الأب جون جبرائيل الدومنيكاني: لاهوت التحرير أعاد قراءة الفقر كقضية بنيوية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال الأب جون جبرائيل الدومنيكاني، المتخصص في اللاهوت العقيدي، إن الحديث عن «لاهوت التحرير» غالبًا ما يبدأ من تصورات مسبقة تختزل التجربة في اتجاهات سياسية أو أيديولوجية، موضحًا أن فهم هذا التيار يحتاج أولًا إلى العودة إلى سياقه التاريخي واللاهوتي، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.


لم يكن محاولة لإنشاء عقيدة مسيحية جديدة

وأضاف الأب جون جبرائيل أن لاهوت التحرير "لم يظهر باعتباره محاولة لإنشاء عقيدة مسيحية جديدة، ولم يكن هو الذي أدخل قضايا الفقراء والعدالة الاجتماعية إلى قلب الإيمان المسيحي، فهذه القضايا حاضرة منذ الكتاب المقدس وتقليد الكنيسة"، مشيرا إلى أن الجديد الذي حمله هذا التيار تمثل في إعادة قراءة واقع الفقر باعتباره قضية مرتبطة ببنى اقتصادية واجتماعية وسياسية، وليس فقط باعتباره حالة فردية تستدعي الإحسان.

سؤال أعمق عن أسباب إنتاج الفقر

وأوضح أن السؤال الذي طرحه لاهوت التحرير لم يعد مقتصرا على: ماذا ينبغي للغني أن يقدم للفقير؟، وإنما امتد إلى سؤال أكثر عمقا: لماذا يستمر إنتاج الفقر؟ وما مسؤولية الإيمان والكنيسة داخل هذا الواقع التاريخي؟

نقطة الانطلاق عند جوستافو جوتييرث

وأشار الأب جون جبرائيل إلى أن نقطة الانطلاق الأساسية عند الأب جوستافو جوتييرث الدومنيكاني (1928-2024)، أحد أبرز مؤسسي لاهوت التحرير، ظهرت في كتابه "لاهوت التحرير: التاريخ والسياسة والخلاص" الصادر عام 1971، حيث لم يقدم موضوعا جديدا للاهوت بقدر ما أعاد التفكير في طريقة ممارسة اللاهوت نفسها.

اللاهوت تأمل نقدي في الممارسة

وقال إن جوتييرث تحدث عن اللاهوت باعتباره "تأملا نقديا في الممارسة"، موضحا أن المقصود ليس استبدال الوحي بالواقع الاجتماعي، وإنما التأكيد أن اللاهوت لا يمارس خارج التاريخ، وأن خبرة الإنسان وأسئلته اليومية تدخل في طريقة فهمه لكلمة الله.

وأضاف أن جوتييرث كان يعتبر اللاهوت "فعلا ثانيا"، أي أنه يأتي كتأمل نقدي في حياة الإيمان وممارسته، بعد الالتزام العملي بالإيمان، وليس بمعنى أنه أقل أهمية أو ثانوي القيمة.

الانتقال من الاهتمام بالفقراء لتحليل أسباب الفقر

وأكد الأب جون جبرائيل أن أهمية لاهوت التحرير لا تكمن في اكتشافه اهتمام الله بالفقراء، "فهذا أمر حاضر بوضوح في الكتاب المقدس، كما أن آباء الكنيسة الكبار، مثل القديس باسيليوس الكبير والقديس يوحنا الذهبي الفم والقديس أمبروسيوس، تحدثوا عن مسؤولية الإنسان تجاه الفقراء وانتقدوا احتكار الثروات"، وإنما تكمن في انتقال السؤال من الاهتمام بالفقراء إلى تحليل الأسباب التي تنتج الفقر وتعيد إنتاجه.

 تاريخ لاهوت التحرير لم يبدأ عام 1971 فقط

ولفت إلى أن تاريخ لاهوت التحرير لم يبدأ عام 1971 فقط، بل سبقه مسار طويل من التطورات داخل الكنيسة الكاثوليكية، بدءا من تطور التعليم الاجتماعي الكاثوليكي مع رسالة البابا لاون الثالث عشر "في الشؤون الحديثة" عام 1891، مرورا بتجديد الدراسات الكتابية والآبائية والليتورجية، وأعمال عدد من اللاهوتيين الدومنيكان، وصولا إلى المجمع الفاتيكاني الثاني.

وأوضح أن المجمع الفاتيكاني الثاني، خاصة من خلال الدستور الرعوي "فرح ورجاء" عام 1965، عبر عن تحول مهم في فهم علاقة الكنيسة بالعالم، عندما تحدث عن أفراح البشر وآمالهم وأحزانهم وضيقاتهم، ولا سيما الفقراء والمتألمين، مؤكدا أن تاريخ الإنسان أصبح مجالا تعيش فيه الكنيسة رسالتها وتقرأ من خلاله "علامات الأزمنة".

أمريكا اللاتينية بيئة تاريخية لبروز التيار

وأشار إلى أن أمريكا اللاتينية شكلت البيئة التاريخية التي ساعدت على بروز لاهوت التحرير، خاصة مع مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية في ميديين عام 1968، حيث قرئت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني في ظل أوضاع اتسمت بالفقر وعدم المساواة والتبعية الاقتصادية.

وقال إن وثيقة ميديين مثلت لحظة مهمة التقت فيها رؤية المجمع الفاتيكاني الثاني مع واقع القارة اللاتينية، فتحولت مفاهيم مثل "علامات الأزمنة" والتضامن مع الفقراء إلى ممارسات كنسية ولاهوتية مرتبطة بواقع اجتماعي محدد.

وشدد الأب جون جبرائيل على أن لاهوت التحرير لم يكن مشروع مجموعة من اللاهوتيين فقط، بل نشأ داخل شبكة واسعة من الأساقفة والكهنة والعلمانيين والجماعات المسيحية، الذين حاولوا قراءة الكتاب المقدس من داخل خبرة الفقر والظلم والرجاء.

وفي الوقت نفسه، أوضح أن تاريخ لاهوت التحرير شهد نقاشات حقيقية داخل الكنيسة حول العلاقة بين الخلاص والتحرر التاريخي، واستخدام التحليل الماركسي، وحدود العلاقة بين الإيمان والعمل السياسي.

تدخل مجمع عقيدة الإيمان في الثمانينيات

وأضاف أن تدخل مجمع عقيدة الإيمان في ثمانينيات القرن الماضي جاء في إطار هذا الحوار، حيث أكدت وثيقة "تعليمات حول بعض جوانب لاهوت التحرير" عام 1984 أن إنجيل المسيح هو رسالة حرية وتحرير، لكنها حذرت من اختزال التحرير المسيحي في إطار سياسي أو اقتصادي فقط.

الوثيقة الثانية والحرية المسيحية

وأكد أن الوثيقة الثانية "تعليمات بشأن الحرية المسيحية والتحرير" عام 1986 شددت على أن مفهوم التحرير يقع في قلب رسالة الإنجيل، وأن الكنيسة مدعوة إلى العمل من أجل الإنسان وكرامته في مختلف السياقات.

السؤال المنهجي حول علاقة اللاهوت بالإنسان

واختتم الأب جون جبرائيل حديثه بالتأكيد على أن أهمية لاهوت التحرير اليوم لا ترتبط فقط بالظروف التي ولد فيها في أمريكا اللاتينية، وإنما بما طرحه من سؤال منهجي أساسي حول علاقة اللاهوت بحياة الإنسان والتاريخ.

أسئلة عقيدية من داخل خبرة الإنسان

وأوضح أن "لاهوت التحرير لم يغير عقائد الكنيسة في الثالوث أو التجسد، لكنه أعاد طرح الأسئلة العقيدية من داخل خبرة الإنسان؛ فماذا يعني الإيمان بإله الحياة في عالم يعاني من الموت؟ وماذا يعني الإيمان بتجسد الكلمة في واقع تنتهك فيه كرامة الإنسان؟ وماذا يعني إعلان ملكوت الله داخل مجتمعات تواجه أشكالا متعددة من الظلم؟".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق