شهدت أسعار الذهب تراجعًا حادًا خلال الأسابيع الأخيرة، سواء في الأسواق العالمية أو المحلية، في واحدة من أكبر موجات الهبوط منذ سنوات، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية التي دفعت المستثمرين إلى إعادة توزيع استثماراتهم بعيدًا عن المعدن النفيس.
وفي السوق المصرية، انخفض سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا، بنحو 1125 جنيهًا منذ بداية شهر يونيو، بعدما تراجع من مستوى 6770 جنيهًا إلى نحو 5645 جنيهًا، بنسبة انخفاض بلغت 16.6%، متأثرًا بالهبوط العالمي إلى جانب تراجع سعر الدولار أمام الجنيه.
السياسة النقدية الأمريكية تضغط على المعدن الأصفر
يرى خبراء الاقتصاد أن السبب الرئيسي وراء التراجع الحاد في أسعار الذهب يعود إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة، بعد رفع توقعات التضخم والإبقاء على احتمالات زيادة أسعار الفائدة خلال العام الجاري.
وأدى هذا التوجه إلى ارتفاع قوة الدولار الأمريكي، ما عزز جاذبية السندات الحكومية مرتفعة العائد، ودفع المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الذهب والاتجاه نحو أدوات مالية تحقق عوائد أكبر، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار المعدن الأصفر في الأسواق العالمية.
خسائر فصلية هي الأكبر منذ أكثر من عقد
تراجع الذهب عالميًا إلى أقل من مستوى 4000 دولار للأوقية خلال الأيام الماضية، قبل أن يعاود الارتفاع بشكل محدود إلى نحو 4031 دولارًا للأوقية، إلا أن هذا التحسن لم يغيّر الاتجاه العام للسوق.
كما يتجه المعدن النفيس لتسجيل أكبر خسارة فصلية منذ عام 2013، بعدما فقد نحو 14% من قيمته خلال الربع الثاني من عام 2026، لينهي سلسلة من خمسة أرباع متتالية من المكاسب، في إشارة إلى تغير واضح في توجهات المستثمرين العالمية.
صناديق الاستثمار مفتاح عودة الأسعار
ويؤكد محللون أن عودة الذهب إلى مسار الصعود خلال الفترة المقبلة تعتمد بدرجة كبيرة على استئناف صناديق الاستثمار المتداولة ضخ أموال جديدة في المعدن النفيس، باعتبارها المحرك الرئيسي للأسعار على المدى القصير.
وفي المقابل، فإن استمرار مشتريات البنوك المركزية من الذهب يدعم الاتجاه طويل الأجل، لكنه لا يكفي وحده لإحداث انتعاش سريع في الأسعار، خاصة مع استمرار خروج السيولة من صناديق الاستثمار خلال الأسابيع الأخيرة واتجاهها إلى السندات الأمريكية والأوروبية واليابانية.
تحول الاستثمارات إلى النفط يزيد الضغوط
ومن بين العوامل التي ساهمت في تراجع الذهب أيضًا، اتجاه عدد من البنوك المركزية والمستثمرين الكبار إلى تسييل جزء من احتياطياتهم من الذهب بهدف جني الأرباح وإعادة توجيه السيولة نحو أسواق أخرى، وعلى رأسها النفط.
وجاء ذلك بالتزامن مع انخفاض أسعار الخام، ما شجع العديد من الدول على زيادة مشترياتها لإعادة تكوين احتياطياتها الاستراتيجية، الأمر الذي رفع جاذبية الاستثمار في النفط مقارنة بالذهب، وساهم في زيادة المعروض من المعدن النفيس داخل الأسواق العالمية.
السوق المصرية تتأثر بعاملين رئيسيين
انعكس الهبوط العالمي بشكل مباشر على أسعار الذهب داخل مصر، إلا أن السوق المحلية واجهت ضغطًا إضافيًا نتيجة انخفاض سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة تراجع أسعار الذهب مقارنة بالفترات السابقة.
ويرى خبراء أن استمرار انخفاض الدولار محليًا، إلى جانب ضعف الطلب الاستثماري العالمي على الذهب، قد يبقي الأسعار تحت الضغط خلال المدى القصير، بينما تظل فرص التعافي مرتبطة بأي تحول في السياسة النقدية الأمريكية أو عودة المستثمرين إلى شراء المعدن النفيس.
هل يعود الذهب للارتفاع؟
يتوقع محللون أن يستعيد الذهب جزءًا من مكاسبه مستقبلًا إذا بدأت البنوك المركزية الكبرى في خفض أسعار الفائدة مع تراجع معدلات التضخم، إضافة إلى تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول الآمنة.
ورغم الخسائر الحالية، لا يزال الذهب يحتفظ بمكانته كأحد أهم أدوات التحوط على المدى الطويل، إلا أن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة سيظل مرهونًا بتطورات الاقتصاد العالمي، وحركة الدولار، واتجاهات صناديق الاستثمار، ومستويات الطلب من البنوك المركزية.











0 تعليق