سطر المنتخب الوطنى الأول لكرة القدم صفحة جديدة فى تاريخ مشاركاته بكأس العالم، بعدما نجح فى التأهل إلى دور الـ١٦ للمرة الأولى، بعد فوزه المثير على منتخب أستراليا بركلات الترجيح بنتيجة ٤-٢، عقب انتهاء الوقتين الأصلى والإضافى بالتعادل الإيجابى بهدف لكل فريق، فى مواجهة حبست أنفاس الجماهير حتى اللحظات الأخيرة.
وضرب منتخب «الفراعنة» موعدًا ناريًا مع منتخب الأرجنتين فى دور الـ١٦، مساء بعد غدٍ الثلاثاء، بعد فوز «راقصى التانجو» على كاب فيردى بنتيجة ٣-٢ فى دور الـ٣٢، أيضًا بعد اللجوء إلى الأشواط الإضافية.
المواجهة الأصعب لمنتخب مصر ستكون فى السابعة مساء الثلاثاء المقبل أمام منتخب الأرجنتين، بطل العالم ٢٠٢٢. المباراة التى ستقام على ملعب «مرسيدس بنز» فى أتلانتا لا تُعد مجرد لقاء إقصائى، بل إنها مواجهة بين الواقعية المصرية التى تحارب من أجل صناعة تاريخ جديد للكرة المصرية والعربية، والمتعة الأرجنتينية، ممثلة فى الانضباط التكتيكى والسحر الفردى، وكذلك بين حلم مصرى بالتاريخ يقوده مدرب وطنى، وإرث أرجنتينى يسعى للتتويج من جديد.
يدخل الأرجنتين اللقاء بثقله المعهود، بعد خوض ١٢٠ دقيقة وتأهله إلى هذا الدور بشق الأنفس أمام منتخب كاب فيردى، الذى كافح بشرف وكتب تاريخًا لبلاده فى سجلات المونديال، وكان ندًا قويًا لـ«راقصى التانجو» حتى الدقائق الأخيرة من عمر المباراة.
تشكيلة «التانجو» قوامها نجوم أوروبا، ووسط ملعب يدير الإيقاع ببراعة، وهجوم قادر على هز الشباك من أنصاف الفرص، وعلى رأسهم ليونيل ميسى، الاستثنائى الذى أحرز ٧ أهداف حتى الآن خلال تلك النسخة، ويسعى جاهدًا للمزيد من أجل الفوز بـ«الحذاء الذهبى».
لكن كرة القدم لا تُحسم بالأسماء وحدها، بل تحتاج إلى المجهود والقتال والرغبة فى التحدى، وجميعها صفات متوافرة تمامًا لدى لاعبى منتخب مصر، ما يؤكد أننا أمام مواجهة للتاريخ، وليست مجرد مباراة إقصائية.
منتخب مصر حقق أكثر من المطلوب، ما يجعله يدخل هذا اللقاء دون أن يكون لديه ما يخسره. فقد تجاوز عقدة دور المجموعات، وحقق أول فوز فى تاريخ مشاركاته، وتخطى عقبة أستراليا فى دور الـ٣٢ بعقل تكتيكى راجح، وهذا وحده يمنح اللاعبين جرعة ثقة ستكون لها أهمية كبيرة خلال مواجهة الأرجنتين. ولا سبيل أمام حسام حسن سوى «الواقعية الذكية» إذا كان يريد مواصلة كتابة التاريخ. فالأرجنتين يمتلك الكرة ٧٠٪ من الوقت، ويعشق الاستحواذ بشكل كبير، سواء فى الحالات الهجومية أو حتى الدفاعية، فلا جدوى من مجاراته فى الاستحواذ كما حدث أمام أستراليا ومن قبله إيران.
الحل يكمن فى رسم لوحة دفاعية مُحكمة، ثم انتظار اللحظة المناسبة لتنفيذ التحولات الهجومية السريعة التى من شأنها إحداث الفارق لصالح «الفراعنة»، مع ضرورة التركيز الشديد على غلق المساحات، والرقابة اللصيقة لمفاتيح اللعب فى الأرجنتين، خاصة ميسى.
ويتوجب على «العميد» سرعة إغلاق صفحات الفرح بالتأهل إلى دور الـ١٦، وبدء مرحلة التفكير فى الأرجنتين والتركيز فى التدريبات، فى ظل ضيق الوقت بين مباراتى أستراليا والأرجنتين، على عكس المباريات السابقة التى كان أمام المنتخب فيها متسع من الوقت يصل إلى أسبوع كامل.
والطريقة الأمثل لمواجهة الأرجنتين هى الطريقة التى أنهى بها حسام حسن مباراة أستراليا بعد خروج كريم حافظ للإصابة، إذ تحولت طريقة اللعب من «٤-٤-٢» إلى «٣-٤-٣»، وهى الطريقة التى أسهمت فى تحسن أداء «الفراعنة» بشكل ملحوظ بعدما أمّنت الشق الدفاعى بـ٣ لاعبين على خط واحد، ومنحت الظهيرين، سواء محمد هانى أو محمود حسن «تريزيجيه»، الذى شارك بديلًا لكريم حافظ، الفرصة للتقدم إلى الأمام وتشكيل خطورة على المنافس.
ثلاثى الدفاع بقيادة رامى ربيعة، مهمته الأولى غلق العمق أمام اختراقات ألفاريز وميسى، وأمامهم خط وسط يقوده مروان عطية ومهند لاشين كمحورى ارتكاز، مهمتهما خنق أنفاس دى بول وماك أليستر، وقطع خطوط الإمداد، وعلى الأطراف «تريزيجيه» ومحمد هانى مطالبان بالعودة الدائمة لمساندة الدفاع.
نقطة ضعف الأرجنتين الوحيدة هى المساحات التى يتركها خلف ظهيريه عند التقدم، وهنا يأتى دور محمد صلاح وعمر مرموش ومصطفى عبدالرءوف «زيكو»، ومن خلفهم إمام عاشور. كرة واحدة متقنة من إمام عاشور، وانطلاقة واحدة من صلاح، كفيلة بإرباك دفاعات بحجم روميرو وأوتامندى. يجب أن تكون الهجمات المصرية قليلة، لكنها قاتلة ومؤثرة.
المفاتيح النفسية والفنية أهم متطلبات مواجهة الأرجنتين، لأن أى خطأ ساذج أمام ميسى سيكون ثمنه هدفًا لا محالة. والتركيز طوال ٩٠ دقيقة هو الشرط الأول أمام لاعبى منتخب مصر إذا كانت لديهم الرغبة فى الوصول إلى أبعد نقطة فى هذه النسخة الاستثنائية من كأس العالم.
ويتوجب على مدرب «الفراعنة» أولًا إغلاق العمق، فالأرجنتين لا يلعب على الأطراف عبثًا، وكل هجماته تبدأ من العمق. وإغلاق أنصاف المساحات أمام ميسى وألفاريز هو مفتاح الصمود أمام من يجيد الرقص داخل المستطيل الأخضر.
هناك قتال مستمر بين لاعبى الأرجنتين على الكرة الثانية، فجميعهم يسترجعون الكرة سريعًا. لذا فإن الفوز بالكرة الثانية يمنح مصر أنفاسًا، ويمنع الضغط المتواصل.
مواجهة الأرجنتين ليست نهاية المطاف، بل هى تتويج لرحلة بدأت من سبوكان، ومرت بسياتل وفانكوفر، ثم دالاس، وانتهت إلى أتلانتا. الفوز ليس مستحيلًا، والدليل أن كرة القدم كتبت قصصًا أعجب من ذلك.






