنا، ولا مع إسرائيل".
إذا كان هذا هو الموقف الأميركي الرسمي، فمن أين جاء الحديث عن قناة تواصل مباشرة بين واشنطن و"حارة حريك"، خصوصًا أن يجب التمييز بين الاتصال والوساطة؟
وفي هذا الإطار ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من التواصل: فالأول هو الاتصال المباشر، أي أن يجلس مسؤولون أميركيون مع ممثلين عن "حزب الله" للتفاوض على ملف محدد. وهذا، حتى الآن، لا تؤكده المعطيات العلنية، بل إن التصريح الأميركي الأخير ينفيه بوضوح.
الثاني هو الرسائل غير المباشرة، حيث يمكن لوسيط لبناني أو عربي أو دولي أن ينقل إلى "الحزب" موقفاً أميركياً، أو ينقل إلى واشنطن موقفاً من "الحزب". وهذا النوع من الاتصالات ليس جديداً في الأزمات المعقدة، ولا يعني بالضرورة وجود قناة تفاوضية رسمية.
أما المستوى الثالث فهو جس النبض، أي أن يسعى طرف إلى معرفة حدود استعداد الطرف الآخر للحوار أو التنازل، من دون الدخول في مفاوضات فعلية.
وفي رأي بعض المطلعين أن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة هو الذي يمكن أن يكون قد أنتج رواية "قناة تواصل بين واشنطن و"حارة حريك".
فالموقف الأميركي الأخير لا يوحي بأن واشنطن تريد التفاوض مع "حزب الله" على مستقبل سلاحه، بل الرسالة، في جوهرها، مختلفة تماماً، ومفادها أن "سلّموا السلاح للدولة، وبعدها يمكننا أن نساعد في تقريب وجهات النظر."
وهذا يعني أن واشنطن، حتى الآن، تحاول إبقاء الحكومة اللبنانية في قلب المعادلة، وليس تجاوزها. وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى الرئيس جوزاف عون، الذي يصر على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون للدولة، وأن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم من خلال المؤسسات اللبنانية.
فإذا كانت واشنطن نفسها تقول إن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة التحدث باسم لبنان، فإن أي تفاوض أميركي مباشر مع "الحزب" خارج هذه المظلة سيكون متناقضاً مع الموقف الذي تعلنه واشنطن نفسها.
ولكن هل يعني ذلك عدم وجود رسائل؟ ليس بالضرورة، كما يقوله العارفون، إذ أن السياسة الخارجية لا تُدار دائماً عبر البيانات الرسمية. وقد تكون هناك رسائل تنقل عبر وسطاء، أو اتصالات غير مباشرة، أو محاولات لجس النبض، خصوصاً أن ملف سلاح "حزب الله" قد أصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية تتداخل فيها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران ولبنان.
فإذا كان الحزب يرفض حتى الآن الدخول في حوار مباشر مع الدولة اللبنانية حول مصير سلاحه، فقد يكون السبب أن أي تفاوض داخلي سيضعه أمام استحقاق واضح، وهو كيف يمكن الانتقال من معادلة المقاومة والسلاح إلى معادلة الدولة والجيش؟ أما الحوار الدولي، إذا حصل، فيوفر له مساحة أوسع للمساومة، لأن ملف السلاح يصبح جزءاً من صفقة أكبر يمكن أن تشمل الانسحاب الإسرائيلي، ووقف العمليات، والضمانات، وإعادة الإعمار، ومستقبل الوضع الأمني على الحدود.
لكن واشنطن، بحسب رسالتها الأخيرة، تبدو وكأنها تريد قطع الطريق على هذه المعادلة. فهي لا تقول لـ "الحزب": "تعالَ نتفاوض". بل تقول له: "عندما تكون مستعداً لتسليم سلاحك للدولة، يمكننا عندها أن نساعد في تقريب وجهات النظر".
وهذا يعني أن واشنطن لا تريد أن تمنح الحزب اعترافاً تفاوضياً مستقلاً عن الدولة اللبنانية.
حتى الآن، يبدو أن واشنطن تريد أن تقول إن الورقة الأقوى ليست في "حارة حريك"، بل في بعبدا. فإذا كان الحزب يريد الخروج من الضغط الدولي، فعليه أن يعود إلى الدولة. وإذا أراد ضمانات أو مساعدات أو تخفيفاً للضغوط، فعليه أن يمر عبر المؤسسات اللبنانية.
المؤكد حتى الآن هو أن واشنطن تريد أن يكون لبنان الرسمي هو العنوان. والمؤكد أيضاً أن "حزب الله" لم يُظهر بعد استعداداً للقبول بالشروط الأميركية المعلنة. وبين الموقفين، يتحرك الوسطاء في منطقة رمادية.
ففي الأزمات الكبرى، أحياناً لا تكون الرسالة المهمة هي ما يُقال علناً، بل ما إذا كانت الرسائل التي تُنقل في الغرف المغلقة قادرة فعلاً على تغيير مواقف الأطراف.
أما حتى الآن، فالمؤشرات العلنية تقول شيئاً واحداً، وهي أن واشنطن تريد الحوار مع الدولة اللبنانية، لا أن تستبدلها بحوار مباشر مع "حارة حريك".







0 تعليق