يحظى اسم لاعب كرة القدم ليونيل ميسي الاستحواذ في الوقت الحالي عند الحديث عن المواجهة المرتقبة بين منتخبي مصر والأرجنتين المقرر عقدها الثلاثاء المقبل، ضمن منافسات دور الـ16 في كأس العالم 2026، على ملعب أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية، فى السابعة مساء.
مشروب المتّة
لا تقتصر شهرة الأرجنتين على كرة القدم أو النجم العالمي ليونيل ميسي، بل تشتهر أيضا بمشروب المتّة أحد أبرز رموز الهوية والثقافة في البلاد، حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأرجنتينيين، وعادة اجتماعية متوارثة عبر الأجيال.
مشروب المتة وهو ليس مجرد شاي تقليدي، بل طقس اجتماعي صارم في الأرجنتين، ومن الغرابة بمكان أن هناك قواعد غير مكتوبة لشربه؛ فمثلًا، إذا قام الشخص الذي يعد المتة بتقديمها لك، فلا يجب أن تحرك القشة بيدك أبدًا، لأن ذلك يُعد إهانة لصانع المشروب وتخريبًا للمذاق.
ويُعد المتّة أكثر من مجرد مشروب؛ فهو تقليد متجذر بعمق في الثقافة الأرجنتينية وجزء أصيل من الهوية الوطنية، ولهذا السبب، تحتفل الأرجنتين منذ عشرة أعوام بـاليوم الوطني للمتّة في 30 نوفمبر من كل عام، تكريمًا لهذا المشروب وتقديرًا لمكانته وأهميته في البلاد.
وتعود أصول المتّة إلى شعب الغواراني، وهم مجموعة من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية والسكان الأصليين للمنطقة، الذين استخدموا نبات يربا متّة كمشروب ووسيلة للتبادل التجاري، كما منحوه مكانة روحية خاصة، إذ كانوا يعتبرونه هبة إلهية، وفي لغتهم، تُعرف النبتة باسم "كاآ"، وهي كلمة تعني النبات أو العشبة أو الغابة.
ومع وصول الإسبان إلى المنطقة خلال الحقبة الاستعمارية، انتشر شرب المتّة في مختلف أنحاء نيابة ريو دي لا بلاتا، بينما لعب الرهبان اليسوعيون دورًا مهمًا في التوسع بزراعة نبات يربا متّة، من خلال إنشاء أولى المزارع داخل البعثات اليسوعية، قبل أن يتحول المشروب إلى جزء أصيل من الثقافة المحلية.
ورغم الجدل الدائم حول ما إذا كانت المتّة مشروبًا أرجنتينيًا أم أوروغويانيًا، فإنها تُعد جزءًا من التراث المشترك بين البلدين، غير أن ارتباطها بالمجتمع الأرجنتيني جعلها واحدة من أبرز مظاهر الحياة اليومية هناك، حيث يحرص كثيرون على تناولها برفقة أفراد الأسرة أو الأصدقاء، وغالبًا ما تُقدم إلى جانب الكرواسون أو الفطائر التقليدية.
وعلى مدار أكثر من قرنين، تجاوزت المتّة كونها مجرد مشروب ساخن، لتصبح طقسًا اجتماعيًا يعكس قيم المشاركة والتقارب، إذ يتبادل الحاضرون الكوب نفسه وفق تقاليد متوارثة، في مشهد يتكرر داخل المنازل وأماكن العمل والحدائق والجامعات.
وتوضح المصادر التاريخية أن المتّة كانت حاضرة حتى في اللحظات الفارقة من تاريخ الأرجنتين، حيث يشير الكاتب باو نافاخاس، في كتابه "Caá Porã.. روح يربا متّة"، إلى أن أعضاء كونغرس توكومان عام 1816 كانوا يتشاركون شرب المتّة أثناء مناقشاتهم لإعلان استقلال البلاد، وهو ما عزز مكانة هذا المشروب بوصفه رمزًا للوحدة الوطنية والهوية الأرجنتينية، وليس مجرد عادة غذائية.
ولا تزال المتّة حتى اليوم تحيط بها العديد من المعتقدات والعادات المتوارثة، إلا أن خبراء هذا المشروب يؤكدون أن بعض الأفكار الشائعة عنه لا تستند إلى أسس علمية، فعلى سبيل المثال، يعتقد البعض أن مسحوق أوراق يربا متّة الموجود داخل العبوة ضار بالصحة، بينما يُعد في الحقيقة جزءًا طبيعيًا من مكونات المشروب، ويسهم في إضفاء قوام أكثر نعومة وإطالة مدة استخدام الأوراق أثناء التحضير.
كما يرتبط إعداد المتّة بمجموعة من الطقوس التي يحرص الأرجنتينيون على اتباعها، أبرزها عدم استخدام الماء المغلي، إذ يُفضل أن تتراوح درجة حرارة الماء بين 70 و80 درجة مئوية للحفاظ على نكهة المشروب، كذلك تُرطب أوراق المتّة بكمية قليلة من الماء البارد أو الفاتر قبل إضافة الماء الساخن، وهي خطوة تساعد على الحفاظ على جودة المشروب وتمنع انسداد المصاصة المعدنية التي يُشرب من خلالها.
ولا تكتمل تجربة المتّة في الأرجنتين بمجرد احتسائها، إذ يرتبط هذا المشروب بثقافة اجتماعية خاصة، حيث يتجمع أفراد الأسرة أو الأصدقاء حول كوب واحد يتبادلون شربه وفق طقوس متوارثة تعكس قيم الألفة والمشاركة، وهو ما جعل المتّة رمزًا للحياة اليومية لدى الأرجنتينيين.
وتُعد العاصمة بوينس آيرس من أبرز الوجهات التي تمنح الزائر فرصة التعرف على هذا التقليد، إذ تنتشر بها المقاهي التي تقدم المتّة وفق طريقتها الأصلية، ويشرح بعضها للزوار تاريخ المشروب وأساليب تحضيره.
كما يحرص كثير من السائحين على زيارة الأقاليم المنتجة لـيربا متّة، مثل ميسيونيس وكورينتس وإنتري ريوس، للتعرف على مراحل زراعته وإنتاجه، حيث تمثل هذه المناطق القلب النابض لصناعة المتّة في الأرجنتين.
وبمرور الزمن، لم تعد المتّة مجرد مشروب ساخن يتناوله الأرجنتينيون، بل أصبحت جزءًا من نمط حياتهم وهويتهم الثقافية، حتى بات من الصعب زيارة الأرجنتين دون مشاهدة أشخاص يحملون أكواب المتّة ويتبادلونها في الحدائق والجامعات وأماكن العمل والشوارع، في مشهد يعكس مكانة هذا المشروب في المجتمع الأرجنتيني.















0 تعليق