Advertisement
الى ذلك، تتكاثر القراءات والتحليلات التي تتوقف عند الجهة التي تستهدفها هذه العقوبات فعليًا، ومن يتحمل الجزء الأكبر من تداعياتها على أرض الواقع؟ فبينما تملك النخبة الايرانية الحاكمة والمقربون منها أدوات وشبكات اقتصادية تتيح لهم امتصاص جزء كبير من الضغط، يبدو أن وطأة الحصار تنعكس بشكل أكثر قساوة على حياة الإيرانيين، في تفاوت يطرح تساؤلات حول جدوى هذه الاستراتيجية وأهدافها الحقيقية.
في هذا السياق، يلفت الأكاديمي والباحث السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، الدكتور خالد الحاج، في حديث لـ "لبنان 24"، إلى أن إيران تواجه اليوم إحدى أشد المراحل الحرجة في تاريخها الحديث، ولا سيما مع وصول العقوبات الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة تطال معظم قطاعاتها. وتستهدف هذه العقوبات بالدرجة الأساسية الحرس الثوري الإيراني الذي يسيطر على مفاصل الدولة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، ما يجعل الشعب الإيراني المتضرر الأول منها.
رهان أميركي على الانفجار الداخلي
ويوضح الحاج أن الإدارة الأميركية تدرك طبيعة الانصهار القائم بين الحرس الثوري وطبقات الشعب المرتبطة به وب "قوات الباسيج"، إذ إن معظم الجنود ينتمون اجتماعياً للطبقات الفقيرة والقرى. وهذا ما يجعل استهداف الاقتصاد والعقوبات يطال الفئات الشعبية مباشرة، وهو ما يمكن استثماره سياسياً على قاعدة أن الضغط المتواصل سيؤدي حتماً إلى الانفجار والخروج في تظاهرات كطبيعة بشرية وتاريخية.
ويرى الحاج أن هذا المسار كان ملموساً قبل الأحداث العسكرية الأخيرة، حيث تحرك الشارع الإيراني تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الخانقة، غير أن الحرس الثوري نجح في إخماد تلك التحركات بفضل قدراته العسكرية رغم الفاتورة البشرية المرتفعة، موجهاً رسالة مفادها أن أي خروج على الولي الفقيه أو استهداف للنظام يقابل بشراسة. إلا أن استراتيجية "الضغط المتواصل يولد الانفجار" لا تزال هي العنوان الحاكم للمشهد الداخلي.
ويرى الحاج إلى أن المتضرر الأكبر من هذا الحصار على المستوى الدولي هي الصين، نظراً لعلاقتها الاقتصادية الممتدة مع إيران واعتمادها التاريخي على النفط الإيراني الرخيص، إضافة إلى توقف معظم المشاريع المرتبطة بمبادرة "طريق الحرير" والتنمية، تتلوها روسيا المتضررة بدورها بحكم العلاقات الجيوسياسية والتوازنات المشتركة بين الطرفين.
الالتفاف على الحصار
رئيس مركز الأبحاث والاستشارات الكاتب السياسي حسان القطب، لفت من جهته، عبر "لبنان 24"، إلى أن العقوبات، وخاصة المالية منها، تؤدي إلى معاقبة عامة الشعب وليس القياديين من السياسيين والقادة العسكريين، وفي ايران، بدأت العقوبات تؤدي إلى ارتفاع صوت المعارضة الداخلية نتيجة عجز السلطة عن تأمين الحاجات الأساسية وارتفاع التضخم المالي وتشديد المراقبة الأمنية على المواطن الإيراني.
وقد حاولت إيران استيعاب العقوبات الأميركية والالتفاف عليها بفتح خطوط إمداد بديلة، مستخدمة حدودها البرية مع العراق وتركيا وأذربيجان وأرمينيا، والبحرية عبر بحر قزوين مع روسيا. ولكن منع إيران من تصدير النفط والغاز عبر مرافئها أضعف قدرتها المالية، وبالتالي عجزت عن استيراد حاجاتها لعدم إمكانية سداد ثمنها نقداً، مع حجز أموالها في المصارف الغربية، وحتى تصدير النفط عبر السفن التابعة لها سراً وبدون إعلان توقف.
الخاسرون الكبار دولياً
اما بالنسبة للدول التي تضررت بشكل مباشر، فهي حسب القطب، العراق، تركيا، باكستان، أرمينيا، روسيا، والصين. أما دول الخليج العربي فيرى انها لم تتضرر لأنها كانت خط تصدير واستيراد خلفي ثانوي نتيجة الحذر المتبادل في التعاون والتبادل التجاري والمالي، وبسبب التصريحات والسياسات العدائية التي كانت تطلقها إيران وأدواتها وأذرعها بحق هذه الدول باستمرار، مع تبيان أن أكثر من 50% من المسيّرات والصواريخ التي أُطلقت على دول الخليج العربي كانت من الفصائل العراقية المسلحة.
الخليج يعيد التموضع
ويقول القطب: إن الإرهاب الإيراني المتمادي بالقصف والتهديد سيدفع دول الخليج لتوثيق تعاونها مع الولايات المتحدة الموجودة أصلاً في دول المنطقة عسكرياً وسياسياً. ويضيف ان دول الخليج العربي بدأت برسم استراتيجية دفاعية جديدة تقوم على تطوير قدراتها ونسج تحالفات محلية وإقليمية ودولية للدفاع عن نفسها ومواجهة الأطماع والاعتداءات الإيرانية؛ مثل "تحالف مكة الدفاعي" بين السعودية وتركيا وباكستان، والتحالف البحري بين 15 دولة لحماية الممرات البحرية من باب المندب إلى مضيق هرمز بقيادة سعودية باكستانية، إضافة إلى بدء دول المنطقة بالبحث عن خطوط نقل بديلة عن مضيق هرمز لحماية اقتصادها واستقرارها الاجتماعي ووضعها المالي، وكذلك للحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة لدول العالم.
مصير محور إيران
هذا الوضع المستجد حسب القطب، قد يزعج إيران، ولكن لا قدرة لها على تغيير الأمر الواقع أو مواجهته لأنها تسببت بإطلاقه نتيجة سياساتها وطموحاتها الدينية - السياسية. ويرى ان محور إيران ذاهب نحو الاندثار والانهيار لغياب الدعم المالي وتدمير مقدرات إيران العسكرية والاقتصادية، معتبراً انه لم يبق لها سوى إثارة الغرائز الدينية لدى جمهورها لإبقاء محورها على قيد الحياة، وهذا لا ينفع ولا يدوم طويلاً.
ويشدد قطب، على انه مع غياب الدعم المالي لإيران يتراجع الحضور باستثناء العقائديين فقط. ويرى ان الحوثي نموذج كما حزب الله والحشد الشعبي، وإيران اليوم تستخدم هذه الأدوات حتى الحد الأقصى لعل وعسى يؤدي هذا الانخراط إلى تأخير أو تعديل النهاية الحتمية.
تضع هذه العقوبات إيران أمام معادلة صعبة، تتمثل بالصمود بثمن شعبي باهظ، أو التنازل بثمن سياسي لا تريد دفعه. ويبدو أن النظام اختار الصمود والتعنت، تاركاً الشعب الإيراني يتحمل وطأة قرار لم يشارك في اتخاذه. أما على مستوى المنطقة، فالمشهد يتجاوز إيران نفسها، تحالفات جديدة تُبنى، وحسابات قديمة تُعاد، في وقت تُخيّم فيه حالة من الغموض على أفق هذه المواجهة، ولا أحد يجزم متى أو كيف ستنتهي.






0 تعليق