وفي الجزء الثاني من الحوار، تتحدث الناقدة والباحثة الموسيقية الدكتور ياسمين فراج عن واقع النقد الموسيقي في مصر، ومعايير تقييم الإنتاج النقدي، وانتقالنا من الإعلام المركزي إلى عصر المنصات، ثم تتوقف عند مفهوم «ثقافة بلا علم»، وتأثير المنصات العالمية في تشكيل وعي الجمهور، وصولًا إلى ضرورة إعادة التفكير في تعليم الطفل ودور المسرح المدرسي والحصة الثقافية.
هل النقد الموسيقي في مصر يعيش حالة موات أم ما زال هناك إنتاج نقدي حقيقي؟
لا، لا أعتقد أن هناك حالة موات، وإنما هناك ندرة. النقد الموسيقي من أصعب أنواع النقد، لأنه يمتلك أبجديته الخاصة، وهذه الأبجدية يجب أن تكون مسنودة بخلفية ثقافية وفلسفية. والذين يستطيعون الجمع بين الأمرين قليلون جدًا.
لكن لا يصح أن نقول إن هناك شخصًا واحدًا فقط يمثل النقد الموسيقي في مصر. من الأفضل أن نرصد المشهد كله، وننظر إلى الإنتاج الموجود وإلى الكتب والدراسات التي تصدر بالفعل.
وأنا، والحمد لله، كتبي كلها تقريبًا في مجال النقد، ولم أكتب كتبًا في السيرة الذاتية لملحنين أو مؤلفين موسيقيين ثم أقدمها باعتبارها كتبًا نقدية. هذا موجود بالفعل في السوق، وهناك كتب تتناول ملحنين أو مؤلفين موسيقيين من خلال السيرة الذاتية أو جمع المقالات، لكنني حرصت على أن تكون كتبي نقدية بالمعنى الحقيقي.

هل ترين أن عصر المنصات يمثل تحولًا في طبيعة الإعلام نفسه؟
بالتأكيد. نحن انتقلنا من الإعلام المركزي الذي كان يقدم لك الخدمة مجانًا إلى إعلام اختياري تذهب إليه بنفسك وتدفع مقابل الحصول عليه. غير ان المركزيكان مرتبطًا في فترات معينة بأنظمة سياسية واجتماعية محددة، بينما أصبح الإعلام اليوم جزءًا من منظومة اقتصادية تقوم على السوق والاشتراكات.
وهذا يوضح لماذا أتحدث عن السياسة عندما أتناول التعليم أو الفن أو الإعلام. كل شيء في العالم مرتبط بالسياسة؛ التعليم مرتبط بالسياسات الدولية والمحلية والإقليمية، والفن أيضًا يتأثر بهذه السياقات، وكذلك الإعلام.
هل يعني ذلك أن عصر المنصات يخدم النظام الرأسمالي؟
إلى حد كبير، نعم. عصر المنصات جزء من النظام الاقتصادي القائم على السوق. انتقلنا من مرحلة كان يقال فيها للمشاهد: «هذا هو البرنامج الذي اخترناه لك»، إلى مرحلة أصبح فيها المشاهد هو الذي يختار ما يريد، لكن في المقابل يدفع مقابل هذا الاختيار.
في التلفزيون التقليدي كانت هناك قنوات محددة تقدم لك الخدمة مجانًا، وكان بإمكانك أن تشاهد برنامجًا ثقافيًا أو فيلمًا أو برنامجًا عن الأطفال أو العلوم أو التاريخ. أما اليوم، فأنت تدخل إلى المنصة وتختار، لكنك تدفع مقابل هذا الاختيار.
وهنا نصل إلى مفارقة مهمة: مساحة الاختيار أصبحت أوسع بكثير، لكن القدرة على الاختيار نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا.

