في قلب الركام، ومن بين ثنايا الخيام التي أضنتها نيران الحرب وأنهكها النزوح، انطلقت من قطاع غزة صرخة فرح استثنائية، لم تكن هذه المرة لتهدئة غارة أو لنجاة من قصف، بل كانت هتافًا هز أركان القطاع من شماله إلى جنوبه احتفالًا بانتصار المنتخب المصري على نظيره الأسترالي في منافسات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية.
لم يكن مجرد فوز كروي عابر، بل تحول إلى ملحمة قومية تجسدت فيها أسمى معاني العروبة والتلاحم، بعدما قام "عميد" الكرة المصرية والمدير الفني للمنتخب، الكابتن حسام حسن، برفع العلم الفلسطيني عاليًا أمام عشرات الآلاف من المشجعين في المدرجات الأمريكية، مهديًا هذا الفوز التاريخي لبلد الشهداء.
رصدت جريدة «الدستور» الأجواء الاستثنائية والفريدة داخل قطاع غزة، واستمعت إلى تصريحات خاصة من نخب طبية وإعلامية ومواطنين يعيشون تحت وطأة طائرات "الزنانة" والحصار، لكنهم تناسوا جراحهم ليشاركوا الشقيقة الكبرى مصر فرحتها العارمة، معتبرين أن "الفراعنة" يمثلونهم في هذا المحفل العالمي الكبير.
صفعة قوية للإعلام الظالم ورسالة للأحرار
من مستشفى العودة في قطاع غزة، تحدث الدكتور رائد البابا، رئيس قسم الأطفال، بنبرة امتزجت فيها دموع الفرح بمرارة الواقع، مهنئًا الشعب المصري بقيادته وجيشه وشعبه.
وقال البابا في تصريحاته الخاصة لـ "الدستور": "ألف مبروك والله.. فرحتنا مش طبيعية ومالهاش وصف في قطاع غزة، كل الحب والتقدير للعميد حسام حسن الذي نجح في خلق حالة من الإزعاج والجنون للمجرمين وإعلامهم الذي شن حربًا شرسة ضده وضد مواقفه المشرفة".
وأضاف رئيس قسم الأطفال مسترسلًا في حديثه عن الأثر النفسي والسياسي لموقف المدير الفني لمنتخب مصر: "مصر كانت وستظل دائمًا هي قلب العروبة النابض، والرافعة التي ترفع رؤوسنا في كل المحافل الدولية.
وحول كلمة حسام حسن وموقفه بعد المباراة، قال البابا "أقول لكم بكل أمانة والله لقد بكيت عندما سمعته يتحدث، ما فعله هذا الرجل بمثابة صفعة قوية وموجعة للإعلام الظالم، وللأمريكان والإسرائيليين على حد سواء، لقد نقل للعالم أجمع، من فوق الأراضي الأمريكية، رسالة قوية جدًا بأن هناك شعبًا مظلومًا وقضية عادلة لا يمكن أن تموت".
وأشار الدكتور البابا إلى أن الإعلام الإسرائيلي يعيش حاليًا حالة استنفار جنونية ضد حسام حسن بسبب جرأته ووطنيته، مؤكدًا: "كل الأحرار والشرفاء في العالم يقفون اليوم مع الكابتن حسام ومع منتخب مصر البطل، نكررها ملايين المرات: مبروك الفوز، وتحيا مصر قيادة وشعبًا".
من قلب المستشفيات والخيام.. مصر هي "منتخبنا الوطني"
ولم تقتصر مشاعر الفخر على مستشفى العودة، بل امتدت إلى مجمع الشفاء الطبي الذي يمثل رمزًا للصمود في غزة، حيث عبر الدكتور فادي الخضيري، إخصائي القلب والقسطرة بالمجمع، عن سعادته البالغة بالفوز القومي، موجهًا رسالة فنية ممزوجة بالدعابة والمحبة للمنتخب المصري استعدادًا للمواجهة التاريخية القادمة ضد الأرجنتين، قائلًا: "مبروك لمصر العظيمة، فرحتوا أهل غزة من قلوبهم في هذه الأوقات الصعبة، وفي المباراة القادمة أمام الأرجنتين، خطتنا واضحة: لاعب يمسك ميسي، واثنين يمسكوا محمد هاني".
حفل زفاف شاهد مباراة مصر بدلا من الاستماع للموسيقى
وفي مواصي خان يونس، حيث تكتظ المنطقة بآلاف النازحين في الخيام، نقلت الدكتورة راوية حلس، مديرة كلية تدريب غزة التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، صورة حية تفيض بالمشاعر الإنسانية والوطنية.
وأكدت حلس لـ "الدستور" أن قطاع غزة بأكمله كان يتابع المباراة بشغف لا يصدق، لدرجة أن طقوس الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية تغيرت بالكامل.
وقالت الدكتورة راوية: "كل غزة شاهدت المباراة واحتفلت بها، كان هناك حفل زفاف في المنطقة هنا بالمواصي، وبدلًا من أغاني الزفاف والأفراح التقليدية، قام الأهالي بفتح المباراة ومتابعتها عبر الشاشات والهواتف، وتحولت الأغاني إلى أغانٍ وطنية مصرية، حيث صدح صوت الفرح بأغنية (يا حبيبتي يا مصر يا مصر).. وبدلًا من حفلة العريس التقليدية، كان الجميع يتابعون الفراعنة وينتظرون صافرة النهاية".
وتابعت حلس بوصف مؤثر قائلة: "مبروك لمصر.. لو تسمعي الدنيا عنا بين الخيام كيف انقلبت أفراح الناس إلى تهانٍ حارة لمصر الشقيقة وأغاني تملأ الأرجاء، على الرغم من أننا نعيش في ظروف صعبة، ويصعب علينا الخروج أو تصوير هذه اللحظات بسبب أصوات طيران الاحتلال المخيف والـ (زنانات) التي تحلق بكثافة شديدة في أجواء المواصي، إلا أن فرحة مصر تغلبت على الخوف والدبابات".
مبارة مصر ورفع علم فلسطين حديث الشارع الغزاوي
وفي شمال قطاع غزة، الذي يعاني من حصار مطبق وظروف إنسانية قاسية، أكد المواطن الفلسطيني عمرو مقداد أن موقف حسام حسن برفع العلم الفلسطيني وإهداء الفوز لغزة أصبح حديث الشارع الغزي في كل مكان، وشيئًا يدعو للفخر والاعتزاز المتبادل.
وقال مقداد في تصريحات خاصة للـ"الدستور": "موقف حسام حسن موقف مشرف جدًا، واليوم هو حديث الساعة في المجالس، وفي الخيام، وحتى في الأسواق والمستشفيات بين الأطباء والمرضى، الناس هنا طايرة من الفرحة، نحن في غزة نعتبر مصر هي منتخبنا الوطني الأول، حتى في البطولات المحلية نتابع الدوري المصري بشغف وانتظار، وتكون لمبارياته جلسات خاصة. كل الاحترام والتوفيق لمصر الشقيقة والحبيبة، مصر الإخوة والعروبة".
حسام حسن.. ملهم الأجيال الذي تفوق على السياسة
وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، قدم الإعلامي الفلسطيني سامح أبو دية تحليلًا عميقًا للأثر القومي والرياضي لما حققه "العميد" في المونديال.
وقال أبو دية لـ«الدستور»: "حسام حسن وإبراهيم حسن أسماء ربينا وكبرنا عليها منذ أن كانوا يلعبون في الأهلي ثم الزمالك والمنتخب، هؤلاء الأشخاص، وخصوصًا حسام، يمتلكون شعبية جارفة ومحبة غير عادية في وجدان الجماهير الفلسطينية".
وأضاف الإعلامي الفلسطيني: "ما قام به الكابتن حسام عقب مباراة مصر وأستراليا كان شيئًا كبيرًا جدًا، ولكنه في نفس الوقت كان متوقعًا منا؛ لأننا نعرف جيدًا مدى تجذر القضية الفلسطينية في الوجدان المصري، حسام حسن شخصية ملهمة، وما فعله بالأمس سيرسخ في عقول الأجيال القادمة، وسيعطي دفعة معنوية هائلة ليس فقط للمشجعين، بل للاعبي المنتخب المصري أنفسهم في مباراتهم المصيرية القادمة أمام الأرجنتين".
وشدد أبو دية على أن تأثير رفع العلم الفلسطيني في الولايات المتحدة أمام عشرات الآلاف من المشجعين، وانتشار تلك اللقطات كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم، هو عمل تجاوز حدود الرياضة: "هذا الفعل يفوق بكثير الكثير من الأعمال السياسية والدبلوماسية والدولية التي تقوم بها أطراف عدة، لقد نجح حسام حسن في تذكير العالم بأكمله بما يحدث في غزة وفي القضية الفلسطينية بطريقة عجزت عنها منابر السياسة، لقد نسينا، ولو لساعات، أننا نعيش تحت حرب طاحنة، ونعاني من القتل والنزوح والحر والأمراض والجوع وسوء الأوضاع الإنسانية، ليعيد إلينا هذا المنتخب شعورًا ممزوجًا بالفخر والفرح والأمل بأن القادم سيكون أفضل لغزة ولمصر وللأمة العربية والإسلامية جمعاء".
شواطئ غزة تتذوق حلوى النصر وعينها على ميسي
ولم تغب مظاهر الاحتفال عن شاطئ بحر غزة، فمن مخيم الشاطئ، قاد زكريا بكر، رئيس اتحاد الصيادين، ومعه مجموعة من الأهالي والصيادين، احتفالية عفوية على الساحل، وقاموا بتناول الحلوى احتفاءً بالفوز المصري.
وقال بكر بنبرة مليئة بالحماس: "المركز الأول دائمًا للمنتخب المصري، وللعميد حسام حسن، اليوم فوزنا على أستراليا، ويوم الثلاثاء إن شاء الله (هنحلق) على الأرجنتين ونصعد إلى دور الثمانية بالمونديال، نقول لمنتخبنا الوطني المصري: مبروك وألف مبروك من قلب قطاع غزة".
وأضاف رئيس اتحاد الصيادين مبرقًا بالتحايا القيادية: "ألف مبروك لمصر وشعبها، ولفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، شكرًا لمصر لأنك أسعدتِ الآلاف من القلوب الحزينة والمكلومة في فلسطين وقطاع غزة نحن هنا من على شاطئ البحر نأكل الحلوى احتفالًا بكم ويا عميدنا الكبير حسام حسن، نحن نحبك كثيرًا، ويلا علموا الأرجنتين كرة القدم في الدور القادم، نريدكم أن تفوزوا على ميسي والبرشلونية، وعلى الرغم من حبنا الشديد لميسي، إلا أن المنتخب العربي المصري فوق كل الأسماء وفوق الجميع، خذوا البطولة وكل الحب للمنتخب المصري والمنتخب المغربي الشقيق".
وأكدت تلك التبريكات والتصريحات من جديد أن الحدود الجغرافية تذوب أمام الهوية العربية المشتركة، وأن مصر ستظل دائمًا، بانتصاراتها ومواقف رجالها الشجعان كحسام حسن، شمس الأمل التي تضيء عتمة المظلومين وتمنحهم القوة لمواصلة الصمود والحياة.

















0 تعليق