اعتدنا أن ننظر إلى الصحة النفسية باعتبارها مرادفًا لعلاج الاكتئاب أو القلق أو الإدمان. لكن الطب النفسي الحديث تجاوز هذا المفهوم منذ سنوات، وأصبح يتحدث عن الصحة النفسية الإيجابية؛ أي بناء الإنسان القادر على العمل، والإنتاج، والتكيف، والشعور بالأمان والانتماء، وليس فقط علاج الاضطرابات بعد حدوثها.
ومن هذا المنظور، فإن تقييم أي سياسة عامة لا يقتصر على عدد المستشفيات أو العيادات، وإنما يشمل أيضًا السياسات التي تؤثر في شعور المواطن بالاستقرار والأمل وجودة الحياة.
وقد تناولت في مقالات سابقة أن توفير السكن اللائق، وتحسين الدخل، ورفع الحد الأدنى للأجور، والحماية الاجتماعية، ليست قضايا اقتصادية فقط، بل عوامل ترتبط بالصحة النفسية للمواطن. فالشخص الذي يشعر بالأمان المادي تقل لديه مشاعر الإحباط والضغط المزمن، ويصبح أكثر قدرة على الإنتاج والالتزام، بينما ترتبط البطالة والفقر المزمن بارتفاع معدلات الجريمة والإدمان والانتحار في كثير من الدراسات.
ومنذ عام 2013 شهدت مصر توسعًا في عدد من المبادرات الصحية والاجتماعية، مع إدماج مفهوم التنمية البشرية بصورة أكبر في الخطاب الرسمي، إلى جانب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية، والمبادرات الصحية الرئاسية، وهو ما يعكس توجهًا نحو ربط الصحة بجودة الحياة بصورة أشمل. كما أطلقت وزارة الصحة مبادرة "صحتك سعادة" لدعم الصحة النفسية، والتي تستهدف رفع الوعي، وتعزيز الاكتشاف المبكر، وتوسيع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، مع دمج هذه الخدمات في الرعاية الصحية الأولية.
وفي الوقت نفسه، استمرت جهود تطوير خدمات الصحة النفسية، وتفقد المستشفيات المتخصصة، والعمل على تحسين جودة الرعاية، في إطار توجه أوسع نحو تحديث المنظومة الصحية. كما تؤكد الاستراتيجية الوطنية للصحة 2024–2030 أهمية بناء نظام صحي أكثر تكاملًا يركز على جودة الخدمة والوقاية والتنمية البشرية.
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تطرح تحديات جديدة. فالتغيرات الرقمية والسلوكية أفرزت ملفات مثل الإدمانات السلوكية، والاستخدام القهري للإنترنت، والمقامرة الإلكترونية، وهي موضوعات تحتاج إلى مزيد من التطوير في برامج الوقاية والعلاج والبحث العلمي، حتى تظل المنظومة مواكبة للتغيرات العالمية.
إن بناء مجتمع يتمتع بصحة نفسية جيدة لا يتحقق بإنشاء مستشفى جديد فقط، بل يتحقق أيضًا بخلق بيئة تمنح المواطن شعورًا بالكرامة، والأمان، والعدالة، وفرص العمل، والتعليم الجيد، والدعم النفسي المبكر. فالصحة النفسية ليست مسؤولية الطبيب النفسي وحده، وإنما هي مسؤولية تشارك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع.
وبهذه الرؤية، تصبح ثورة 30 يونيو مناسبة للتأمل في تطور مفهوم الصحة النفسية في مصر؛ من التركيز على علاج المرض، إلى السعي لبناء الإنسان، مع بقاء الحاجة إلى مواصلة تطوير الخدمات، والبحث العلمي، والكوادر، حتى تواكب المنظومة التحديات المتغيرة في السنوات المقبلة.















0 تعليق