Advertisement
ولا يبدو أن هذه التحولات ناتجة عن قرار داخلي فقط، بل نتيجة تقاطع مصالح خارجية فرضت إيقاعاً جديداً على مختلف الأطراف، ما جعل الحركة السياسية أكثر هدوءاً وأقل اندفاعاً نحو المواجهة، بانتظار اتضاح الصورة الإقليمية بصورة نهائية.
ويبرز في هذا السياق المسار الأول، والمتمثل في ارتفاع مستوى الالتزام الإسرائيلي بوقف إطلاق النار مقارنة بالفترة السابقة. فعدد الخروقات تراجع بصورة ملحوظة، كما أن طبيعة التحركات الإسرائيلية أصبحت أكثر حذراً، الأمر الذي يعكس وجود قيود سياسية ودبلوماسية باتت تتحكم بهامش القرار الإسرائيلي على الساحة اللبنانية.
ويقرأ كثيرون هذا التطور على أنه نتيجة مباشرة لرغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على مناخ يسمح باستمرار مسار التفاهم مع إيران، وعدم فتح جبهة جديدة قد تنسف ما تحقق حتى الآن. لذلك، فإن الساحة اللبنانية تبدو اليوم أكثر ارتباطاً بحسابات التفاهم الإقليمي منها بأي اعتبارات ميدانية بحتة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بطريقة تعاطي إيران مع الدولة اللبنانية. فعلى الرغم من استمرار التباينات السياسية، فإن طهران لا تبدو في وارد الدخول في مواجهة مع السلطة اللبنانية، بل تعتمد مقاربة أكثر مرونة تقوم على ترك مساحة للدولة لإدارة بعض الملفات الحساسة.
ويظهر ذلك في قبول ايران أن تسمي الدولة اللبنانية ممثلها ضمن لجنة مراقبة وقف إطلاق النار اللبنانية – الأميركية، وهو تطور يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي، ويعكس استعداداً لتسهيل عمل المؤسسات الرسمية بدلاً من الدخول في سجالات جديدة معها.
وفي موازاة ذلك، يبرز تحول لافت في أداء كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. فبعد الاداء الذي أعطى انطباعاً بوجود اندفاعة نحو اتفاق الإطار، باتت المقاربة أكثر تحفظاً، مع اعتماد لغة سياسية تخفف من حدة هذا المسار بدلاً من الدفع باتجاه تعزيزه. كما أن إرسال ممثل رسمي عن الدولة اللبنانية للمشاركة في تشييع قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن في العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية، وعدم إعطاء إشارات توحي بانحياز كامل إلى أي محور.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تغييرات سياسية كبيرة داخل لبنان، بل مرحلة تثبيت للتوازنات القائمة بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية.
لذلك، فإن أي محاولة لتعزيز موقع فريق سياسي أو إضعاف آخر لن تؤدي، على الأرجح، إلى نتائج حاسمة خلال الأشهر المقبلة، لأن القرار الإقليمي والدولي لا يزال يتجه نحو إدارة الاستقرار أكثر من إنتاج وقائع سياسية جديدة.
ومن هنا، فإن المشهد اللبناني يبدو مرشحاً للاستمرار ضمن هذا الإطار، حيث تبقى الأولوية لضبط الإيقاع الداخلي ومنع الانزلاق إلى مواجهات جديدة، إلى حين نضوج التسويات الأكبر في المنطقة.






0 تعليق