من مارمرقس إلى مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.. رحلة تأسيس الكنيسة القبطية عبر التاريخ

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تُعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدة من أقدم الكنائس المسيحية في العالم، وتمتد جذورها إلى القرن الأول الميلادي، حيث ارتبط تاريخها بمدينة الإسكندرية التي كانت من أهم مراكز الحضارة والثقافة في العالم القديم. وعلى مدار أكثر من تسعة عشر قرنًا، حافظت الكنيسة على تراثها الروحي والليتورجي، وأصبحت جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر وهويتها الحضارية.

يرتبط تأسيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالقديس مارمرقس الرسول، أحد رسل المسيح وكاتب أحد الأناجيل الأربعة، والذي جاءت كرازته إلى مدينة الإسكندرية ليؤسس الكرسي الرسولي المعروف باسم الكرسي المرقسي. وتذكر المصادر الكنسية أن مارمرقس وضع أساس الكنيسة في مصر، ورسّم إنيانوس ليكون أول أسقف للإسكندرية بعده.

ومع انتشار المسيحية في مصر، أصبحت الإسكندرية مركزًا مهمًا للفكر اللاهوتي، وظهرت بها مدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي لعبت دورًا بارزًا في دراسة الكتاب المقدس والعلوم المسيحية، وقدمت عددًا من الآباء والمفكرين الذين أثروا الفكر المسيحي في العالم.

مارمرقس يؤسس كرسي الإسكندرية

ووفقًا لموقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كان دخول المسيحية إلى الإسكندرية، عاصمة مصر وقتذاك، بواسطة القديس مارمرقس الرسول، وهو كاروز الديار المصرية ومؤسس كنيستها، وأحد الرسل السبعين، وأحد الإنجيليين الأربعة، ويلقب في طقوس الكنيسة القبطية بـ"ناظر الإله" (ثيؤريموس)، والإنجيلي، وكاروز مصر ومدبرها الأول، وضياء كورة مصر، ومبدد الأوثان، وتلميذ المسيح الطوباوي، والكارز العظيم الذي تباركت به كل قبائل الأرض وبلغت أقواله إلى أقطار المسكونة.

وتابع: كان تأسيس كنيسة الإسكندرية في منتصف القرن الأول، وبحسب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري، كان مجيء مارمرقس إلى الإسكندرية في السنة الثالثة من حكم كلوديوس قيصر (41 - 54م)، أي ما يعادل سنة 43م تقريبًا، وبحسب تاريخ البطاركة كان مجيئه في السنة الخامسة عشرة بعد صعود الرب (أي حوالى سنة 43/44م)، أي أنه بحسب يوسابيوس القيصري وتاريخ بطاركة الكنيسة القبطية كان تأسيس مارمرقس لكنيسة الإسكندرية حوالى سنة 43م، إلا أن مراجع أخرى ترجح سنة 61م على أساس أن مارمرقس استشهد سنة 68م، وأن مدة خدمته بالإسكندرية كانت حوالى سبع سنوات.

وكانت الإسكندرية لأكثر من ستة قرون هي ثاني أكبر مدينة في العالم القديم. وكانت في بداية الأمر مدينة صغيرة تسمى راكوتيس (راكوتي)، ثم في سنة 332 ق.م اختارها الإسكندر الأكبر عاصمة للبلاد، وقام بتطويرها وتوسيعها وأطلق اسمه عليها، واستمرت عاصمة للبلاد لأكثر من 970 سنة حتى تأسست مدينة الفسطاط سنة 641م. وكانت الإسكندرية في أول الأمر ميناءً بحريًا هامًا، فجذبت إليها كثيرًا من اليونانيين واليهود وجنسيات أخرى.

وأضاف: نشطت فيها الحركة الفكرية والفلسفية والثقافية نشاطًا ملحوظًا، وكانت مكتباتها أشهر مكتبات الإمبراطورية. والتقى فيها الشرق بالغرب، وفيها ازدهرت الفلسفة اليونانية وانتشرت الحضارة الهللينية. وتجاورت الجاليات اليهودية بأصحاب الثقافات الشرقية. وفيها تُرجمت أسفار العهد القديم إلى اللغة اليونانية في الترجمة المعروفة بالترجمة السبعينية في القرن الثالث قبل الميلاد، في عهد بطليموس الثاني فيلادلفيوس (283 ق.م - 246 ق.م)، والتي أتاحت قراءة وفهم أسفار العهد القديم أمام الناطقين باليونانية.

وأشار إلى أنه قد استمرت مدة خدمة القديس مارمرقس بمصر حوالى سبع سنوات (61 - 68م)، تخللتها جهود كرازية له في بلاد أخرى. وأنشأ خدمة رعوية متكاملة بالإسكندرية، تشمل نظامًا كهنوتيًا متكاملًا بدرجاته الثلاث: الأسقفية والقسيسية والشماسية، حيث قام بسيامة أنيانوس (حنانيا) أسقفًا، وكان هو أول من آمن بالمسيحية على يديه في مصر، ورسم معه أيضًا ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة.

وكتب مارمرقس إنجيلًا، وقد تبين من خلال الاكتشافات والدراسات الحديثة أن إنجيل مارمرقس كان في التداول خلال اثني عشر عامًا من زمن صلب السيد المسيح، ويرجح العلامة إكليمندس الإسكندري (150 - 215م)، والقديس يوحنا ذهبي الفم (347 ـ 407م)، أن الإنجيلي مارمرقس كتب إنجيله في الإسكندرية.

كما وضع مارمرقس قداسًا (ليتورجيا) يعتبر من أقدم القداسات في العالم، وهو القداس الذي دونه البابا كيرلس الأول الـ24 (412 – 444م)، وصار يعرف بالقداس الكيرلسي. وكتب جيروم (342 - 420م) أن مارمرقس بنفسه هو مؤسس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي تعتبر أول أكاديمية لاهوتية في العالم المسيحي، وتم تعيين يسطس مديرًا لها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق