قالت الكاتبة سكينة فؤاد، مستشارة الرئيس السابق عدلى منصور، إن ثورة ٣٠ يونيو تتويج لغضبة شعبية حاسمة، دعمها الجيش المصرى، لافتة إلى أنها استقالت من منصبها كمستشارة للرئيس المخلوع محمد مرسى بسبب إراقة الإخوان دم الشباب.
وأكدت «فؤاد»، فى حوارها لـ«الدستور»، أن المرأة حققت إنجازات كثيرة بعد ثورة ٣٠ يونيو، ما يعكس إدراكًا من الدولة بالتاريخ العظيم لنضال بنات مصر.
وأشادت بجهود الدولة لمواجهة البناء على الأراضى الزراعية، مشيرة إلى أن أصحاب المعاشات يحتاجون إلى المزيد من الدعم والرعاية.
بداية.. لماذا استقلتِ من منصب مستشارة الرئيس المخلوع محمد مرسى؟
- عندما بدأ إهدار دماء الشباب الغاضب من حكم الجماعة، قلت لنفسى إننى لا أستطيع البقاء فى منصب أو الجلوس على كرسى تجرى تحته دماء الشباب. لقد رأيت كيف هددت جماعة الإخوان الإرهابية الهوية المصرية التاريخية والثقافية والجغرافية، ولم تكن تبالى بغير مصالحها ومكاسبها الخاصة.
كان الإخوان يسعون لدس أعضائهم فى كل مفاصل الدولة وتفكيكها مهما كان الثمن، حتى لو كان ذلك الثمن ضياع الوطن، الأمر الذى لم ولن يستطيعوا تحقيقه أبدًا، فمصر دولة ذات تاريخ وحضارة ممتدة عبر العصور، وتلفظ بطبيعتها كل غريب عن هويتها.
كيف رأيتِ اللحظة الفارقة فى ٣ يوليو؟
- أعتبر ما جرى فى ذلك اليوم تتويجًا لغضبة شعبية عظيمة، خرج فيها ملايين المصريين إلى الميادين والشوارع يطالبون باسترداد وطنهم. وعندما تلقيت دعوة من المفكر والقائد العسكرى الكبير الراحل اللواء محمد العصار، لحضور ذلك الاجتماع المهم والتاريخى، شعرت بمسئولية جسيمة، وأننى أُمثل المرأة المصرية فى لحظة وطنية فارقة، وكان هذا شرفًا كبيرًا لى.
وما زلت أذكر أننى ذهبت وأنا على يقين بأن الشعب كان يتطلع بشغف وثقة إلى الدور المنتظر من قواتنا المسلحة، خاصة بعد تصاعد حالة القلق والخوف من عدم التدخل.
المؤسسة العسكرية كانت، كما عهدها المصريون دائمًا، حامية للوطن ومنبثقة من أبنائه وجذوره؛ وفى تقديرى فإن القوات المسلحة انطلقت فى هذا التوقيت من مسئوليتها الوطنية الخالصة واستجابتها الصادقة لإرادة شعبية هادرة عبّرت عنها الحشود فى كل شبر من أرض مصر.
ما الإنجاز الأبرز الذى تحقق بعد الثورة؟
- فى مجال الحماية الاجتماعية والدعم الإنسانى أرى أن مشروع «تكافل وكرامة» هو الخطوة الأفضل والأكثر تأثيرًا فى مساندة الفئات الأكثر احتياجًا.
كيف ترين حجم الدعم والتمكين الذى قُدِّم للمرأة خلال السنوات الأخيرة؟
- ما تحقق من مكتسبات يعكس إدراكًا واعيًا لتاريخ طويل وعظيم من نضال المرأة المصرية. وهنا أستحضر دائمًا العبارة الملهمة للرئيس الراحل جمال عبدالناصر بأن المرأة لم تُمنح حقوقها كمنحة، وإنما انتزعتها بكفاحها وعرقها.
كما أتذكر ما نُقل يومًا عن المعتمد البريطانى حين قال إن الاحتلال لا يمكنه الاستمرار فى بلد توجد فيه نساء بهذا القدم من القوة والوعى.
المرأة المصرية كانت، وما زالت شريكة، فى بناء الوطن وصناعة مجده والحفاظ عليه فى أحلك الظروف، حتى قبل أن تتوسع فرص التعليم والعمل، وما نراه اليوم هو نتاج طبيعى لهذا الكفاح.
أصبح هناك حضور كبير للمرأة فى البرلمان.. ما رأيك فى أداء البرلمانيات؟
- أرى هناك مشاركات جيدة ومحاولات جادة ومستمرة للقيام بدور فاعل داخل البرلمان. وفى تقديرى فإن مسئولية الأداء البرلمانى وتطويره لا ترتبط بالنائبات وحدهن، وإنما تمتد إلى النواب من الجنسين؛ فالعمل التشريعى والرقابى مسئولية مشتركة وقضية تكاملية تتعلق بقدرة البرلمان ككل على التعبير عن نبض وقضايا المجتمع المصرى.
ما القضية التى تستحق أن تكون أولوية حاليًا؟
- الأولوية المطلقة والحل السحرى لكل أزماتنا هو الإنتاج، مع حسن إدارة ثروات مصر ومواردها.
نحن لسنا بلدًا فقيرًا، بل نحن بلد غنى بموارده وثرواته الطبيعية الهائلة. لدينا رمال بيضاء وسوداء تساوى الذهب، ولدينا مناجم وخيرات لا حصر لها، ويجب استغلال هذه الثروات وتصنيعها محليًا بشكل يعود بالنفع المباشر على حياة المواطن المصرى.
وكيف ترين جهود الدولة فى هذا المجال؟
- أرى أن أداء الدولة رائع، خاصة إجراء مسح جوى شامل للثروات المعدنية، وهو بادرة خير حقيقية لتنفيذ ما نطالب به دائمًا بحسن استغلال ثروات بلدنا.
نحمد الله ونحيى يقظة قواتنا المسلحة الباسلة فى الجنوب، وتصديها الحاسم لسرقة مناجم الذهب على الحدود الجنوبية.
وهناك أيضًا محاولات جيدة للاستفادة من مياه الصرف المعالجة وتحلية المياه لاستصلاح الصحراء.. يجب أن نعتمد على أنفسنا وعلى إنتاج مزارعينا، خاصة بعد أن وقعت أكبر جريمة فى تاريخ مصر الحديث، وهى البناء الجائر فوق أخصب أراضينا الزراعية.
ما رأيكِ فى القوانين التى تمنع البناء على الأراضى الزراعية؟
- يجب التصدى لهذه الجريمة النكراء فى مهدها وبحسم، وأسأل هنا: أين كان موظفو المحليات عندما كانت تُباد رقعتنا الزراعية؟
إننى أستنكر بشدة فكرة التصالح فى مخالفات البناء على الأراضى الزراعية، أو محاولات تبسيط إجراءاتها؛ فإهدار ثروة مصر الغذائية وزراعة الخرسانة والطوب بدلًا من زراعة الخير والنماء، هى جريمة فى حق الأجيال القادمة لا يمكن التصالح فيها.
وأطالب وبسرعة إصدار قانون المحليات الجديد، والدفع بدماء وقيادات وطنية حريصة على ما تبقى من الرقعة الزراعية.
كيف تقيّمين إدارة ملف الدبلوماسية المصرية؟
- مصر تدير علاقاتها الخارجية بتوازن وحكمة شديدة، ومواقفها فى دعم السلام ونبذ العنف مواقف مشرفة، خاصة فى ظل وجودنا وسط عالم فقد عقله وتوازنه، هذا الاضطراب العالمى سمح للكيان الصهيونى الإرهابى بأن يتبجح بحديثه عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، بعد أن احتل ودمّر أجزاءً شاسعة من غزة، والضفة الغربية، وسوريا، ولبنان.
هذا الوضع المؤلم يجعلنا نتساءل: أين الموقف العربى الصلب الموحد؟ أتمنى من الأمين العام لجامعة الدول العربية ألا يستسلم للقيود المفروضة، وأن يسعى بكل قوة لاستنهاض قوى الأمة العربية وتوحيد صفوفها؛ فمن العار أن يتحكم هذا الكيان فى مقدرات المنطقة، ورغم الجهود الكبيرة والمشرّفة لحشد المجتمع الدولى وعقد مؤتمرات السلام لوقف الحرب، إلا أننا بحاجة إلى جبهة عربية موحدة تقف ضد الغطرسة الإسرائيلية وتحمى الشعب الفلسطينى وأرضه وحقوقه التاريخية.
وما أهم ملف خارجى بالنسبة لك؟
- تظل قضية «سد النهضة» فى مقدمة الأولويات وبأعلى درجات الانتباه؛ فالمياه هى الحياة، وقال الله تعالى: «وجعلنا من الماء كل شىء حى».
يجب أن نفكر كيف سيُستغَل أو كيف سيُستثمَر ما أعلنته الإدارة الأمريكية من أنها ستتدخل لصالح مصر، فالمياه حياة.
كذلك يجب الحذر الشديد من المخططات الخبيثة التى تستهدف تقسيم السودان الشقيق؛ ومن المؤسف والمؤلم حقًا أن نرى أطرافًا تدعم الميليشيات المسلحة «الدعم السريع» هناك، فتقسيم السودان هو تهديد مباشر للأمن القومى العربى والمصرى.
كيف يمكن تعزيز مناخ العمل الإعلامى وحماية المجتمع من الشائعات؟
- نحن فى أشد الحاجة اليوم إلى «ثورة معلوماتية» حقيقية تتيح مساحات رحبة للاختلاف على أرضية وطنية صلبة؛ بحيث يكون الاختلاف فى الرؤى إثراءً للمجتمع ولا يتحول إلى خلاف يضر بالوطن، فإن ازدهار الحريات وحمايتها، إلى جانب ضمان تدفق المعلومات، من أهم العوامل التى تساعد فى تقدم الأوطان وترسيخ استقرارها، كما أنهما يشكلان حائط الصد لمنع تغول الأكاذيب والادعاءات الباطلة.
هذه الثورة المعلوماتية تقتضى منّا التوسع فى دعم «التحول الرقمى» وحسن استثمار التقنيات الحديثة، وتدريب الشباب وتأهيلهم لاستخدام هذه الأدوات بشكل إيجابى يخدم قضايا الوطن.
وأشدد هنا على ضرورة أن تكون بنية التحول الرقمى قوية وبكفاءة فنية عالية؛ فمثلًا ما شهدناه فى بعض الأوقات من تعطل الأنظمة الإلكترونية الخاصة بصرف المعاشات وما ترتب عليه من معاناة شديدة لأصحاب المعاشات، يؤكد أن التكنولوجيا يجب أن تُدار بأعلى درجات الكفاءة والمسئولية لتسهيل حياة البشر لا لتعقيدها.
وأود أن أشير إلى أن هناك الكثير من الإيجابيات فى ملف المعاشات، وما زلنا ننتظر المزيد من نتائج الثورة فى جميع المجالات، خاصة فيما يتعلق بحقوق أصحاب المعاشات الذين أكتب دفاعًا عنهم منذ أكثر من عام.
أرى أن ما أُقِرَّ لهم من استحقاقات لا يكافئ تحويشات أعمارهم، ولا ما اقتُطِع منهم طوال سنوات عملهم، ولا يناسب الظروف الاقتصادية بالغة الصعوبة؛ فالمعاشات الحالية ما زالت متواضعة جدًا.
ويجب أن ننتبه جيدًا إلى أن تحقيق العدالة الاجتماعية والإنسانية ليس مصلحة حصرية لأصحاب المعاشات فقط، وإنما هو ركيزة أساسية لاستقرار الوطن، وأمنه، ومنع التمييز بين أبنائه.
ومن المؤلم حقًا وجود فروق شاسعة فى الدخول، والمعاشات، والامتيازات؛ لذا يجب أن تكون هناك عدالة حقيقية تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة. إن من نطلق عليهم «أصحاب الأعمار الذهبية» يجب أن تُخفف عنهم أعباء الحياة التى تتزايد وتتعقد مع التقدم فى السن.
وأدعو بالتوازى مع ذلك إلى زيادة الإنفاق على قطاعىّ التعليم والصحة باعتبارهما الأساس المتين لأى نهضة حقيقية.
ما رأيكِ فى المشهد السياسى حاليًا مقارنة بما قبل الثورة؟
- الساحة السياسية تغيرت كثيرًا؛ هناك أحزاب اختفت وأخرى وُلدت، لكننى أؤكد دائمًا أن القضية ليست فى زيادة أعداد وأرقام الأحزاب، ولكن فعل وعمل على الأرض، واتصال جماهيرى حقيقى ومشاركات.. واختلافات وطنية تُحتَرَم وتُتَقَبَّل وتُعتَبَر ضرورة لنجاح الحياة السياسية.
ما زلنا نحتاج إلى مزيد من دعم العمل الحزبى، وفتح آفاق لهذا العمل ومشاركته مشاركات إيجابية واهتمامه بالقواعد الجماهيرية التى ينتمى إليها، فالعمل الحزبى يحتاج إلى دعم قواعد شعبية كبيرة.

















0 تعليق