ياسمين فراج: الإنترنت أتاح للجميع أن ينتجوا وينشروا " 1_3"

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تغيرت خريطة الإنتاج الفني والثقافي بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة. فبعد أن كان الفنان يمر عبر مؤسسات مركزية تملك مفاتيح الوصول إلى الجمهور، أصبح بإمكان أي شخص تقريبًا أن ينتج عمله داخل منزله وينشره مباشرة عبر منصات الإنترنت. هذا التحول لم يفتح فقط أبوابًا واسعة أمام حرية التعبير والإبداع، وإنما أفرز كذلك أسئلة جديدة حول الجودة والهوية والمرجعية، ومن يقف وراء العمل الفني ومن يملك حق تقديمه للجمهور.

 

في هذا الحوار، تتحدث الناقدة والباحثة الموسيقية ياسمين فراج، عن تجربتها في الموسيقى والمسرح والصحافة، وعن دور وزارة الثقافة في تكوين جيل كامل من المثقفين، كما تتناول طبيعة النقد الموسيقي وشروطه، والفرق بين التحليل الموسيقي والنقد، وأهمية السياق التاريخي والثقافي في قراءة الأعمال الفنية، وصولًا إلى واقع النقد الموسيقي في مصر اليوم.

 

من الإذاعة إلى يوتيوب.. كيف تغير الطريق إلى الجمهور؟

 

أنا من الجيل الذي كان عليه أن يمر بمراحل كثيرة حتى يصل إلى الجمهور. دخلت لجنة الاستماع في الإذاعة لاعتماد صوتي، ثم تدربت لمدة ستة أشهر مع الدكتورة وفاق فريدون. وبعد ذلك أُتيحت لي فرصة الغناء، وقدمت أغنية في إذاعة الدلتا باللهجة الفلاحية.

 

في ذلك الوقت كان الوصول إلى الجمهور يمر عبر دورة كاملة من العمل والاختبارات. كان الفنان يسعى إلى الظهور في «أضواء المدينة» أو التلفزيون أو الإذاعة، وكانت المؤسسات الثقافية والإعلامية تلعب دورًا أساسيًا في عملية الاختيار والنشر.

 

أما اليوم فقد تغير كل شيء. يمكن أن يكون لديك استوديو داخل غرفة في منزلك، وجهاز كمبيوتر وميكروفون وبرامج لمعالجة الصوت، ثم تغني وتنشر مباشرة على يوتيوب أو سبوتيفاي. لم تعد هناك مركزية واحدة تتحكم في عملية الإنتاج والنشر والوصول إلى الجمهور.

 

هل أدت التكنولوجيا إلى حالة الفوضى التي نعيشها؟

 

التطور التكنولوجي أدى بالفعل إلى غياب المركزية. الإنترنت أتاح للجميع أن ينتجوا وينشروا، وهذه الإتاحة تحمل جانبًا إيجابيًا بالتأكيد؛ لأنها فتحت المجال أمام حرية التعبير والإبداع.

 

لكنها في الوقت نفسه أدت إلى حالة من الفوضى، لأن الجميع أصبح قادرًا على النشر من دون وجود آليات واضحة للفرز أو التقييم. وهذا لا ينطبق على الموسيقى فقط، بل على الكتب وعلى مختلف أشكال الإنتاج الثقافي.

 

لكن فكرة الإنترنت في بدايتها ارتبطت بالحرية وإتاحة التعبير للجميع؟

 

بالتأكيد. عندما نقرأ الكتابات الأمريكية والإنجليزية التي تناولت نشأة الإنترنت، نجد أن جزءًا كبيرًا منها كان يرى أن الإنترنت سيؤدي إلى مزيد من الحرية، بحيث لا تكون هناك سلطة مركزية تتحكم في الكلمة أو الرأي أو الفن.

 

لكن التجربة أثبتت أن الأمر أكثر تعقيدًا. إتاحة الإنترنت للجميع أدت أيضًا إلى انتشار معلومات وإشاعات وأخبار غير دقيقة على نطاق واسع. ولولا الإنترنت ما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل.

 

فيسبوك وتويتر ثم «إكس» وغيرها استفادت من هذا التحول التكنولوجي، وأصبح العالم كله يمارس عملية النشر والمشاركة بصورة مباشرة.

