أبنائى خريجى الثانوية.. لا تزال هناك فرصة للتراجع

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هذه دعوة أوجهها بكل إخلاص وتجرد ليس لكل الأبناء والبنات ممن حصلوا على شهادة الثانوية العامة قبل أسابيع، ولكنها لأولئك الذين يدركون أنهم حصلوا على شهادتهم دون استحقاق يؤهلهم ويجعلهم كفؤًا لكليات القمة التى ألحقهم بها مكتب تنسيق القبول طبقًا لرغبتهم التى حرروها ووفقًا للمجموع الكلى الوارد فى شهادة الثانوية العامة. دعوتى هذه يمكن إدراجها تحت مسمى النداء الأخير الذى يسبق الإقلاع إلى حيث متاهات يدخل فيها هؤلاء ولا يعلم إلا الله كيف سيخرجون منها.

لست صاحب مصلحة مباشرة فى هذا التنبيه، ولكننى كمواطن أحمل هم هذا الوطن وأخاف على مستقبله وأتخوف أن نسلم مسئوليته فى أيدى متحايلين متجاوزين، ولا أريد أن أقولها هكذا مباشرة فأصفهم بالغشاشين. إنهم حفنة من الشباب الذين آثروا أن يبدأوا حياتهم على أكتاف غيرهم، فتجاوزوا بغير حساب لضمير واحتلوا مكانة لا  يستحقونها، فهل تعتقدون أن الله سيكتب لهم توفيقًا فى قادم الخطوات؟!!
أنا متأكد أن هذه الفئة التى نتحدث عنها لا تقرأ، وبالتالى لن تقع أعينهم على هذا المقال. ومن ثم، فإننى أهيب بأولياء الأمور الذين ابتلاهم الله بشباب من هذه العينة أن يبادروا باستدراك ما فات،  فيلفتوا نظر بنيهم لإعادة التفكير فيما انتووا الالتحاق به من كليات.

أود فى هذا السياق أن أشير إلى تصريح واضح وصريح أدلى به مؤخرًا الأستاذ الدكتور محمد زكى، عميد كلية طب أسوان، تعقيبًا على ظهور نتيجة طلاب الفرقة الأولى بنسبة نجاح لم تتجاوز الـ24%، حيث قال إن تدنى نسبة النجاح أمر يرجع إلى صرامة اللجان، وأضاف معقبًا جملة ذات مغزى ومعنى قائلا: «إحنا معندناش سماعات فى اللجنة».
بالقطع لن يردع هذه العينة من الغشاشين أن نذكرهم بالحكم الشرعى للغش فى الامتحان، فأمثال هؤلاء لن يجبرهم على التراجع إلا تطبيقنا العملى للقول المأثور المنسوب للخليفة الرابع عثمان بن عفان: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، إذ ينبغى أن يكون هناك تدخل من السلطات يقيم العدالة ويمنع هؤلاء من الاستيلاء الجائر على حقوق غيرهم.

التدخل الذى أعنيه لا بد أن يأتى على شكل خطوات عملية تسبق امتحانات الثانوية العامة نفسها أبسطها أن نمنع عمليات الغش الفردى والجماعى. بالطبع نحن نقدر فى هذا السياق، تلك الإجراءات الرادعة التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم قبيل الامتحانات الأخيرة، وأهمها كان عمل مجمعات امتحانية يسهل التحكم فيها وفقًا لظروف كل قرية أو مركز أو مدينة أو حى. 

لكن السؤال: هل آتت تلك الإجراءات أكلها؟ الحقيقة لا، فتكرار المجاميع العالية فى لجنة واحدة يبقى مؤشرًا خطيرًا، حتى لو قيل إن طلاب تلك اللجنة هم عباقرة بالفطرة وإنهم جُبلوا على التفوق وهم فى بطون أمهاتهم!!! لكننا وللأسف الشديد لن نتمكن من إثبات عكس هذا الذى قيل، لماذا؟ لأن الورقة الامتحانية لم تعد قائمة على الأسئلة المقالية بصورة تامة كما كان الأمر سابقًا، إذ إن نسبة الأسئلة المقالية فى ورقة الامتحان تبلغ نحو 15% فقط من الدرجة الكلية لكل مادة، بينما تبلغ نسبة الأسئلة الموضوعية أو الاختيار من متعدد 85%،وهى الآلية التى تتيح الغش دون مجهود يذكر ويصعب بل يستحيل معها إثبات عملية الغش.

الأمر الثانى هو عدم توفير الحماية الكافية للمدرسين الشرفاء الرافضين للمشاركة فى مهزلة التغاضى عما يرونه من تجاوزات داخل اللجان، فيظلون قابضين على جمر العدالة حريصين على تطبيقها كما تعلموها فى الماضى وكما علموها لطلابهم داخل الفصول الدراسية. لن ننكر تلك الجهود الجبارة التى بذلتها الأجهزة الأمنية فى تأمين اللجان وتفتيش الطلاب قبيل دخول مقار اللجان، لكننا أيها السادة نجابه جيلًا جديدًا يمتلك من العبقرية والآليات ما تجاوز جيلنا بمراحل.

لن أكرر سرد المسلمات التى نؤمن بها جميعًا حول الآثار السلبية المترتبة على عدم  إجراء الامتحانات بعدالة تامة تضمن للمتفوق فرصته فى أن ينال جزاء اجتهاده على مدار عام دراسى كامل، ولكننا ينبغى أن ننتبه إلى أن من يتعرض للظلم فى أولى مراحل احتكاكه الحقيقى بالواقع يتحول إلى قنبلة موقوتة يمكنها أن تنفجر فى وجوه الجميع دون سابق إنذار، مع الوضع فى الاعتبار أنهم هم الفئة الأذكى والتى ستبقى مؤمنة أن مكانها قد تم الاستيلاء عليه دون سبق إصرار، فماذا لو تم توظيف هذا الذكاء فى غير مصلحة المجتمع، بل صار ضده؟! إنه جرس إنذار أتمنى أن ننتبه له بشدة وأن ندعم كل جهد تبذله الدولة لإحكام السيطرة على العملية التعليمية والامتحانية.

وعلى أجهزة الإعلام والمؤسسات الدينية دور توعوى مهم يسبق الامتحانات نفسها، بل يبدأ مع بداية العام الدراسى، إذ ينبغى أن تفتح للأئمة الوعاظ والقساوسة أبواب المدارس ليحدثوا الأبناء عن عقوبة الغشاش فى الآخرة حتى لو نال مكانة مجتمعية مرموقة نتيجة هذا التدليس الذى يمارسه. 

لا بد أن نستدعى أساتذة علم النفس من كليات الآداب والتربية للقاء الطلاب وأولياء أمورهم لمناقشة التداعيات السلبية لهذه الظاهرة على المجتمع كله بل وعلى الأبناء أنفسهم. إنها ظاهرة تستحق جهدًا جبارًا لمجابهتها، لأنها باختصار قضية تخص مستقبل هذه الأمة، الذى نتمناه مشرقًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق