لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في ساحات القتال والتهديدات العسكرية، وإنما انتقلت إلى معركة أوسع تدور رحاها في الاقتصاد والأسواق وشبكات التجارة الدولية، ويدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه استراتيجية تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني وقطع شرايينه المالية والنفطية، وملاحقة الدول والشركات والمؤسسات التي توفر لطهران منافذ للنجاة من العقوبات، في محاولة لتحويل الضغوط الاقتصادية إلى أداة لإجبار النظام على تقديم تنازلات أو مواجهة أزمة داخلية متصاعدة.
وتكشف هذه الاستراتيجية عن رهان أمريكي يتجاوز إضعاف الاقتصاد الإيراني، إذ تراهن واشنطن على أن يؤدي تراجع الإيرادات وارتفاع الأعباء المعيشية إلى زيادة الضغوط على الشارع، بما قد يحول الأزمة الاقتصادية إلى اضطرابات سياسية واجتماعية تهدد النظام من الداخل، لكن تحقيق هذا الهدف يرتبط بقدرة الولايات المتحدة على عزل الاقتصاد الإيراني عن منافذه الخارجية، وفي مقدمتها الصين وروسيا والهند، وهو ما يحول العقوبات إلى اختبار أوسع للنفوذ الأمريكي، خصوصًا أن ترامب يستخدمها أيضًا كورقة ضغط في التعامل مع القوى الكبرى.
وبعد نحو ستة أشهر من الحرب دون حسم المواجهة مع طهران، انتقلت واشنطن إلى مرحلة أكثر تشددًا،لم تعد تستهدف الاقتصاد الإيراني وحده، وإنما الدول والشركات والمؤسسات المالية التي توفر له قنوات للتجارة والتمويل. وفي 19 أغسطس، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن "حرب اقتصادية"،غير مسبوقة وعزلة مالية ساحقة ضد إيران، متوعدًا بمعاقبة أي دولة أو جهة تساعد طهران أو تواصل التعامل التجاري معها، بالتزامن مع توسيع الضغط على قطاع الطاقة وشبكات بيع النفط وتحويل عائداته.
وصعدت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتها بفرض عقوبات على 60 كيانًا وشخصًا وسفينة مرتبطة بإيران في مجالات الطاقة والبرنامج النووي والصواريخ والنفط، واستهدفت شركات وسفنًا مرتبطة بـ"أسطول الظل"في الإمارات وهونغ كونغ والصين وسنغافورة وسويسرا، إلى جانب تعليق تراخيص كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى إيران. وقالت الخزانة إنها أطلقت عملية لـ"خنق اقتصاد ونظام إيران"، فيما لا تستبعد واشنطن استخدام القوة العسكرية في مضيق هرمز أو أي مكان آخر، وفق تصريح وزير الحرب الأمريكي.
وبذلك تجمع واشنطن بين الضغط الاقتصادي والعزل المالي والتهديد العسكري، لكن فاعلية هذه الاستراتيجية تبقى مرتبطة بقدرتها على التعامل مع الدول التي تمثل منافذ رئيسية للاقتصاد الإيراني، وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول، باعتبارها المستورد الأكبر للنفط الإيراني وطوق النجاة الاقتصادي الأبرز لطهران،تقليص مشترياتها سيضغط على الإيرادات الإيرانية، بينما استمرارها يمنح طهران مساحة للمناورة، لكن بكين رفضت التهديدات الأمريكية، مؤكدة أن العقوبات والحرب الاقتصادية لن تحلا الأزمة، وداعية إلى الدبلوماسية، كما أن قبول الصين بالعقوبات الثانوية سيمنح واشنطن نفوذًا أوسع على علاقاتها التجارية، بينما استمرار تعاونها مع طهران يضع حدودًا لهذا النفوذ.
أما روسيا،ترتبط بإيران بعلاقات تجارية واستراتيجية متنامية عبر بحر قزوين وتبادل السلع، بما فيها القمح والذهب، ومع خضوع موسكو لعقوبات غربية بسبب حرب أوكرانيا، تبدو أقل تأثرًا بالضغوط الجديدة، وقد يدفعها ذلك إلى تعميق تعاونها مع طهران وتطوير مسارات اقتصادية بديلة، وفي هذا السياق، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر أليموف استعداد موسكو لدعم جهود الوساطة لإنهاء النزاع حول إيران والحفاظ على استقرار الشرق الأوسط.
أما الهند، فقد تراجعت تجارتها مع إيران من 17 مليار دولار إلى نحو 1.7 مليار دولار في 2024-2025، ما يجعل حضورها التجاري أقل من الصين وروسيا، لكنه يضعها ضمن اختبار العقوبات الثانوية الأمريكية.،وهنا تواجه واشنطن معادلة صعبة، هل تستطيع إجبار هذه القوى على التخلي عن مصالحها مع طهران، أم أن الضغوط ستدفعها إلى تقليل اعتمادها على النظام المالي الأمريكي؟
وفي مواجهة هذا التصعيد، تتحرك طهران لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية، قد كشف الحرس الثوري عن سيناريوهات لمواجهة الحرب الاقتصادية، مؤكدًا قدرته على تجاوز واشنطن وإقامة علاقات اقتصادية مع دول أخرى.، وقالت المتحدثة باسم الحكومة، لا ننكر الصعوبات الاقتصادية لكننا سنتجاوز الضغوط بالحكمة والحفاظ على وحدتنا، بينما أكد وزير الاقتصاد أن العقوبات ليست جديدة وأن واشنطن فشلت مرارًا في قطع شرايين الاقتصاد الإيراني.
وتزامن ذلك مع تحرك إيراني لتوسيع العلاقات مع دول الجوار، خصوصًا باكستان، في محاولة لفتح مسارات سياسية واقتصادية وأمنية تخفف من آثار العزلة الأمريكية، وفي هذا السياق، أكد رئيس البرلمان الإيراني أنه بحث مع قائد الجيش الباكستاني مواصلة جهود إسلام آباد لتعزيز السلام والأمن في المنطقة، إلى جانب متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم وضرورة التزام واشنطن بتعهداتها بموجبها، ويكشف استمرار طهران في التمسك بالمذكرة عن رغبتها في إبقاء المسار الباكستاني مفتوحًا على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي السياق نفسه، نقلت الرئاسة الإيرانية عن الرئيس مسعود بزشكيان استعداده للتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني مع الدول الإسلامية ودول الجوار، بما يعكس توجهًا لبناء شبكة إقليمية أوسع تساعد طهران على التعامل مع الضغوط الأمريكية.
وفي المقابل، يرفع ترامب سقف المواجهة، قائلًا، نحن ننتصر على الجميع بما في ذلك إيران التي تعاني من انهيار عسكري واقتصادي مدمر، ومع استمرار التصعيد، أعلن وزير الحرب الأمريكي عدم استبعاد استخدام القوة في مضيق هرمز أو أي مكان آخر، ما يضيف بعدًا عسكريًا إلى الأزمة وتداعيات محتملة على أسواق الطاقة العالمية.
المعركة الحقيقية في هذه المواجهة هي ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الأزمة الاقتصادية إلى ضغط سياسي يهدد استقرار النظام، نجاح ذلك لا يتوقف على حجم العقوبات، وإنما على مدى قدرة الولايات المتحدة على تقييد البدائل التي تعتمد عليها طهران في تجارتها وتمويلها.
إيران تمتلك خبرة طويلة في مواجهة العقوبات، وطورت قنوات للتجارة والطاقة والتمويل خارج المنظومة الغربية، بينما تمثل علاقاتها مع الصين وروسيا ودول الجوار شبكة مهمة لتقليل أثر الضغوط. لذلك، فإن إغلاق هذه المسارات سيكون العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد نتيجة الاستراتيجية الأمريكية.
فإذا تمكنت واشنطن من خفض صادرات النفط والضغط على شركاء إيران، قد تواجه طهران أزمة مالية أكثر حدة، ويصبح تأثيرها على الداخل أكبر، أما استمرار هذه القنوات، قد يمنح إيران قدرة على الصمود ويعزز توجهها نحو الشرق، في وقت قد تدفع فيه العقوبات القوى المتضررة منها إلى تطوير آليات تجارية ومالية أقل اعتمادًا على النظام الأمريكي.
ويبقى الداخل الإيراني العامل الحاسم، فإذا عجزت طهران عن احتواء تداعيات الأزمة والحفاظ على الاستقرار والإيرادات،قد تتحول الضغوط إلى تهديد سياسي مباشر، أما إذا نجحت في إدارة الأزمة والاستفادة من شركائها،سيصبح إسقاط النظام من الداخل أكثر صعوبة.
وعليه، فإن السؤال ليس قدرة واشنطن على فرض مزيد من العقوبات، وإنما قدرتها على منع إيران من الوصول إلى البدائل، فإذا نجحت، قد يتحول الخنق الاقتصادي إلى تهديد لبقاء النظام، وإذا فشلت، فقد تدخل المواجهة مرحلة استنزاف طويلة تعزز ارتباط إيران بالشرق وتضع النفوذ الاقتصادي الأمريكي أمام اختبار حقيقي، وبذلك تتجاوز الحرب الاقتصادية حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، لتصبح اختبارًا أوسع لمن يملك القدرة على فرض العزلة الاقتصادية، ومن يستطيع كسرها













0 تعليق