هل كثرة الخيارات تعني بالضرورة مزيدًا من المعرفة؟
ليس بالضرورة. هذه نقطة شديدة الأهمية. نحن نعيش اليوم في حالة يمكن أن أسميها «طرح المعرفة». هناك كتاب اسمه «زمن التفاهم»، وهناك كتاب آخر أهم بالنسبة لي في هذا السياق هو «زمن ثقافة بلا علم».
الفكرة أن الثقافة أصبحت أحيانًا مطروحة على قارعة الطريق. قد تجد منشورًا من خمسة أسطر يقدم لك معلومة عن التاريخ أو الصحة أو السياسة، فتشعر أنك اكتسبت ثقافة. لكن الثقافة ليست مجرد مجموعة معلومات متناثرة.
مثلًا، قد تجد منشورًا يتحدث عن ثورة 1919، ويقدم لك بعض المعلومات عنها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن من قرأ المنشور أصبح لديه معرفة حقيقية بتاريخ الثورة أو سياقها السياسي والاجتماعي. المشكلة أننا لم نعد نفرق بصورة واضحة بين المعلومة والمعرفة والثقافة.
وما الفرق بين المعلومة والمعرفة من وجهة نظرك؟
المعلومة جزء من الثقافة، لكن الثقافة أعمق من مجرد تجميع المعلومات. المعرفة تعني القدرة على ربط الأشياء ببعضها، وربط المعلومة بسياقها، وفهم العلاقات بينها. الشخص الذي يمتلك معرفة قادر على إنتاج معلومات جديدة، بينما الشخص الذي يمتلك معلومات متفرقة لا يكون بالضرورة قادرًا على إنتاج معرفة. هذه هي المشكلة الأساسية التي أراها في عصر الإتاحة الشديدة للمعلومات.

لكن لدينا اليوم ملايين الكتب والملفات الرقمية، فلماذا لا نقرأ؟
لأن الإتاحة وحدها لا تعني القراءة. هناك ملايين الكتب على الإنترنت، وهناك ملفات PDF ومواقع كثيرة تتيح المعرفة، لكن معدلات القراءة لا تزال قضية مختلفة تمامًا.
المشكلة ليست في أن الكتاب أصبح غير موجود؛ الكتاب موجود، وربما أصبح الوصول إليه أسهل من أي وقت مضى. المشكلة في علاقتنا بالقراءة نفسها، وفي قدرتنا على تحويل ما نقرأه إلى معرفة مترابطة.
هل ينطبق ذلك على جيلكم بشكل خاص؟
نحن يمكن أن نطلق على أنفسنا «جيل الوسط». نحن الجيل الذي عاش الانتقال بين عالمين. رأينا الهاتف الذي يعمل بالقرص، ثم رأينا الهواتف الحديثة والآيفون والساعات الذكية. رأينا اللمبة الجاز، ثم دخلنا عالم التكنولوجيا الحديثة.
ولهذا اخترت الحديث عن «عصر المنصات»، لأنني أرى الفرق بين العالمين بوضوح. نحن لم ننتقل من عالم إلى آخر مرة واحدة، وإنما عشنا مراحل التحول كلها.
وهل تفرض المنصات العالمية ثقافتها على الجمهور؟
بالتأكيد، وهذه نقطة مهمة جدًا. المنصة التي نذهب إليها، مثل نتفليكس، لا تقدم لنا محتوى محايدًا تمامًا. هي تقدم ثقافة ونمطًا معينًا في التفكير والحياة.
عندما نشترك في هذه المنصات وندفع أموالنا، فإننا لا نحصل فقط على الأفلام والمسلسلات، وإنما نتعرض أيضًا إلى أنماط وقيم وأفكار وثقافات مختلفة.هم يعرضون قضايا مجتمعهم، لكن الأمر يتجاوز مجرد عرض القضايا إلى تقديم نمط ثقافي كامل.

لكن بعض هذه القضايا كانت موجودة في السينما المصرية من قبل، أليس كذلك؟
بالتأكيد. هناك قضايا كثيرة نوقشت في السينما المصرية من قبل، وبعض الأفلام ناقشت موضوعات شديدة الحساسية، وربما كانت هناك أعمال سبقت ما نراه اليوم في بعض الموضوعات.
المشكلة ليست في مجرد مناقشة القضية، وإنما في السياق الذي تأتي فيه، وطريقة تقديمها، ومن يملك المنصة التي تقدمها للجمهور.
في الماضي كان هناك أيضًا نقاش، لكن لم يكن بالضرورة أحد يعلن بهذه الصراحة عن بعض القضايا أو يضعها في مركز النقاش العام. اليوم أصبحت المنصات تملك مساحة هائلة لتقديم هذه الموضوعات.
إلى أي مدى يؤثر ذلك في تكوين الطفل؟
هذا من أهم الأسئلة بالنسبة لي. نحن نحتاج اليوم إلى شخص قادر على مخاطبة الطفل المعاصر، وهذه مهمة شديدة الصعوبة.
الطفل الحالي مختلف تمامًا عن الطفل الذي كنا نعرفه. هو يعيش مع الهاتف والشاشة والأجهزة الإلكترونية منذ سنواته الأولى، ويتلقى كمية هائلة من الصور والمعلومات والمحتوى.
ولهذا السبب أحببت العمل في هذا المعهد؛ لأن وجودي فيه يجعلني أفكر في المستقبل. الطفل هو المستقبل، وهو الذي سيشكل المجتمع القادم.
هل لهذا السبب ترين أهمية خاصة لمعاهد إعداد المتخصصين في التعامل مع الطفل؟
بالطبع. نحن لا نحتاج فقط إلى ناقد أو باحث، وإنما نحتاج إلى متخصص قادر على فهم الطفل المعاصر والتعامل معه.
يجب أن يتخرج الطالب وهو قادر على الكتابة والتفكير من موقع الطفل نفسه، وأن يعرف كيف يخاطبه، وليس أن يكتب له بالطريقة التي اعتدنا عليها نحن. الطفل الذي يمسك الهاتف والأجهزة الإلكترونية طوال الوقت يحتاج إلى أساليب مختلفة في التواصل والتعليم والتثقيف.
وهل هناك تعاون بين هذه المعاهد وكليات التربية؟
هناك بالفعل بعض المقررات التربوية، مثل طرق التدريس وبعض الورش، لكنني أعتقد أننا نحتاج إلى جسور أكبر بين هذه المؤسسات.
أتمنى أن يكون هناك تعاون بين وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والكليات المعنية بالتربية وهذه المعاهد، بحيث نستفيد من الدراسات والخبرات الموجودة، وأن يكون هناك توظيف حقيقي للمتخصصين في الأماكن المرتبطة بتربية الأطفال وتعليمهم.
وأتصور أن كليات التربية نفسها يمكن أن تستفيد كثيرًا من المتخصصين في هذا المجال.
لكنك خريجة تربية موسيقية في الأصل، فهل ترين أن ما يدرس اليوم يتناسب مع احتياجات الطفل؟
هذه نقطة مهمة جدًا. أنا خرجت من التربية الموسيقية لكي أصبح مدرسة تربية موسيقية، لكن السؤال الآن: هل التربية الموسيقية التي درستها تناسب الطفل الموجود اليوم؟
وهل المدارس لديها بالفعل غرفة للموسيقى؟ وهل لديها مسرح مدرسي؟ وهل يحصل الطفل على الثقافة التي يحتاج إليها؟
وماذا عن المسرح المدرسي؟
المسرح المدرسي موجود منذ فترة طويلة، وهناك محاولات لإحيائه من جديد. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية كانت له تجارب سابقة في هذا المجال، وهناك أيضًا مهرجانات للمسرح المدرسي.
لكن المشكلة أننا أحيانًا نتصرف وكأننا نعيد اكتشاف العجلة. المسرح المدرسي كان موجودًا منذ عقود، ثم تراجع تدريجيًا، خصوصًا منذ أواخر السبعينيات، عندما تغيرت تركيبة المجتمع والمؤسسات الثقافية والتعليمية.
ومع هذا التراجع اختفت أشياء كثيرة: لم تعد هناك خبرة موسيقية كافية، ولا مسرح مدرسي بالشكل الذي كان موجودًا، ولا مساحة ثقافية حقيقية داخل المدرسة.
هل فقدت مصر دورها الثقافي أم أن الدور ما زال موجودًا لكنه مهمش؟
وأعتقد أننا نحتاج إلى مناقشته بعيدًا عن الحنين الدائم إلى الماضي. نحن طوال الوقت نتحدث عن غياب الدور الثقافي المصري أو تهميشه، لكن المسألة تحتاج إلى قراءة موضوعية: هل الدور الثقافي اختفى فعلًا؟ أم أنه ما زال موجودًا، لكنه لم يعد يحتل المساحة نفسها التي كان يحتلها؟
أنا لا أحب أن تكون علاقتنا بالثقافة مجرد بكاء على الماضي. المطلوب أن نفهم ما الذي تغير، ولماذا تغير، وكيف يمكن أن نستعيد الفاعلية الثقافية المصرية بما يتناسب مع العصر الجديد.
اليوم لم تعد المعركة الثقافية تُخاض فقط من خلال الكتاب أو المسرح أو التلفزيون التقليدي. نحن في عصر المنصات، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، وفي عصر جديد من صناعة المحتوى؛ ولذلك فإن استعادة الدور الثقافي لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما تعني أن نمتلك أدوات الحاضر ونستخدمها لإنتاج معرفة وفن وثقافة قادرة على المنافسة والتأثير.














0 تعليق