مصرُ بلدُ الأمنِ والأمانِ وملجأُ الأنبياءِ والصالحين عبر الأزمان

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 12:57 م 6/30/2026 12:57:15 PM

الحمد لله الذي جعل الأوطانَ سكنًا للنفوس، ومهابطَ للرحمات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
اعلم أن الحديثَ عن مصر ليس حديثًا عن بقعةٍ من الأرض فحسب، وإنما هو حديثٌ عن صفحةٍ مشرقةٍ من صفحات التاريخ الإنساني، وموطنٍ باركه الله تعالى في كتابه الكريم، وخصَّه بمكانةٍ عظيمةٍ في مسيرة الرسالات السماوية، حتى غدت مصر عبر العصور حصنًا للأمن والأمان، وملاذًا للأنبياء والصالحين والمصلحين، ومرفأً تأوي إليه القلوب قبل الأجساد.
ولقد ذُكرت مصر في القرآن الكريم تصريحًا وتلميحًا في مواضع عديدة، وهذا الذكر وحده شرفٌ لا يدانيه شرف.
قال تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام:
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99].
فكانت مصر هي البلد الذي ارتبط اسمه في القرآن بالأمن والطمأنينة، حتى جاء الوصف الإلهي المباشر: "آمنين".
وقال تعالى:
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61].
كما جعل الله تعالى أرض مصر مسرحًا لقصة نبيه الكريم موسى عليه السلام، وما فيها من آياتٍ وعبرٍ خالدة.
وقد ذكر المفسرون أن مصر كانت موطنًا لعدد من الأنبياء أو محطةً رئيسةً في حياتهم، ومنهم سادتنا:
يوسف عليه السلام ويعقوب وأبناؤه عليهم السلام وموسى وهارون عليهما السلام وإبراهيم الخليل عليه السلام في بعض مراحل رحلته والسيدة هاجر أم إسماعيل عليها السلام وكانت مصرية الأصل
والسيدة مارية القبطية رضي الله عنها أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 
وسيدنا عيسى ابن مريم وأمه السيدة مريم عليهما السلام حين لجآ إلى أرض مصر المباركة.
فكانت مصر بحقٍّ أرضًا احتضنت الرسالات وأهلها.
وأما في السنة النبوية الشريفة فقد أوردت في فضل مصر أحاديث نبوية عديدة، من أشهرها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا».
وفي رواية:
«فإن لهم ذمةً وصهرًا».
وذلك لما بين العرب والمصريين من روابط النسب والمصاهرة، من جهة السيدة هاجر أم إسماعيل، والسيدة مارية القبطية رضي الله عنها.
وجاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
«ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا».
فكان هذا التوجيه النبوي الكريم شهادةً بمكانة مصر وأهلها، ودعوةً دائمةً إلى حفظ حقهم وإكرامهم.
وأما مصر في أقوال أهل البيت عليهم السلام فقد أحبَّ أهل البيت عليهم السلام كلَّ أرضٍ نصرَت الحق وحفظت الدين، وكانت مصر عبر تاريخها الموطن التي احتضن العلماء والصالحين وآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 
وقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته لمالك الأشتر عندما ولاه مصر:
"واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم."
فاختار الإمام علي مصر لتكون ميدانًا لإقامة العدل والإصلاح، وبعث إليها أحد أعظم رجاله، وهو دليل على مكانتها السياسية والحضارية والدينية.
كما كانت مصر عبر القرون موطنًا لمحبة آل البيت الكرام، وازدهرت فيها مدارس العلم والتصوف والفقه، وبقيت منارةً لنشر الوسطية والاعتدال.

مصر ملجأ الأنبياء والصالحين والمصلحين
إذا تأملنا التاريخ وجدنا أن مصر كانت دائمًا وطنًا يفتح ذراعيه للمستضعفين والمهاجرين، فإليها جاء يوسف عليه السلام فصار عزيزها.
وإليها نزل يعقوب وأبناؤه فأكرموا.
وفيها نشأ موسى عليه السلام صغيرًا بحفظ الله ورعايته.
وعليها مرَّ إبراهيم الخليل عليه السلام.
وفي ربوعها احتمت السيدة مريم وابنها المسيح عليه السلام من بطش الظالمين.
ثم ظلت عبر القرون ملجأً للعلماء والمصلحين والفقهاء والمفكرين الذين وجدوا فيها أرضًا خصبةً للعلم والعمل والبناء. فكأنَّ قدر مصر أن تكون حضنًا رحيمًا لكل طالب أمنٍ أو علمٍ أو إصلاح.
ولقد تغنَّى الشعراء بمصر قديمًا وحديثًا، فقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه
           نازعتني إليه في الخلد نفسي
وقال أيضًا:
وما مصرُ إلا موطنُ المجدِ والعلا
                   ومنبعُ نورِ العلمِ منذُ قديمِ
وقال الشاعر حافظ إبراهيم:
كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي
              في حب مصر كثيرةَ العشاقِ
وقال:
أنا إن قدر الإله مماتي
          لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي
وكان يتحدث بلسان النيل ومصر وحضارتها الخالدة.
وقال الشاعر محمود حسن إسماعيل:
مصر يا أمَّ البلاد وأرضها
           أنتِ فجرُ المجدِ في كلِّ زمان
وأما أقوال الحكماء والمفكرين
قال المؤرخ اليوناني هيرودوت:
مصر هبة النيل.
وقال المؤرخ جمال حمدان:
مصر ليست دولةً ذات حضارة، بل حضارةٌ في صورة دولة.
وقال الكاتب مصطفى صادق الرافعي:
إذا ذكرت مصر ذكرت معها الحضارة والتاريخ والخلود.
أما الزعيم مصطفى كامل فقال:
لو لم أكن مصريًا لوددت أن أكون مصريًا.
ولذا فقد  كانت مصر بلد الأمن والأمان لأنها اجتمعت فيها أسباب كثيرة:
منها بركة الموقع الذي جعله الله قلبًا للعالم القديم وتعاقب الحضارات التي صنعت فيها ثقافة التسامح والتعايش وارتباطها بالرسالات السماوية واعتدال أهلها ووسطيتهم وقوة مؤسساتها الدينية والعلمية عبر العصور وقدرتها الدائمة على استيعاب الوافدين واحتضان المحتاجين.
ولهذا ظلت مصر على مرِّ التاريخ حصنًا يحتمي به الناس عند الفتن والأزمات.
ولهذا كله فمن واجبنا نحن المصريين تجاه هذه المكانة العظيمة
ألا يكون هذا مجرد تفاخر بل تحمُّلا للمسؤولية.
فواجب المصريين اليوم أن يحافظوا على الصورة التي أرادها الله ورسوله لمصر وأن تبقى أرض الأمن والاستقرار وأن نحافظ على وحدتنا الوطنية وأن نغرس قيم التسامح والمحبة بين أبناء الوطن.
أن نحترم القانون والنظام وأن نصون مؤسسات الدولة ومقدراتها وأن نحافظ على اللغة العربية والهوية والثقافة وأن نربي أبناءنا على الانتماء الصادق لوطنهم.
أن ننقل للأجيال القادمة تاريخ مصر المجيد دون مبالغة أو تفريط وأن نكون سفراء حقيقيين لوطننا بأخلاقنا وعلمنا وعملنا.
فالأوطان لا يحفظها الكلام الأجوف والشعارات الرنانة، وإنما يحفظها الإخلاص والعمل والبناء.
أخيرا أوجه كلامي لمصر التي تسمع وترى:
يا مصر، يا أرض الكنانة، يا مهد الحضارات، ويا موطن الأمن والأمان، لقد مرَّت عليك أممٌ ودول، وبقيتِ شامخةً كالنيل الذي يجري في عروقك، وكالأهرام التي تشهد على خلودك.
حفظكِ الله من كل سوء، وجعلكِ دائمًا دار أمنٍ وسلام، ووفق أبناءكِ لأن يكونوا أمناء على تاريخك ورسالتك، حتى يسلِّم كل جيلٍ الرايةَ للجيل الذي بعده، فتظل مصر كما كانت عبر القرون: ملجأ الأنبياء والصالحين، ومنارة العلم المستدام والحضارة الممتدة وبلد الأمن والأمان إلى قيام الساعة.
اللهم صل على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق