قد تكون قراءة التعامل مع تلة "علي الطاهر" على أنها مجرد مرتفع استراتيجي أو موقع عسكري مهم قراءة ناقصة لما يجري في جنوب لبنان. فمع تصاعد التركيز الإسرائيلي عليها، وفي الوقت الذي أصبحت فيه هذه التلة عقدة في المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، يبدو أن الهدف من وراء ذلك يتجاوز السيطرة على بضعة كيلومترات من الأرض.
فأهمية تلة "علي الطاهر" عسكريًا معروفة، وقد كُتب عنها أكثر مما كُتب عن ستالينغراد. فهي موقع مرتفع يشرف على النبطية وممرات ومحاور واسعة، ويمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على الرصد والتحكم بالنيران والحركة. وقد سبق لإسرائيل أن احتلت التلة حتى انسحابها من لبنان عام 2000.
ولكن لماذا كل هذا الإصرار الإسرائيلي عليها الآن، وفي هذه اللحظة السياسية تحديدًا؟
الجواب الأول قد يكون، في رأي كثيرين، أن إسرائيل تريد تحويل السيطرة الميدانية إلى ورقة تفاوضية. فإذا تمكنت من تثبيت وجودها العسكري في التلة أو فرض واقع أمني جديد حولها، فإنها لا تدخل الجولة المقبلة من المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها الجولة السابقة، بل من نقطة جديدة تكون قد صنعتها بالنار. وهذا ما يجعل المعركة على "علي الطاهر" مرتبطة مباشرة بمصير "اتفاق الإطار، أي بمعنى أكثر وضوحًا، وهو أن إسرائيل لا تريد فقط أن تمتلك التلة؛ قد تريد أن تجعل لبنان يفاوض على التلة. وهذا ما اعتادت عليه إسرائيل في حروبها السابقة.
فإذا أصبحت السيطرة الإسرائيلية على "علي الطاهر" أمرًا واقعًا، فقد تتحول المسألة تدريجيًا من احتلال مؤقت إلى جزء من مفهوم أمني إسرائيلي أوسع للجنوب. وهذا ما يفسر ربما لماذا لا تبدو هذه التلة هدفًا منفصلًا عن محيطها. فبعض القراءات الإسرائيلية ترى فيها جزءًا من منظومة أمنية أوسع، فيما حذرت تقارير لبنانية من احتمال انتقال العمليات، في حال حُسمت معركة "علي الطاهر"، إلى مواقع أخرى في إقليم التفاح مثلًا.
فإذا كانت "علي الطاهر" البداية وليست النهاية بالنسبة إلى اسرائيل، فإن السؤال لم يعد عن مصير تلة، بل عن الحدود التي تريد إسرائيل رسمها للمنطقة الأمنية التي تطمح إلى إبقائها تحت رقابتها أو نفوذها.
المعروف أن إسرائيل لا تفاوض لبنان وحده. هي تفاوض، بصورة غير مباشرة، الوسيط الأميركي أيضًا، إذ أن واشنطن تريد الحفاظ على المسار التفاوضي، بينما تشير التقارير إلى وجود فجوة بين المقاربة الأميركية التي ترى في التسوية السياسية وسيلة لإضعاف "حزب الله"، وبين الإصرار الإسرائيلي على استمرار الضغط العسكري. وهذا ما يجعل "علي الطاهر" اختبارًا للإدارة الأميركية نفسها. فهل تستطيع واشنطن منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة على الأرض، أم أن تل أبيب قادرة على جرّ السياسة الأميركية خلف الوقائع العسكرية؟ لأن نجاح إسرائيل في فرض واقع جديد في "علي الطاهر" قد يشجعها على استخدام النموذج نفسه في نقاط أخرى من خلال الضغط العسكري، والسيطرة أو التدمير، ثم إدخال النتيجة في جدول المفاوضات. عندها يصبح الميدان هو الذي يرسم شروط التسوية.
ولا يخفى أن لدى إسرائيل هدفًا آخر، وهو اختبار قدرة الدولة اللبنانية على أن تكون صاحبة القرار في الجنوب.
إذا كانت إسرائيل تطالب بأن تكون التلة تحت سيطرة الجيش، فإن في الأمر "إنّ"، إذ كيف يمكن "هضم" مطالبة تل أبيب بالجيش في الجنوب، وهي في الوقت نفسه تواصل اعتداءاتها وتفرض شروطًا تتعلق بالانتشار والسيطرة. فهل المطلوب فعلًا تعزيز سلطة الجيش، أم استخدامه كجزء من ترتيبات أمنية تُفرض من الخارج؟
لذلك، قد يكون من المبكر الجزم بأن إسرائيل تريد من "علي الطاهر" هدفًا واحدًا محددًا. لكن مجموعة المؤشرات تسمح بطرح فرضية سياسية جدية، وهي أنه من المحتمل أن تكون التلة أداة لإعادة ترتيب ميزان القوى قبل التسوية، وليس مجرد هدف في التسوية.
فإسرائيل، على ما يبدو، تريد أن تدخل أي اتفاق مقبل وهي تملك أوراقًا ميدانية أقوى، فيما يريد "حزب الله" منع تحويل الجنوب إلى منطقة تُفرض فيها قواعد اشتباك جديدة. أما الدولة اللبنانية فتريد انسحابًا إسرائيليًا لا يُربط بشروط إضافية. فيما تحاول واشنطن منع انهيار المسار كله.
وهكذا تصبح "علي الطاهر" في نقطة تقاطع أربعة مشاريع:
مشروع إسرائيلي يريد ضمانات ووقائع أمنية.
مشروع لبناني يريد الانسحاب والسيادة.
مشروع أميركي يريد إنقاذ التسوية.
ومشروع لـ "حزب الله" يريد منع فرض أمر واقع جديد.
فإذا سقطت التلة، فماذا سيسقط معها: موقع عسكري أم جزء من شروط التفاوض؟
وإذا نجحت إسرائيل في تثبيت وجودها فيها، فالسؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحًا هو: هل ستكون "علي الطاهر" آخر ورقة إسرائيلية في الجنوب، أم أول ورقة في خريطة جديدة تريد تل أبيب رسمها قبل الوصول إلى التسوية؟
Advertisement
ولكن لماذا كل هذا الإصرار الإسرائيلي عليها الآن، وفي هذه اللحظة السياسية تحديدًا؟
الجواب الأول قد يكون، في رأي كثيرين، أن إسرائيل تريد تحويل السيطرة الميدانية إلى ورقة تفاوضية. فإذا تمكنت من تثبيت وجودها العسكري في التلة أو فرض واقع أمني جديد حولها، فإنها لا تدخل الجولة المقبلة من المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها الجولة السابقة، بل من نقطة جديدة تكون قد صنعتها بالنار. وهذا ما يجعل المعركة على "علي الطاهر" مرتبطة مباشرة بمصير "اتفاق الإطار، أي بمعنى أكثر وضوحًا، وهو أن إسرائيل لا تريد فقط أن تمتلك التلة؛ قد تريد أن تجعل لبنان يفاوض على التلة. وهذا ما اعتادت عليه إسرائيل في حروبها السابقة.
فإذا أصبحت السيطرة الإسرائيلية على "علي الطاهر" أمرًا واقعًا، فقد تتحول المسألة تدريجيًا من احتلال مؤقت إلى جزء من مفهوم أمني إسرائيلي أوسع للجنوب. وهذا ما يفسر ربما لماذا لا تبدو هذه التلة هدفًا منفصلًا عن محيطها. فبعض القراءات الإسرائيلية ترى فيها جزءًا من منظومة أمنية أوسع، فيما حذرت تقارير لبنانية من احتمال انتقال العمليات، في حال حُسمت معركة "علي الطاهر"، إلى مواقع أخرى في إقليم التفاح مثلًا.
فإذا كانت "علي الطاهر" البداية وليست النهاية بالنسبة إلى اسرائيل، فإن السؤال لم يعد عن مصير تلة، بل عن الحدود التي تريد إسرائيل رسمها للمنطقة الأمنية التي تطمح إلى إبقائها تحت رقابتها أو نفوذها.
المعروف أن إسرائيل لا تفاوض لبنان وحده. هي تفاوض، بصورة غير مباشرة، الوسيط الأميركي أيضًا، إذ أن واشنطن تريد الحفاظ على المسار التفاوضي، بينما تشير التقارير إلى وجود فجوة بين المقاربة الأميركية التي ترى في التسوية السياسية وسيلة لإضعاف "حزب الله"، وبين الإصرار الإسرائيلي على استمرار الضغط العسكري. وهذا ما يجعل "علي الطاهر" اختبارًا للإدارة الأميركية نفسها. فهل تستطيع واشنطن منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة على الأرض، أم أن تل أبيب قادرة على جرّ السياسة الأميركية خلف الوقائع العسكرية؟ لأن نجاح إسرائيل في فرض واقع جديد في "علي الطاهر" قد يشجعها على استخدام النموذج نفسه في نقاط أخرى من خلال الضغط العسكري، والسيطرة أو التدمير، ثم إدخال النتيجة في جدول المفاوضات. عندها يصبح الميدان هو الذي يرسم شروط التسوية.
ولا يخفى أن لدى إسرائيل هدفًا آخر، وهو اختبار قدرة الدولة اللبنانية على أن تكون صاحبة القرار في الجنوب.
إذا كانت إسرائيل تطالب بأن تكون التلة تحت سيطرة الجيش، فإن في الأمر "إنّ"، إذ كيف يمكن "هضم" مطالبة تل أبيب بالجيش في الجنوب، وهي في الوقت نفسه تواصل اعتداءاتها وتفرض شروطًا تتعلق بالانتشار والسيطرة. فهل المطلوب فعلًا تعزيز سلطة الجيش، أم استخدامه كجزء من ترتيبات أمنية تُفرض من الخارج؟
لذلك، قد يكون من المبكر الجزم بأن إسرائيل تريد من "علي الطاهر" هدفًا واحدًا محددًا. لكن مجموعة المؤشرات تسمح بطرح فرضية سياسية جدية، وهي أنه من المحتمل أن تكون التلة أداة لإعادة ترتيب ميزان القوى قبل التسوية، وليس مجرد هدف في التسوية.
فإسرائيل، على ما يبدو، تريد أن تدخل أي اتفاق مقبل وهي تملك أوراقًا ميدانية أقوى، فيما يريد "حزب الله" منع تحويل الجنوب إلى منطقة تُفرض فيها قواعد اشتباك جديدة. أما الدولة اللبنانية فتريد انسحابًا إسرائيليًا لا يُربط بشروط إضافية. فيما تحاول واشنطن منع انهيار المسار كله.
وهكذا تصبح "علي الطاهر" في نقطة تقاطع أربعة مشاريع:
مشروع إسرائيلي يريد ضمانات ووقائع أمنية.
مشروع لبناني يريد الانسحاب والسيادة.
مشروع أميركي يريد إنقاذ التسوية.
ومشروع لـ "حزب الله" يريد منع فرض أمر واقع جديد.
فإذا سقطت التلة، فماذا سيسقط معها: موقع عسكري أم جزء من شروط التفاوض؟
وإذا نجحت إسرائيل في تثبيت وجودها فيها، فالسؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحًا هو: هل ستكون "علي الطاهر" آخر ورقة إسرائيلية في الجنوب، أم أول ورقة في خريطة جديدة تريد تل أبيب رسمها قبل الوصول إلى التسوية؟











0 تعليق