 

هل كانت هناك سوابق لهذه الحالة قبل الإنترنت، مثل الإذاعات الأهلية؟

 

كانت هناك بالفعل إذاعات أهلية، لكنها كانت في النهاية خاضعة لأشكال مختلفة من التنظيم والرقابة، ولذلك لا يمكن مقارنتها تمامًا بما يحدث اليوم.

 

أنا هنا لا أتحدث عن نوع الأغنية، وإنما عن سؤال أكثر أهمية: من الذي يقدم ماذا؟

 

اليوم يمكن أن تسمع صوتًا ولا تعرف من يغني، أو تعرف عملًا ولا تعرف من أنتجه، أو تتعامل مع شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي ولا تعرف بالضرورة هويتها الحقيقية.

 

هل أنتجت وسائل التواصل الاجتماعي مفهومًا جديدًا للظهور والاختفاء؟

 

بالتأكيد. نحن وصلنا إلى مرحلة يمكن أن يكون فيها أمامنا جسد فيزيقي ظاهر، لكن صاحبه متخفٍ. أنت تتعامل مع شخص خلف شاشة، لكنك لا تعرف بالضرورة اسمه الحقيقي أو صورته الحقيقية.

 

أصبحنا أمام جدلية واضحة: جزء ظاهر وجزء خفي. وهذه الجدلية يمكن أن نجد لها انعكاسات في بعض الأعمال الفنية أيضًا.

 

كيف انتقلتِ إلى مجال نقد الموسيقى؟

 

نقد الموسيقى في مصر مجال نادر نسبيًا. من الأسماء التي اشتغلت في منطقة قريبة من هذا المجال بريجيت شيفر، وهي ألمانية أقامت في مصر فترة طويلة واهتمت بالموسيقى في سيوة، وأصدرت كتابًا مهمًا.

 

كانت صاحبة عقلية أكاديمية ونقدية واستقصائية، خصوصًا أنها أقامت في سيوة سنوات من أجل جمع مادتها ودراستها.

 

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، لم يكن مصطلح «النقد» بالمعنى المتداول اليوم قد استقر تمامًا، لكن كانت هناك بالتأكيد ممارسات نقدية وعقول تهتم بالتحليل والرصد.

 

ولماذا اخترتِ الموسيقى تحديدًا؟

لأنني درست الموسيقى منذ وقت مبكر. والدي كان يريدني أن ألتحق بالكونسرفتوار، وقال لي ألا أكتفي بالتعليم العادي، وأن أتعلم شيئًا آخر إلى جانبه. التحقت بالتربية الموسيقية، وكنت قد درست الموسيقى قبل ذلك. درست الصولفيج والموسيقى العربية والغربية مع أساتذة مثل كمال إسماعيل والعزيزة عباس في معهد رمسيس، منذ المرحلة الإعدادية تقريبًا.

 

ارتبطت بالموسيقى مبكرًا، وأحببتها ومارستها وتعلمت العود. ولذلك قلت لنفسي: طالما أنني أجيد شيئًا وأحبه، فلماذا لا أكمل فيه؟ فأجمل شيء في الدنيا أن يتحول عملك إلى هوايتك، وهوايتك إلى عمل.

 

ومتى دخل المسرح إلى تجربتك؟

 

جاء المسرح بالتراكم أيضًا. كانت أول تجربة لي مرتبطة بنجيب سرور، وكان الإخراج لسعيد سليمان، وشاركت فيها وأنا ما زلت في مرحلة البكالوريوس تقريبًا. كنت قد تراكمت لدي خبرات مختلفة، ولذلك لم أشعر بالخوف رغم أن الوقوف على المسرح تجربة مرعبة في البداية.

 

وكيف بدأتِ الكتابة الصحفية؟

 

جاءت الفرصة عندما ذهبت إلى المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ثم تعرفت إلى صفحة «جريدة القاهرة». سألت عن الشخص المسؤول عنها، وقيل لي إن أيمن  الحكيم هو الذي يتولى الصفحة.

 

ذهبت إليه وقلت له إنني أريد أن أكتب في الجريدة، رغم أنني لم أكن أعرف في البداية كيف أكتب بشكل احترافي. أعطاني موضوعًا لأكتب عنه، وبدأت بالفعل، ثم استمريت في الكتابة في «جريدة القاهرة».

 

ما الذي أضافته وزارة الثقافة إلى تجربتك وتكوينك الثقافي؟

 

وزارة الثقافة كانت تجربة عظيمة بالنسبة إليّ وإلى أجيال كثيرة. مطبوعات مثل «جريدة القاهرة» كانت تفتح أبوابًا واسعة أمام الشباب.

 

كانت الجريدة تصدر في بداية كل شهر، وكان يصاحبها كتاب. أتذكر أنني جمعت عددًا كبيرًا من هذه الكتب. كانت الكتب تُباع بأسعار بسيطة جدًا، ولذلك أتيح لنا أن نقرأ ونتعرف إلى أفكار ومجالات لم تكن لتصل إلينا بسهولة.

 

وأعتقد أن مشروع الكتب المصاحبة لـ«جريدة القاهرة» كان مشروعًا مهمًا جدًا، ولا يقل أهمية عن مشروعات ثقافية أخرى مثل "مكتبة الأسرة". .هذه المشروعات أسهمت في تكويننا الثقافي من خلال إتاحة المعرفة بأسعار بسيطة.

 

كيف تطورت تجربتك في النقد بعد ذلك؟

بدأت أقرأ وأبحث وأتعلم من أساتذتي. أقرأ وأبحث. تعلمت تدريجيًا ما معنى النقد، وما معنى البنيوية والبنيوية التوليدية، وبدأت أستمع وأقرأ وأعود إلى الكتب والمراجع. وأعتقد أن الاستعداد للتعلم مهم جدًا. فليس كل شخص لديه القدرة نفسها على الاستجابة للتعلم؛ هناك أشخاص يكونون مشغولين جدًا، وهناك أشخاص لا تكون لديهم الرغبة الحقيقية في التعلم.

 

كيف تعرفين النقد؟

 

النقد، في رأيي، هو القدرة على فرز الجيد من الرديء، وقراءة الأشياء بطريقة تساعد على توصيلها إلى الجمهور، وكذلك إخراج الوعي الموجود لدى المبدع وإيصاله إلى القارئ.

والناقد لا يقتصر دوره على إصدار حكم مثل «جيد» أو «سيئ»، وإنما يحاول أن يقرأ العمل ويفهم عناصره وعلاقاته وسياقه، ثم يشرح ذلك للقارئ بطريقة واضحة.

 

هل يمكن تطبيق النقد على الموسيقى والسينما والمسرح وغيرها؟

 

بالتأكيد. النقد يمكن أن يطبق على الموسيقى والسينما والمسرح وغيرها من الفنون. في الموسيقى، مثلًا، إذا كانت هناك جملة موسيقية مرتبطة بجملة شعرية، يستطيع الناقد المتخصص أن يسأل: هل الجملة الموسيقية متوافقة مع الجملة الشعرية؟ وهل اللحن يخدم النص أم لا؟ لكن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب معرفة حقيقية باللغة الموسيقية.

 

هل النقد الموسيقي أصعب من أنواع النقد الأخرى؟

 

في رأيي، نعم، لأن الموسيقى لها أبجدية خاصة بها. وقد قال لي الدكتور سامح معروف إنه لا يستطيع أن ينقد الموسيقى لأنها لغة لها أبجديتها الخاصة. من لا يجيد قراءة النوتة الموسيقية لن يستطيع، في رأيي، أن يمارس النقد الموسيقي المتخصص بصورة كاملة.

قد يستطيع الناقد أن يتحدث عن ظواهر عامة أو أن يقدم انطباعات وملاحظات، لكن النقد الموسيقي الحقيقي يحتاج إلى معرفة باللغة الموسيقية نفسها.

هل مجرد دراسة الموسيقى أو التخرج في الكونسرفتوار تجعل الشخص ناقدًا موسيقيًا؟

 

بالطبع لا. معرفة أبجديات الموسيقى وقراءة النوتة الموسيقية ضرورية، لكنها ليست كافية. لا بد من وجود خلفية فلسفية ومعرفة بالمدارس النقدية والمناهج المختلفة.

 

قد يستطيع شخص دارس للموسيقى أن يحلل مقطوعة ويقول إنها في سلم معين أو مقام معين، لكنه قد لا يستطيع أن يفسر دلالة العمل، أو علاقته بالسياق، أو علاقته بالشعر والكلمة، أو موقعه داخل تاريخ الموسيقى.إذن هناك فرق بين التحليل الموسيقي والنقد الموسيقي.

 

وهل يستطيع الناقد الموسيقي أن يحكم على مدى توافق اللحن مع النص الشعري؟

 

بالتأكيد، إذا كان يمتلك الأدوات اللازمة. الكلمة نفسها لها موسيقى، والشعر له عروضه وبحوره وتفعيلاته، بينما الموسيقى لها موازين ومقامات وأشكال وإيقاعات.لذلك يستطيع المتخصص أن يدرس العلاقة بين الجملة الشعرية والجملة الموسيقية، وأن يحدد ما إذا كان اللحن متوافقًا مع النص أم لا. لكن من يستطيع القيام بذلك هو من يجيد قراءة اللغتين: لغة الشعر ولغة الموسيقى.

 

هل يكفي أن يكون الناقد موسيقيًا حتى يستطيع ممارسة النقد؟

 

لا. المعرفة الموسيقية وحدها لا تكفي. لا بد من وجود خلفية فلسفية ومعرفة بالمدارس النقدية. فقد يكون الشخص قادرًا على قراءة النوتة وتحليل المقام والإيقاع، لكنه لا يعرف كيف يضع العمل في سياقه التاريخي والثقافي والاجتماعي.النقد ليس مجرد وصف للعمل، وإنما هو محاولة لفهمه وتأويله وربطه بالسياق الذي نشأ فيه.

 

ما أهمية السياق في النقد الموسيقي؟

 

السياق مهم جدًا. لا يمكن أن نحاكم عملًا فنيًا أُنتج في القرن التاسع عشر بأدوات ومعايير القرن الحادي والعشرين.

 

يجب أن نسأل أولًا: كيف كانت الظروف في الفترة التي أُنتج فيها العمل؟ وما الأفكار السائدة آنذاك؟ وما الأدوات الفنية والجمالية المتاحة للمبدع؟ هذا ما يسمى النقد السياقي، وهو مهم جدًا في النقد المسرحي والسينمائي والموسيقي، لأنه يربط العمل الفني بالسياق الذي وُلد فيه. فالسياقات تتغير، ومعها تتغير أدوات العمل الفني ومعاييره.

 

هل النقد الموسيقي في مصر حاليًا في حالة موات؟

 

لا أعتقد أن هناك حالة موات، بل هناك نوع من الندرة. النقد الموسيقي موجود، وهناك إنتاج، لكن عدد المتخصصين القادرين على الجمع بين المعرفة الموسيقية والخلفية الثقافية والفلسفية والمناهج النقدية قليل.

 

أنا أعرف بعض الأسماء التي تعمل في هذا المجال، لكن من الصعب أن نقول إن هناك اسمًا واحدًا يحتكر المشهد. الأفضل أن نرصد المشهد كله وننظر إلى الإنتاج الموجود بالفعل.

وما الذي يميز الكتب التي قدمتِها في هذا المجال؟

 

حرصت على أن تكون كتبي في مجال النقد، ولم أقدم كتبًا عن السيرة الذاتية لملحنين أو مؤلفين موسيقيين ثم أطلق عليها كتبًا نقدية. هناك في السوق كتب تتناول ملحنين أو مؤلفين موسيقيين من خلال السيرة الذاتية أو جمع المقالات، لكنني كنت حريصة على أن تكون كتبي قائمة على ممارسة النقد نفسه وأدواته.

 

والهدف بالنسبة إليّ هو أن يكون الكتاب نقديًا بالفعل، وليس مجرد تجميع لمعلومات عن حياة فنان أو أعماله. في النهاية، يظل السؤال الأهم هو: كيف يمكن أن نحافظ على حرية الإبداع التي أتاحتها التكنولوجيا، من دون أن تتحول هذه الحرية إلى فوضى تلغي معايير الجودة والمعرفة؟ يبدو أن الإجابة تبدأ من استعادة دور النقد، لا بوصفه سلطة رقابية، وإنما باعتباره أداة للفهم والفرز وفتح الطريق أمام الجمهور إلى العمل الفني.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق