فى شارع الفن بوسط القاهرة، يجلس محمد سعد أمام طاولته، تحيط به الفُرَش الدقيقة وعبوات الكلور، بينما يضع خطوطة على تيشيرت أسود سبق أن حدد عليه خطوط رسمته بالقلم، ويبدأ فى تتبعها بفرشاته التى يغمسها فى الكلور قبل تمريرها على القماش، ومع كل تمريرة يتغير لون القماش فى موضع الرسم إلى درجة أفتح، فتظهر ملامح اللوحة تدريجيًا أمام العين، ومن حوله تنتشر قطع ملابس تحمل رسومات وأشكالًا مختلفة وتفاصيل دقيقة. لطالما اعتاد الناس أن يروا فى الكلور مادة كاوية قد تتسبب فى إتلاف الملابس، بينما اختار محمد أن ينظر إليه بعين الفنان، فيحوّل تأثيره على الأقمشة إلى خطوط وتفاصيل، ويمنح الملابس حياة جديدة تتحول معها القطعة من مجرد ملابس تقليدية إلى لوحة فنية تحمل بصمته الخاصة. يروى محمد سعد، الفنان التشكيلى، رحلته مع الرسم على المنسوجات باستخدام الكلور، التى امتدت لنحو ١٨ عامًا، موضحًا أنه استطاع خلال هذه السنوات تحويل مادة ارتبطت فى أذهان الناس بإتلاف الملابس وتغيير ألوانها إلى أداة فنية تمنح الأقمشة شكلًا مختلفًا، وتحمل بصمته الخاصة.
يقول إن علاقته بهذا الفن بدأت من رغبته فى تجربة طرق غير تقليدية للرسم، حتى وجد فى الكلور وسيلة يمكن من خلالها تنفيذ لوحات ورسومات على الملابس بدلًا من استخدام الألوان المعتادة، ومع مرور الوقت اكتسب خبرة أكبر فى التعامل مع الخامة، وأصبح يعرف كيفية التحكم فى تأثير الكلور على الأقمشة دون إتلافها.
ويشرح مراحل تنفيذ أعماله، حيث يبدأ أولًا بتحديد التصميم الذى يرغب فى رسمه على قطعة الملابس، ثم يرسم الخطوط الأولية باستخدام القلم، قبل أن يبدأ فى تتبعها بالكلور المخفف والمُعالج بمواد خاصة، لتبدأ ألوان القماش فى التحول تدريجيًا إلى درجات أفتح، ومع جفاف المادة تظهر ملامح الرسم بصورة أوضح، وكأن التصميم يخرج من لون القماش نفسه.
يوضح الفنان التشكيلى أن استخدام الكلور فى الرسم يحتاج إلى دقة وخبرة، خاصة أن التعامل معه بصورة مباشرة قد يؤدى إلى إتلاف المنسوجات، لذلك لا يستخدمه بصورته المعتادة، وإنما يخلطه بمواد معالجة تساعد على التحكم فى تأثيره على القماش، ليؤدى وظيفته فى تفتيح اللون وإظهار الرسم دون التسبب فى حرق النسيج أو إتلافه.
ولا تنتهى مراحل العمل بمجرد ظهور الرسمة، إذ يوضح محمد أنه يغسل القطعة بعد الانتهاء من رسمها باستخدام مواد معالجة، للتأكد من ثبات التصميم وتجهيز المنسوجات للاستخدام، وبعد ذلك يمكن غسل القطعة واستخدامها بشكل طبيعى دون أن تختفى الرسمة أو تتأثر تفاصيلها.
يضيف: «مدة تنفيذ الرسمة تختلف حسب حجم التصميم وتفاصيله، فبعض الأعمال قد تحتاج إلى نحو ٧ ساعات من العمل المتواصل، بينما تستغرق تصميمات أخرى يومين كاملين، خاصة تلك التى تحتوى على تفاصيل دقيقة وتحتاج إلى تركيز كبير أثناء الرسم بالكلور».
وخلال مشاركته فى «شارع الفن»، يعرض محمد عددًا من أعماله أمام الجمهور، لتتحول الملابس والمنسوجات التى يرسم عليها إلى لوحات فنية يمكن ارتداؤها، ما يمنح كل قطعة شكلًا مختلفًا ويجعلها تحمل طابعًا خاصًا يميزها عن الملابس التقليدية.

















0 تعليق