بعد سنوات من الإهمال واعتماد اللبنانيين بصورة أساسية على سياراتهم الخاصة والفانات ووسائل النقل غير المنظمة، يشهد قطاع النقل العام في لبنان تحوّلاً تدريجياً مع إعادة تشغيل شبكة الحافلات الرسمية بالشراكة مع القطاع الخاص ودعم هبات دولية (مثل الباصات المقدمة من قطر وفرنسا)، وتوسيع خطوطها، وإدخال أدوات رقمية لتنظيم استخدامها، وصولاً إلى إطلاق أول خدمة حافلات كهربائية عامة بين بيروت وجبيل.
Advertisement
في موازاة ذلك، ينتظر لبنان وصول 100 حافلة جديدة من الصين، كناية عن هبة تبلغ قيمتها ما يقارب 12.5 مليون دولار، إضافة إلى قطع غيار وتجهيزات مرتبطة بها، الا انها لم تصل إلى لبنان بعد على الرغم من أن الملف قطع مراحل قانونية وإدارية متقدمة.
علما انه في شهر تموز الماضي وافقت الحكومة على مشروع توريد الحافلات بتمويل من الهبة الصينية. وصدر المرسوم رقم 3475 في 24 تموز 2026 لإعفاء الهبة من الرسوم الجمركية والضرائب، وهي خطوة أساسية لإدخالها إلى لبنان وبالتالي انتقل الملف من مجرد "وعد بهبة" إلى هبة مقبولة قانونيًا ومُعفاة من الرسوم بانتظار شحنها إلى لبنان.
ما الذي تغيّر فعليًا في النقل العام؟
يُمكن القول ان قطاع النقل المشترك أُعيد إطلاقه في عام 2024 بعد سنوات طويلة من الإهمال وغياب التنظيم عبر نموذج شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وبحلول عام 2025 كان هناك نحو 93 حافلة عاملة على 11 خطًا مع حوالي 6,500 راكب يوميًا، وفق أرقام صادرة عن مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك.
ولاحقا تسلّم لبنان في كانون الأول 2025 رسميًا 30 حافلة قطرية لتشغيلها على خطوط إضافية، ضمن نموذج تتولى فيه الدولة تأمين الحافلات والقطاع الخاص التشغيل والصيانة.
وفي أيار 2026 أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أول خدمة حافلات كهربائية عامة بين جبيل وبيروت، باستخدام 4 حافلات كهربائية حديثة، مع 7 محطات على الخط. وأعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل أن الشبكة الحالية تخدم 11 خطًا وأكثر من 7,000 راكب يوميًا، مع التحضير لإضافة خطوط أخرى.
وقد أصبح عدد الحافلات العاملة في النقل المشترك يُقارب 130 حافلة وبالتالي يُمكن ان النقل العام تحسّن بوضوح من ناحية عدد الحافلات والخطوط والخدمات، لكنه لم يتحوّل بعد إلى نظام نقل عام متكامل، لأن التحسن الحقيقي يتمثل في الانتقال من قطاع مهمل يعتمد أساسًا على الباصات الخاصة والفانات إلى شبكة رسمية فيها: خطوط محددة، تشغيل بواسطة شركات خاصة ضمن عقود مع الدولة، حافلات أحدث، توّسع جغرافي خارج بيروت، تجربة الحافلات الكهربائية، زيادة تدريجية في عدد الركاب.
كما ان التحدي لم يعد محصوراً في توفير الحافلات، فهناك أسئلة أكثر صعوبة تتعلق بانتظام التشغيل، والصيانة، والتمويل المستدام، والبنية التحتية، ومواقف الحافلات، والازدحام، وحماية الخطوط من التعديات، إضافة إلى دقة مواعيد الوصول وقدرة الدولة على الحفاظ على الخدمة على المدى الطويل.
كما أن الرقمنة، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها حل مشكلة النقل. فظهور الخط على الخريطة لا يعني بالضرورة أن الحافلة ستصل في الموعد المحدد، ولذلك يبقى الاختبار الحقيقي على الطريق: انتظام الخدمة، عدد الرحلات، سرعة الوصول، سهولة التبديل بين الخطوط، وتوافر الحافلات فعلياً.
وتكشف تجربة النقل العام في لبنان في السنوات الأخيرة مفارقة واضحة: جزء كبير من التطوّر تحقق بفضل الهبات والشراكات الدولية، من الحافلات الفرنسية التي دخلت سابقاً إلى الأسطول، مروراً بالهبة القطرية، وصولاً إلى الهبة الصينية المرتقبة، إضافة إلى الدعم الدولي لمشروع الحافلات الكهربائية. لكن نجاح هذه المبادرات لا يُقاس فقط بعدد الحافلات التي تصل إلى لبنان. التحدي الأكبر هو تحويل هذه الحافلات إلى نظام نقل مُستدام تستطيع الدولة تمويل تشغيله وصيانته وتوسيعه، بدلاً من انتظار هبة جديدة كلما احتاج الأسطول إلى التجديد.
في الختام، يُمكن القول ان النقل العام بدأ يستعيد موقعه تدريجياً كخدمة رسمية قابلة للاستخدام، فيما يقف أمام اختبار أكبر: هل يستطيع لبنان تحويل هذا التحسن المُتدرج والهبات المتفرقة إلى شبكة نقل عام دائمة ومنظمة ومُستدامة؟










0 تعليق