هل يهدد تبطين الترع المياه الجوفية؟ «بحوث المياه» يكشف حقيقة الدراسة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كشف المركز القومي لبحوث المياه ومعهد بحوث المياه الجوفية في وزارة الموارد المائية والري، أن ما جرى تداوله مؤخرًا عبر عدد من المواقع والمنصات الإعلامية بشأن الدراسة العلمية التي أعدتها باحثات من المعهد بعنوان «المفاضلة بين ترشيد استهلاك المياه وتغذية الخزانات الجوفية" تقييم استراتيجيات تبطين الترع في دلتا النيل"، والمنشورة في مجلة Water Science خلال مايو 2026، قدمت استنتاجات أوسع من نطاق البحث، بما أوحى بأن أعمال تبطين الترع تؤدي بصورة حتمية إلى انخفاض المياه الجوفية بنحو 3.5 متر، أو أنها تمثل تهديدا عامًا للمخزون الجوفي والأمن الغذائي.

تأثير تأهيل وتبطين الترع على المياه الجوفية

وأكد المركز أهمية الدراسة باعتبارها بحثا علميا يسهم في تعزيز فهم العلاقة المتبادلة بين المياه السطحية والمياه الجوفية، ويوفر معلومات يمكن الاستفادة منها عند دراسة أساليب إدارة وتأهيل شبكات الري واختيار البدائل الفنية الملائمة للظروف الهيدرولوجية والهيدروجيولوجية لكل منطقة، لافتًا إلى أن بعض العناوين والتفسيرات الإعلامية المصاحبة لنشر نتائج الدراسة وهذا التفسير لا يعكس بدقة طبيعة الدراسة أو السيناريوهات التي اختبرها النموذج الرياضي المستخدم فيها.

كما أوضح أن الدراسة أجريت في نطاق جغرافي محدد يقع بين محافظتي القليوبية والشرقية، واعتمدت على بيانات شبكة تضم 36 بئر مراقبة موزعة حول أربع ترع، إلى جانب تنفيذ 97 حملة رصد ميداني. 

دراسة التغيرات المحتملة في مناسيب المياه الجوفية

كذلك، واستنادا إلى هذه البيانات، جرى تطوير نموذج رياضي للمياه الجوفية بهدف محاكاة عدد من السيناريوهات المستقبلية ودراسة التغيرات المحتملة في مناسيب المياه الجوفية داخل منطقة البحث.

كما اختبر النموذج عددًا من الفرضيات، من بينها سيناريو يقتصر على تبطين ترعة الودن، حيث أظهرت المحاكاة انخفاضا متوسط في مناسيب المياه الجوفية يقدر بنحو 0.6 متر بعد مرور 20 عامًا. كما بينت النتائج أن التأثير يكون أكثر وضوحا في المناطق القريبة من الترعة، ثم يتراجع تدريجيًا كلما زادت المسافة عنها.

أشار المركز إلى أن الرقم الذي حظي بتداول إعلامي واسع، وهو 3.5 متر، فيرتبط بسيناريو افتراضي مختلف وأكثر اتساعًا، يفترض تبطين جميع الترع الفرعية الواقعة داخل كامل نطاق منطقة النموذج في الوقت نفسه. ولم يكن هذا الافتراض وصفا لما يجري تنفيذه على أرض الواقع، كما لم يكن توصية بتبطين جميع الترع، إنما استخدمه الباحثون كأداة نمذجة لدراسة الحد الأقصى المحتمل للتغير الناتج عن فقد جزء كبير من التغذية التي تصل إلى الخزان الجوفي نتيجة تسرب المياه من شبكة الترع.

وبالتالي، فإن قيمة 3.5 متر لا تمثل انخفاضا جرى رصده فعليًا في مناسيب المياه الجوفية بسبب أعمال التأهيل القائمة، ولا يمكن تعميمها على منطقة دلتا النيل بأكملها أو على شبكة الترع المصرية بوجه عام.

 كما أنها لا تمثل تقييما شاملا لبرنامج تأهيل الترع على المستوى القومي، وإنما هي نتيجة لنموذج رياضي ارتبط بافتراضات محددة وظروف هيدروجيولوجية ومعدلات سحب للمياه وأنماط زراعية داخل نطاق الدراسة.

تحسين كفاءة نقل وتوزيع مياه الري والحد من الفاقد

كما تبرز أهمية البحث في أنه لا يتعامل مع تبطين الترع باعتباره إجراء ضارا في حد ذاته، وإنما يناقش المفاضلة بين فوائد تقليل فاقد المياه من خلال التسرب وبين التأثير المحتمل لذلك على تغذية الخزانات الجوفية في بعض الظروف. ويحقق تبطين الترع فوائد هيدروليكية مهمة، من بينها تحسين كفاءة نقل وتوزيع مياه الري، والحد من الفاقد، وتقليل نمو الحشائش وتراكم الرواسب، فضلا عن خفض احتياجات أعمال الصيانة في الحالات التي يكون فيها التبطين هو البديل الفني المناسب.

ومن هنا، فإن الدراسة تطرح أهمية الموازنة بين رفع كفاءة استخدام المياه والحفاظ على التوازن الطبيعي بين موارد المياه السطحية والجوفية. وهذه الموازنة لا تعني وقف أعمال تبطين الترع، وإنما تؤكد ضرورة دراسة الظروف الخاصة بكل موقع قبل اختيار أسلوب التأهيل المناسب.

التبطين أحد البدائل الفنية المتاحة ضمن منظومة متكاملة

كما أن تأهيل الترع لا يعني بالضرورة تبطين جميع المجاري المائية؛ فالتبطين يمثل أحد البدائل الفنية المتاحة ضمن منظومة متكاملة لتأهيل الترع، ويختلف أسلوب التأهيل من ترعة إلى أخرى وفقًا لحالتها الفنية والهيدروليكية، وطبيعة التربة، والظروف الهيدروجيولوجية، ومعدلات الفقد، والمشكلات التي تعاني منها. 

وقد تشمل البدائل أعمال التطهير أو الأرنكة أو التدبيش أو التبطين أو غيرها من الحلول الفنية التي تتناسب مع طبيعة كل موقع.

وبذلك، لا تتعارض نتائج الدراسة مع النهج الفني القائم على اختيار أسلوب التأهيل وفقًا لظروف كل ترعة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها إضافة بحثية تساعد على فهم العلاقة بين أعمال تأهيل شبكات الري وحركة المياه الجوفية، وتدعم تطوير أساليب أكثر دقة في اختيار الحلول المناسبة للمواقع المختلفة.

تعقيد العلاقة بين الموارد السطحية والجوفية

كما يكتسب البحث العلمي في مجال المياه أهمية خاصة، نظرًا إلى تعقيد العلاقة بين الموارد السطحية والجوفية واختلاف خصائصها من منطقة إلى أخرى. ولذلك فإن نتائج أي نموذج رياضي يجب أن تقرأ في ضوء نطاق الدراسة والبيانات المستخدمة والافتراضات التي بني عليها السيناريو، ولا يصح فصل النتيجة الرقمية عن السياق العلمي الذي أنتجها.

كما أن اختبار سيناريو افتراضي، حتى لو كان واسع النطاق أو يمثل حالة قصوى، لا يعني بالضرورة أن هذا السيناريو مطبق على أرض الواقع أو أنه يمثل سياسة مقترحة للتنفيذ. 

وتستخدم النماذج العلمية مثل هذه السيناريوهات لاستكشاف الآثار المحتملة ومساعدة الباحثين ومتخذي القرار على فهم العلاقة بين المتغيرات المختلفة قبل اتخاذ القرارات المناسبة.

وفي هذا السياق، أكد المركز القومي لبحوث المياه ومعهد بحوث المياه الجوفية أهمية التناول الإعلامي الدقيق للدراسات العلمية، خصوصًا عندما تتعلق النتائج بإدارة الموارد المائية والأمن المائي والغذائي، فالاقتباس من رقم واحد أو نتيجة مرتبطة بفرضية محددة دون الإشارة إلى ظروفها وحدودها قد يؤدي إلى استنتاجات تختلف عن مضمون البحث الأصلي.

وتوضح الدراسة، عند قراءتها في سياقها العلمي، أن العلاقة بين تبطين الترع والمياه الجوفية ليست علاقة بسيطة يمكن اختزالها في انخفاض موحد لمناسيب المياه الجوفية على مستوى الجمهورية. فالتأثير المحتمل يعتمد على طبيعة الموقع، وخصائص التربة، وعمق الخزان الجوفي، ومعدلات التسرب والتغذية، ومعدلات السحب، إضافة إلى طبيعة شبكة الري والأنماط الزراعية السائدة.

ومن ثم، فإن الحديث عن تأثير تبطين الترع على المياه الجوفية يحتاج إلى قراءة متأنية للظروف المحلية وعدم تعميم نتائج نموذج أجري في منطقة محددة على مناطق أخرى تختلف في خصائصها الطبيعية والهيدرولوجية. 

برنامج تأهيل الترع يستند إلى  الاعتبارات الفنية

كما أن تقييم أي برنامج لتأهيل الترع يجب أن يستند إلى مجموعة متكاملة من الاعتبارات الفنية والاقتصادية والبيئية، وليس إلى مؤشر واحد أو سيناريو افتراضي منفرد.

إدارة المياه ومستقبل الموارد المائية في مصر

ويؤكد المركز أن الهدف من نشر الدراسات والأبحاث العلمية هو تطوير المعرفة ودعم الإدارة الرشيدة للموارد المائية، وأن تبطين الترع يظل أحد الحلول الفنية التي يمكن اللجوء إليها عندما تثبت ملاءمته لظروف الترعة ومشكلاتها، وفي الوقت نفسه، تظل نتائج الدراسات المتعلقة بالمياه الجوفية عنصرًا مهمًا في تطوير عملية التخطيط والتأهيل، بما يحقق التوازن بين رفع كفاءة استخدام المياه والحفاظ على الموارد المائية المتاحة.

ويأتي توضيح هذه الجوانب العلمية بهدف ضمان وصول نتائج البحث إلى الجمهور بصورة دقيقة، بعيدًا عن التهويل أو الاجتزاء، وبما يحافظ على قيمة البحث العلمي ويمنع تحويل نتائج مرتبطة بسيناريوهات محددة إلى استنتاجات عامة لا تعبر عن نطاق الدراسة. وتظل الدقة في نقل المعلومات مسؤولية مشتركة بين المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، خاصة في القضايا التي تمس إدارة المياه ومستقبل الموارد المائية في مصر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق