فى الوقت الذى تتحدث فيه واشنطن عن إحكام سيطرتها على مضيق هرمز، تتمسك طهران بالتأكيد أن المضيق مغلق وأنها صاحبة الإشراف الكامل على حركة الملاحة فيه، لتبقى حقيقة ما يجرى على الأرض محاصرة بين روايتين متناقضتين، فيما يدفع العالم بأكمله ثمن استمرار المواجهة. ولم تعد أزمة هرمز مجرد فصل جديد فى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تحول هذا الشريان الحيوى إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وورقة ضغط تؤثر بصورة مباشرة فى أسواق الطاقة والتجارة وحركة الملاحة العالمية.
وبينما تتبادل واشنطن وطهران رسائل القوة عبر التصريحات، تبدو الأزمة وكأنها تدور فى حلقة مفرغة، كل طرف يسعى إلى تثبيت روايته وإضعاف الطرف الآخر سياسيًا واقتصاديًا، من دون أن تلوح حتى الآن إجابة واضحة عن السؤال: إلى متى يستطيع العالم تحمل تداعيات أزمة تهدد أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة الدولية؟
وتتزايد المخاوف مع استمرار الاضطراب فى حركة الملاحة، بعدما أظهرت بيانات حديثة أن عدد سفن السلع التى عبرت المضيق بلغ خمس سفن فقط، مقابل متوسط بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، فى مؤشر يعكس استمرار الانخفاض الحاد فى حركة العبور، ومع هذا التراجع، لم تعد التصريحات المتبادلة مجرد رسائل سياسية، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا فى الأسواق، فى وقت تحاول فيه سلطنة عمان فتح نافذة للحل عبر مقترح لممر مؤقت وتطهير المضيق من الألغام.
وبين الضغط الأمريكى، والشروط الإيرانية، والتحرك العمانى، تتجاوز الأزمة حدود طرفى الصراع لتضع الاقتصاد العالمى أمام تداعيات متزايدة، فيما يبقى المواطن العادى الطرف الأكثر تعرضًا لكلفة مواجهة لا يملك قرارها.
تبدأ الرواية الإيرانية من التأكيد على أن طهران لا تزال صاحبة القرار فى حركة الملاحة، قد أكد نائب وزير الخارجية الإيرانى أن «مضيق هرمز مغلق»، مشددًا على أن بلاده تملك الإشراف الكامل عليه، ولا مصداقية للادعاءات التى تتحدث عن مرور السفن عبره.
وعلى المستوى الميدانى، قال الجيش الإيرانى إن السفن تخضع لمراقبته قبل وصولها إلى المضيق بمئات الكيلومترات، وإن بإمكانها العبور إذا حصلت على إذن.
وتذهب طهران أبعد من ذلك فى تحديد شروطها، إذ أعلن الحرس الثورى الإيرانى أن المفاوضات مع الجانب العمانى أسفرت عن اتفاق بشأن حصة كل من البلدين فى مياه مضيق هرمز، مؤكدًا أنه إذا لم تقبل الولايات المتحدة الشروط الإيرانية فلن يفتح مضيق هرمز تحت أى ظرف.
ويضع هذا الموقف حركة الملاحة فى صلب المواجهة السياسية، ويجعل قرار فتح المضيق مرتبطًا بحسابات تتجاوز الجانب الأمنى إلى مستقبل التفاوض مع واشنطن.
فى المقابل، تقدم الولايات المتحدة رواية مختلفة تمامًا، قد نقلت «أكسيوس» عن مسئول أمريكى أن إيران فقدت السيطرة على مضيق هرمز وأن الولايات المتحدة أصبحت صاحبة السيطرة عليه، وأضاف المسئول أن إزالة البحرية الأمريكية الألغام من المضيق حدت من إحدى أبرز أوراق الضغط التى كانت تملكها إيران.
وبذلك، أصبح الخلاف على المضيق نفسه جزءًا من المواجهة، طهران تؤكد قدرتها على مراقبة حركة السفن وتحديد شروط العبور، بينما تقول واشنطن إن إجراءاتها أضعفت قدرة إيران على استخدام الممر الملاحى للضغط عليها وعلى المجتمع الدولى.
ورغم حدة هذه الرسائل، لا تبدو واشنطن فى الوقت الراهن متجهة إلى توسيع المواجهة العسكرية، إذ أبلغ وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو حلفاء بلاده أن الولايات المتحدة لا تتوقع حاليًا شن ضربات جديدة ضد إيران، ما لم تتعرض لهجوم مباشر، ويعكس ذلك اتجاهًا أمريكيًا نحو استمرار الضغط مع تجنب جولة عسكرية جديدة ما لم تفرض التطورات ذلك.
وفى السياق السياسى، قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إنه لا يوجد جدول زمنى محدد بشأن قرار العودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدًا أنه ليس فى عجلة من أمره، وفى الوقت ذاته، قال ترامب إن الولايات المتحدة تراقب كل شبر من مضيق هرمز، إضافة إلى جبل الفأس والمواقع النووية الثلاثة الأخرى التى قال إنها دمرت بالفعل، وتكشف هذه التصريحات أن واشنطن تبقى الباب مفتوحًا أمام التفاوض، لكنها فى الوقت نفسه تتمسك بأدوات الضغط والمراقبة، بما يجعل مستقبل المسار الدبلوماسى مرتبطًا بالتطورات الميدانية ومواقف طهران.
فى هذه الأجواء، تتحرك سلطنة عمان لطرح مسار تفاوضى يهدف إلى استئناف الملاحة ومنع اتساع الأزمة، وحسب البيان الإيرانى العمانى المشترك، ركزت المشاورات على استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز بما يصون سيادة وحقوق البلدين، من خلال إطار مرحلى يتضمن إنشاء ممر مؤقت مشترك وتطهير المضيق من الألغام، ويمهد هذا الترتيب لمفاوضات فنية بشأن ممر دائم وآلية مستقبلية لإدارة الملاحة، تشمل تبادل المعلومات والخدمات الملاحية والأمنية، إلى جانب إجراء مشاورات مع دول المنطقة المطلة على الخليج، مع التأكيد على الالتزام بالقانون الدولى واحترام الحقوق السيادية للدول الساحلية.
من جانبه، قال وزير الخارجية العمانى إنه أجرى نقاشًا بناء مع عراقجى، معربًا عن أمله فى الإعلان قريبًا عن الممر المؤقت وترتيبات عودة الملاحة. وأوضح أن ترتيبات إدارة المضيق مستقبلًا والتوصل إلى حل دائم ستتم لاحقًا وفقًا للمادة الخامسة من مذكرة إسلام آباد، مؤكدًا إجراء مناقشات مع الشركاء فى المنطقة دعمًا للسلام والتعاون والاستقرار وحرية الملاحة.
ويتوافق هذا التحرك مع الرؤية الإيرانية للحل الإقليمى، إذ قال عراقجى إن المحادثات مع المسؤولين العمانيين والباكستانيين أكدت أهمية الحلول الإقليمية، مضيفًا أن الإطار المقترح للممر الجديد وإزالة الألغام بالشراكة مع عمان وإدارة هرمز مستقبلًا يمثل نموذجًا لهذه الحلول.
وفى هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية الإيرانى إن مسار العبور المتفق عليه مع عمان مؤقت، وإن طهران ستتفاوض معها بشأن مسار دائم، كاشفًا أن المفاوضات المتعلقة بالترتيبات المستقبلية لإدارة المضيق ستستمر من 30 إلى 60 يومًا، لكن المسار الفنى يظل مرتبطًا بالخلاف مع واشنطن، إذ قال المسئول الإيرانى إنه إذا أرادت الولايات المتحدة العودة إلى المسار الدبلوماسى فعليها تنفيذ تعهداتها فى مذكرة التفاهم، مؤكدًا أن فتح مضيق هرمز مرهون بتنفيذ أمريكا جميع تعهداتها، ومشيرًا إلى أن هذا الموقف أُبلغ أيضًا إلى قائد الجيش الباكستانى.
ويعكس الموقف الإيرانى تمسكًا بالبعد السيادى للأزمة، وهو ما أكده النائب الأول للرئيس الإيراني، بقوله إن سيطرة بلاده على مضيق هرمز تمثل ممارسة لحقها القانونى والسيادى على ثرواتها الوطنية.
وهنا يبقى جوهر الخلاف بين إيران التى تتمسك بالسيادة على المضيق، وواشنطن التى تؤكد حرية الملاحة، فيما تحاول سلطنة عمان الوصول إلى صيغة توافقية تبدأ بممر مؤقت وتمهد لترتيبات دائمة، ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بتفاهم سياسى بين واشنطن وطهران، خصوصًا مع ربط إيران فتح المضيق بتنفيذ التعهدات الأمريكية،
بينما يواصل اضطراب الملاحة الضغط على أسواق الطاقة والتجارة. وفى النهاية، ستحدد قدرة الوساطة على تحويل الترتيبات المؤقتة إلى تسوية مستقرة ما إذا كان هرمز سيتحول من ورقة ضغط إلى بوابة للاستقرار، أم ستستمر تداعيات الأزمة لتطال الاقتصاد العالمى والمواطنين.















0 تعليق