يُعد الغش فى الذهب من أخطر صور الاحتيال التجارى التى تستهدف المواطنين، حيث يلجأ بعض التجار من ضعاف النفوس والخارجين عن القانون، إلى أساليب متعددة لخداع المشترين وبيع مشغولات أو سبائك غير مطابقة للمواصفات على أنها ذهب أصلى.
وتتنوع هذه الممارسات بين خلط الذهب بمعادن رخيصة لخفض نسبة النقاء، أو استخدام أوزان غير دقيقة، أو حتى تقليد الدمغات الرسمية بما يوحى بأن المنتج معتمد ومطابق للمعايير.
كما يعتمد بعض أساليب النصب على التلاعب من خلال التسويق المضلل أو البيع بأسعار أقل من السوق لجذب الضحايا، الذين يكتشفون الغش بعد إتمام عملية الشراء، ويؤدى هذا النوع من الجرائم إلى خسائر مالية كبيرة للمواطنين، ويؤثر سلبًا على سوق الذهب وسمعتها، ما يستدعى تعزيز الرقابة وتشديد العقوبات وتوعية المستهلكين بطرق التحقق من جودة الذهب قبل الشراء.
فى هذا التحقيق، ترصد «الدستور» أساليب الغش المتبعة فى سوق الذهب عبر التواصل مع مصادر متعددة داخل القطاع، بمن فى ذلك تجار وخبراء وحالات وقعت فى فخ النصب عليها أثناء شراء الذهب.
ضحايا:خسائر بالملايين بسبب الغوايش المضروبة والتلاعب بالأوزان
قال محمد منصور، محامٍ، إنه تعامل مع عدد من القضايا التى تتعلق بغش الذهب، وكان آخرها موكل تعرض للنصب، وخسر نحو مليونىّ جنيه، بعدما اشترى ذهبًا مغشوشًا.
وأضاف منصور: «أرى أن مثل تلك الحوادث تقع بسبب استغلال الطمع، والثقة الزائدة بين الأطراف».
وتابع: «لا يمكن أن أستفيض فى هذه القضية حفاظًا على خصوصية الموكل، ولحين انتهاء التحقيقات، ولكن ببساطة اشترى موكلى غوايش، اتضح أنها مطلية بالذهب، بتقنية عالية، وهى مصنوعة من النحاس».
وأوضح: «استغل المتهم رغبة موكلى فى الاستثمار عبر شراء الذهب، وقدم له منتجًا غير مطابق للمواصفات، ما أدّى لحدوث خسارة مالية».
وأكد أن الموكل فى هذه القضية يمر حاليًا بظروف صحية صعبة للغاية؛ فهو محجوز فى مستشفى فى حالة حرجة، نتيجة الضغوط النفسية».
وأشار إلى أن ما حدث يعكس خطورة التعامل غير الموثوق فى سوق الذهب دون التحقق الدقيق من المصدر والمواصفات، خاصة فى ظل انتشار بعض حالات الغش والنصب التى تستهدف الراغبين فى الاستثمار السريع، مشددًا على ضرورة الحذر فى التعاملات المالية، وأهمية التحقق القانونى والفنى قبل الدخول فى أى صفقات كبيرة.
وذكرت داليا محمد، من محافظة القاهرة، أنها تعرضت للنصب خلال بيع ذهب لمحل موثوق، إذ فوجئت بعد المراجعة فى بيتها بأن هناك اختلافًا بين عدد جرامات الذهب، لذا قدمت شكوى إلى مجلس الوزراء.
وأوضحت: «أتعامل بثقة مع هذا المحل، ولم أتوقع حدوث أى مشكلة فى عملية البيع، وتسلمت المبلغ دون حساب الجرامات بدقة، وحينما عدت إلى البيت خطر فى بالى مراجعة الفواتير، ومقارنتها بالمبلغ»، لافتة إلى أنه جرى توجيه شكواها إلى القسم المختص فى دائرتها.
وتابعت: «كنت أفترض حسن النية. وحينما واجهت المحل أنكر ورفض تصحيح الحسابات»، مشيرة إلى أنها تملك فاتورة من المحل تثبت ما حدث.
وقالت إيمى سعد، من محافظة الإسكندرية، إنها تعرضت للنصب خلال بيع ذهب إلى محل تعرفه جيدًا وتتعامل معه منذ سنوات، وتعرضت لغش فى وزن الذهب، وخسرت مبلغًا كبيرًا.
وأضافت: «للأسف، راجعت الفواتير بعدما تركت المحل بمدة، لأكتشف أننى تعرضت للنصب»، مؤكدة: «أملك جميع الفواتير، وصورت الورقة التى كتب فيها صاحب المحل الأسعار».
وأشارت إلى أنها حاولت التواصل مع المحل، ولكن لم يرد عليها أحد، وبعد فترة بدأ أصحاب المحل فى المماطلة، دون تقديم أى تفسير مقنع أو حل يعيد لها حقها، وهو ما زاد من شعورها بالظلم والغضب.
وأكدت: «لن أسامح من فعلوا بى ذلك، وأتمنى أن يساعدنى أى شخص لديه معرفة قانونية، لا أعرف تحديدًا كيف سأسترد حقى».
خبير:البيع بعيار أقل وخدعة «صفر مصنعية» من أساليب النصب
أوصى سعيد إمبابى، خبير أسواق الذهب الرئيس التنفيذى لمنصة «آى صاغة»، المستهلك بالتأكد بدقة من مكان الشراء كأول وأهم خطوة لحمايته عند إجراء المعاملة، وأن يكون المكان موثوقًا ومعروفًا وله سجل تجارى واضح.
كما نصح «إمبابى» بالحصول على فاتورة رسمية مختومة ومثبت بها جميع تفاصيل عملية الشراء، مثل الوزن والعيار والسعر والمصنعية، مبينًا أن هذه الفاتورة ليست مجرد ورقة عادية، بل الضمان القانونى الأساسى الذى يُعتد به فى حال حدوث أى خلاف أو اكتشاف أى تلاعب أو غش بعد الشراء.
ورأى أنه من المهم جدًا إدراك أن عمليات الغش فى الذهب لم تعد محدودة أو بسيطة، بل أصبحت تأخذ أشكالًا متعددة ومتطورة يصعب على المستهلك العادى اكتشافها بسهولة.
وأوضح أنه يتم التلاعب فى الأعيرة، بمعنى بيع ذهب بعيار أقل على أنه عيار أعلى، أو التلاعب فى الأوزان باستخدام موازين غير دقيقة أو غير مُعايرة بشكل صحيح، أو خلط الذهب فى بعض الحالات بنسب مرتفعة من معادن أخرى مثل النحاس أو غيره من المعادن الرخيصة، ما يقلل من القيمة الحقيقية للقطعة بشكل كبير دون أن يلاحظ المشترى ذلك فى اللحظة الأولى.
وفجّر مفاجأة تتمثل فى محاولة بعض المتلاعبين تزوير دمغة مصلحة الدمغة والموازين، الجهة الرسمية المسئولة عن اعتماد وختم الذهب فى الدولة، بهدف إيهام المستهلك أن القطعة مطابقة للمواصفات القانونية بينما هى فى الحقيقة غير ذلك، وهو ما يجعل اكتشاف الغش أمرًا صعبًا للغاية على غير المتخصصين أو غير العاملين فى المجال.
وكشف عن أنه فى السنوات الأخيرة، ظهرت أيضًا طرق جديدة للترويج لعمليات بيع غير موثوقة، خاصة عبر صفحات التواصل الاجتماعى، قائلًا: «يقوم بعض الأشخاص أو الورش غير الملتزمة بعرض مشغولات ذهبية بأساليب تسويقية جذابة مثل الإعلان عن (صفر مصنعية) أو تقديم عروض تبدو مغرية وغير منطقية بشكل كبير مقارنة بأسعار السوق».
وبيّن أن هذه العروض قد تدفع بعض الأشخاص للإسراع فى الشراء دون التحقق الكافى ودون التأكد من مصدر الذهب، وبعد إتمام عملية الشراء يكتشفون أنهم تعرضوا للنصب أو أن الذهب ليس بالمواصفات المعلنة.
ورأى خبير أسواق الذهب أن القاعدة الأساسية فى هذا المجال، أن يكون التعامل فقط مع محلات وصاغة موثوقين ومعروفين داخل السوق، ناصحًا بتجنب الانسياق وراء أى عروض غير منطقية أو أسعار منخفضة بشكل مبالغ فيه عن السعر السائد فى السوق، لأن ذلك غالبًا ما يكون مؤشرًا قويًا على وجود غش أو تلاعب.
وأعاد التشديد على أن الاحتفاظ بالفاتورة الرسمية أمر فى غاية الأهمية، لأنها الوثيقة الوحيدة التى تثبت حق المشترى وتفاصيل العملية بالكامل، قائلًا: «فى حال اكتشاف أى تلاعب سواء فى العيار أو الوزن أو الدمغة أو غير ذلك، يجب عدم التهاون فى الأمر، والتوجه فورًا إلى الجهات القانونية المختصة أو مصلحة الدمغة والموازين لاتخاذ الإجراءات اللازمة وحفظ الحقوق، لأن التأخير قد يصعّب من إثبات الواقعة أو استرجاع الحق».
نصائح «شعبة الذهب»: متابعة الأسعار قبل الشراء وتجنب العروض المبالغ فيها
نصح هانى ميلاد، رئيس شعبة الذهب بالغرف التجارية، المواطنين بالتدقيق عند شراء الذهب، معتبرًا أن الوعى هو الخطوة الأولى لحماية المستهلك من أى محاولات غش أو استغلال فى السوق.
واعتبر «ميلاد» أن أهم ما يجب الانتباه إليه هو الشراء من محلات موثوقة ومعروفة، والتأكد من الحصول على فاتورة رسمية، موضحًا بها الوزن والعيار وسعر الجرام وقت الشراء، لأن هذه البيانات تمثل الضمان الحقيقى لحقوق المشترى عند إعادة البيع أو الاستبدال.
ورأى أن فرص غش الذهب داخل المحال الموثوقة تكاد تكون صعبة، نظرًا لوجود رقابة صارمة من الجهات المعنية، إلى جانب التزام هذه المحال بالمعايير الرسمية فى البيع والشراء.
وكشف عن أن المحلات المعروفة تخضع لعمليات تفتيش ومتابعة دورية، فضلًا عن اشتراط الدمغة الرسمية على المشغولات، وهو ما يقلل بشكل كبير من أى محاولات تلاعب أو غش، معتبرًا أن الشراء من مصادر موثوقة يظل أحد أهم عوامل الأمان وحماية المستهلك من أى عمليات نصب أو استغلال فى سوق الذهب.
وأوصى بمتابعة سعر الذهب فى السوق المحلية قبل الشراء، وعدم الانسياق وراء عروض مبالغ فيها أو أسعار أقل بشكل غير منطقى، لأن ذلك قد يكون مؤشرًا على وجود غش فى العيار أو المصنعية.
كما أكد أهمية معرفة العيارات المختلفة للذهب مثل عيار ٢٤ و٢١ و١٨، وفهم الفرق بينها من حيث النقاء والسعر، حتى يكون المشترى على دراية كاملة بما يدفع مقابله ولا يقع ضحية للجهل بالتفاصيل الأساسية، ما يساعد بشكل كبير فى تقليل فرص التعرض للنصب، ويجعل عملية شراء الذهب أكثر أمانًا ووضوحًا.
قانونى:عقوبة التلاعب الحبس وغرامة تصل إلى 50 ألف جنيه
لفت محمد بركات، محامٍ، إلى أن القانون حدد عقوبة التلاعب فى العيارات القانونية وغش الدمغة، وتشمل العيارات القانونية من المشغولات الذهبية ٧ أنواع.
وقال بركات: «نصت المادة ٢٠ من القانون رقم ٦٨ لسنة ١٩٧٦ بشأن الرقابة على المعادن الثمينة، بأن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن ١٠ آلاف جنيه ولا تتجاوز ٥٠ ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أحدث بغرض غير مشروع بالمشغولات، بعد دمغها، تغيرًا أو تعديلًا يجعلها غير مطابقة للعيار المدموغة به أو تعامل بها مع ثبوت علمه بذلك».
وأضاف: «يعاقب أيضًا بنفس العقوبة، كل من دمغ هذه المشغولات بدمغات مزورة أو بطريقة غير مشروعة، وكذلك كل تاجر أو صانع باع هذه المشغولات أو عرضها للبيع مع ثبوت علمه بعيبها. وفى جميع الأحوال الواردة بالبندين السابقين تضبط هذه المشغولات ويحكم بمصادرتها».
وذكر أن المادة ٢١ من القانون رقم ٦٨ لسنة ١٩٧٦، تتضمن: «يعاقب بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز ٥ آلاف جنيه كل تاجر أو صانع باع أو عرض للبيع أو حاز بقصد البيع أو تعامل بأى طريقة كانت فى مشغولات ذهبية أو فضية أو بلاتينية أو ذهبية مركب عليها بلاتين أو فضة مركب عليها ذهب- غير مدموغة. وتضبط المشغولات ويحكم بمصادرتها، ويجوز للمحكمة بدلًا من الحكم بالمصادرة أن تقضى بغرامة إضافية توازى قيمة المشغولات غير المدموغة محل الجريمة، وتسلم لصاحبها وذلك بعد دمغها على نفقته.













0 تعليق