تشهد الدولة المصرية في السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا واسع النطاق في ملف الأمن الغذائي، يستهدف الوصول إلى مرحلة متقدمة من الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2030، في إطار رؤية تنموية شاملة تعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الرقعة الزراعية، ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة، إلى جانب تبني أحدث التقنيات في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني والتصنيع الغذائي.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحديات عالمية متصاعدة تتعلق بتغير المناخ، وارتفاع أسعار الغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع الدولة إلى إعادة صياغة أولوياتها الاستراتيجية بما يضمن تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء بصورة مستدامة وآمنة.
وتعتمد مصر في رؤيتها لتحقيق الاكتفاء الغذائي على حزمة متكاملة من المشروعات القومية الكبرى التي تستهدف استصلاح ملايين الأفدنة في مناطق جديدة مثل الدلتا الجديدة، وتوشكى، ومشروع مستقبل مصر، إلى جانب التوسع في مشروعات الصوب الزراعية والزراعة الذكية، بما يسهم في زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد وتحسين جودة المحاصيل. كما تعمل الدولة على دعم صغار المزارعين والمربين باعتبارهم العمود الفقري لمنظومة الإنتاج الغذائي، من خلال توفير الدعم الفني والتقني والتسويقي، بما يضمن استقرار الإنتاج وزيادة معدلاته بشكل مستدام.
وفي الوقت ذاته، تولي الدولة اهتمامًا متزايدًا بملف التحول الرقمي في الزراعة، وتطبيق نظم الإدارة الذكية للموارد، مثل “الكارت الذكي للفلاح”، إلى جانب التوسع في استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، بهدف تحسين كفاءة إدارة المياه والأسمدة والطاقة، وتعظيم الاستفادة من كل وحدة إنتاج زراعي. كما يمثل ملف إدارة الموارد المائية أحد أهم التحديات التي يتم التعامل معها من خلال التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وإنشاء محطات معالجة حديثة، وتطوير نظم الري الحديثة.
ومع تزايد الاهتمام بالتصنيع الزراعي والقيمة المضافة، تتجه الدولة إلى تعزيز القدرة التصديرية للمنتجات الغذائية، بما يسهم في زيادة العائد الاقتصادي وفتح أسواق جديدة، وهو ما يدعم الهدف الأوسع المتمثل في تحقيق الأمن الغذائي الشامل. ومن هنا، فإن مسار مصر نحو الاكتفاء الغذائي بحلول 2030 لا يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل يقوم على بناء منظومة متكاملة تجمع بين العلم والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة والعدالة في توزيع الموارد، بما يضمن استدامة التنمية الزراعية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية بثبات وثقة.
أكد الدكتور محمد يوسف، أستاذ الزراعة والمكافحة الحيوية بكلية الزراعة – جامعة الزقازيق، أن الدولة المصرية تشهد واحدة من أهم مراحل التحول الزراعي في تاريخها الحديث، حيث لم يعد القطاع الزراعي مجرد نشاط إنتاجي تقليدي، بل أصبح أحد أهم ركائز الأمن القومي الغذائي وأداة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ" الدستور" أن مصر تتبنى رؤية شاملة تهدف إلى إعادة بناء المنظومة الزراعية على أسس علمية حديثة، تجمع بين التوسع الأفقي في استصلاح الأراضي، والتوسع الرأسي في الإنتاج، مع الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الحديثة، بما يضمن زيادة الإنتاج وتقليل الفاقد وتحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي في العديد من السلع الغذائية.
وأشار يوسف إلى أن ما تشهده الدولة من طفرة في المشروعات الزراعية يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الزراعة في مواجهة التحديات العالمية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.
الزراعة المصرية.. من قطاع إنتاجي إلى ركيزة أمن قوم
أوضح الدكتور محمد يوسف أن الزراعة في مصر لم تعد قطاعًا اقتصاديًا تقليديًا يعتمد على الإنتاج فقط، بل تحولت إلى ركيزة أساسية للأمن القومي، نظرًا لارتباطها المباشر بالأمن الغذائي واستقرار المجتمع.
وأضاف أن الدولة المصرية تبنت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية متكاملة تستهدف رفع كفاءة القطاع الزراعي، وزيادة الإنتاج، وتحقيق التوازن بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة للسكان، الذين يقترب عددهم من 110 ملايين نسمة.
وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تعتمد على عدة محاور رئيسية، أهمها التوسع في الرقعة الزراعية، وتطوير نظم الري، وتحسين جودة التقاوي، ودعم المزارعين، وتحديث البنية التحتية الزراعية.
تطرق الدكتور محمد يوسف إلى أهم ملامح التوسع الزراعي في مصر، موضحًا أن الدولة أطلقت مجموعة من أكبر المشروعات الزراعية في تاريخها الحديث، بهدف إضافة ملايين الأفدنة الجديدة إلى الرقعة الزراعية.
مشروع الدلتا الجديدة الذي يُعد من أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي في المنطقة، ويستهدف استصلاح مساحات شاسعة تعتمد على أحدث تقنيات الري والزراعة، ومشروع مستقبل مصر للإنتاج الزراعي، الذي يمثل أحد المحاور الرئيسية لتحقيق الأمن الغذائي، من خلال توفير محاصيل استراتيجية للسوق المحلي والتصدير.
كما أشار إلى مشروع توشكى الخير الذي أعاد إحياء منطقة جنوب الوادي، ومشروع المليون ونصف المليون فدان الذي يهدف إلى خلق مجتمعات زراعية جديدة، وأكد أن هذه المشروعات لا تستهدف فقط زيادة الإنتاج، بل أيضا إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة تعتمد على الزراعة والصناعة والخدمات.
أكد الدكتور محمد يوسف أن الدولة لا تعتمد فقط على التوسع الأفقي، بل تولي اهتمامًا كبيرًا بالتوسع الرأسي، الذي يركز على زيادة إنتاجية الفدان الواحد من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة.
وأشار إلى أن الصوب الزراعية أصبحت أحد أهم أدوات هذا التوجه، حيث تسهم في تحسين جودة الإنتاج، وتقليل استهلاك المياه، وزيادة العائد الاقتصادي.
وأوضح أن انتشار الصوب الزراعية في مناطق مثل العاشر من رمضان والإسماعيلية وبورسعيد ومناطق الصعيد، يعكس نجاح الدولة في تطبيق مفاهيم الزراعة الحديثة، التي تعتمد على التحكم الكامل في الظروف البيئية للإنتاج.
وأضاف أن هذا النمط الزراعي يساهم في تحقيق استقرار في الأسواق، وتقليل الفجوة بين العرض والطلب، خاصة في الخضروات والفاكهة
كشف الدكتور محمد يوسف أن القطاع الزراعي المصري شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة، ملحوظة في الإنتاج والصادرات، نتيجة السياسات الزراعية الحديثة والتوسع في المشروعات القومية.
وأوضح أن الرقعة الزراعية في مصر ارتفعت من نحو 9.1 مليون فدان إلى ما يقرب من 11 مليون فدان، وهو ما يعكس حجم الجهود المبذولة في ملف استصلاح الأراضي.
كما أشار إلى أن الصادرات الزراعية المصرية حققت نموًا كبيرًا، حيث تضاعفت كميات الصادرات الطازجة لتصل إلى نحو 9.5 مليون طن، بقيمة تجاوزت 11.5 مليار دولار.
وأكد أن هذه الزيادة ساهمت في تعزيز مكانة مصر في الأسواق العالمية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات الزراعية المصرية، خاصة في أوروبا وآسيا والدول العربية.
دعم الفلاح والزراعة التعاقدية
شدد الدكتور محمد يوسف على أهمية دعم الفلاح المصري باعتباره العنصر الأساسي في منظومة الإنتاج الزراعي، موضحًا أن الدولة تعمل على توفير بيئة داعمة ومستقرة له.
وأشار إلى أن نظام الزراعة التعاقدية يمثل أحد أهم أدوات حماية المزارعين من تقلبات الأسعار، حيث يضمن تسويق المحاصيل بأسعار عادلة قبل بدء الزراعة.
وأضاف أن الدولة تعمل على توفير التقاوي عالية الإنتاجية، واستنباط أصناف جديدة مقاومة للجفاف والملوحة والآفات، بما يتناسب مع التغيرات المناخية.
أكد يوسف أن التحول الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في تطوير القطاع الزراعي في مصر، موضحًا أن تطبيق “الكارت الذكي للفلاح” يمثل خطوة مهمة نحو تنظيم الدعم الزراعي.
وأشار إلى أن هذا النظام يساعد في ضمان وصول الدعم لمستحقيه، وتقليل الهدر، وتحسين كفاءة إدارة الموارد الزراعية، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية داخل المنظومة.
أوضح الدكتور محمد يوسف أن الزراعة الذكية أصبحت ضرورة وليست رفاهية، في ظل التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وعلى رأسها ندرة المياه وتغير المناخ.
وأشار إلى أن الزراعة الذكية تعتمد على مجموعة من التقنيات الحديثة، مثل الاستشعار عن بعد، وإنترنت الأشياء، والطائرات بدون طيار، والذكاء الاصطناعي.
وأكد أن هذه التقنيات تسهم في تحسين إدارة الري والتسميد، وتقليل الفاقد، وزيادة الإنتاجية، وتحقيق أفضل استغلال للموارد الطبيعية.
أشار يوسف إلى أن ملف المياه يمثل التحدي الأكبر أمام الزراعة المصرية، خاصة في ظل انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا.
وأوضح أن الدولة تعمل على مواجهة هذا التحدي من خلال التوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وإنشاء محطات معالجة حديثة، والتوسع في نظم الري الحديث، واستنباط محاصيل أقل استهلاكًا للمياه.
أكد الدكتور محمد يوسف أن التصنيع الزراعي يمثل أحد أهم محاور التنمية المستقبلية، حيث يسهم في زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، وتقليل الفاقد، وفتح أسواق تصديرية جديدة.
وأشار إلى أن الدولة تستهدف الوصول إلى 20 مليار دولار صادرات زراعية بحلول عام 2030، من خلال تطوير سلاسل الإمداد وتحسين جودة المنتجات.
و أكد الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن الدولة المصرية تضع ملف مراكز تجميع الألبان على رأس أولوياتها ضمن استراتيجية متكاملة لتطوير قطاع الإنتاج الحيواني، باعتباره أحد أهم ركائز تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الاستدامة الاقتصادية في الريف المصري.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ"الدستور" أن هذه المراكز تمثل حلقة وصل محورية بين صغار المربين ومصانع الألبان، بما يسهم في تحسين جودة الإنتاج، وزيادة الكفاءة، وتقليل الفاقد، ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري محليًا ودوليًا.
مراكز تجميع الألبان ودورها في دعم المنظومة الإنتاجية
أوضح الدكتور طارق سليمان أن الدولة تراهن بشكل كبير على مراكز تجميع الألبان باعتبارها المنافذ التسويقية الأساسية لصغار مربي ماشية اللبن، الذين يمتلكون نحو 70% من إجمالي الثروة الحيوانية المنتجة للألبان في مصر.
وأشار إلى أن تطوير هذه المراكز لا يقتصر على الجانب التسويقي فقط، بل يمتد ليشمل تطوير كامل منظومة الألبان، بدءا من الإنتاج وصولا إلى التصنيع، وهو ما ينعكس على تحسين جودة المنتج النهائي وزيادة معدلات الإنتاج، بما يدعم تحقيق الأمن الغذائي وتحسين مستوى معيشة المربين، ورفع دخولهم، إلى جانب توفير منتجات آمنة للمستهلكين.
كما لفت إلى أن هذه المنظومة تسهم أيضًا في فتح آفاق جديدة للتصدير، وتعزيز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق الخارجية من خلال منتجات ألبان ذات جودة عالية ومعايير سلامة صارمة.
كشف رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة أن قطاع الألبان في مصر شهد تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع الإنتاج من نحو 6.5 مليون طن إلى ما يقرب من 7 ملايين طن، بنسبة زيادة بلغت حوالي 14%.
وأكد أن هذا النمو في الإنتاج أدى إلى تحقيق فائض يمكن توجيهه نحو التصنيع والتصدير، وهو ما يعكس نجاح السياسات الزراعية في دعم هذا القطاع الحيوي.
وأضاف أن هذا التطور جاء بالتوازي مع جهود الدولة في ملف التحسين الوراثي للسلالات المحلية، حيث تم تطوير سلالات مصرية محسنة وراثيًا قادرة على المنافسة مع السلالات العالمية سواء في إنتاج الألبان أو اللحوم، بما يعزز كفاءة الثروة الحيوانية في مصر.
أشار الدكتور طارق سليمان إلى أن بناء بنية تحتية غذائية قوية يعتمد بشكل أساسي على دعم صغار المربين، الذين يمثلون العمود الفقري للثروة الحيوانية في مصر.
وأوضح أن الدولة تعمل على تطوير مهارات التربية والرعاية والتغذية والإدارة للقطعان، إلى جانب تحسين منظومة الأعلاف وتوفيرها بشكل آمن ومعتمد من وزارة الزراعة، بما يضمن رفع الإنتاجية وتقليل الخسائر.
كما أكد أن برامج التحسين الوراثي أدت إلى إنتاج سلالات “مُمصّرة” تتميز بقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية والمناخية المصرية، ومقاومتها للأمراض، مع تحقيق معدلات إنتاج عالية، وهو ما يدعم استدامة القطاع.
أوضح سليمان أن مراكز تجميع الألبان أصبحت اليوم تضاهي المراكز العالمية من حيث الكفاءة والجودة، حيث يتم توريد الألبان إليها وفق ضوابط ومعايير دقيقة تضمن سلامة المنتج.
وأشار إلى أن الألبان يتم تحليلها معمليًا داخل معامل مجهزة داخل هذه المراكز للتأكد من جودتها وخلوها من أي إضافات أو مواد غير مطابقة، وهو ما يضمن وصول منتج آمن إلى مصانع الألبان سواء الموجهة للسوق المحلي أو للتصدير.
وأكد أن هذا النظام ساهم بشكل كبير في تقليل الفاقد والهدر، ورفع جودة المنتج النهائي، وحماية المستهلك المصري من أي منتجات غير مطابقة للمواصفات.
شدد رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة على أن صغار المربين يمثلون “الأبطال الحقيقيين” للأمن الغذائي في مصر، رغم أنهم في كثير من الأحيان لا يحظون بالاهتمام الإعلامي الكافي.
وأوضح أن قطاع الثروة الحيوانية في مصر أثبت قدرته على الصمود والتطور رغم التحديات العالمية، مشيرا إلى أن الإنتاج لم يتراجع بل شهد نموًا واستقرارا، بل واتجاهًا نحو التصدير في بعض القطاعات.
وأضاف أن مصر نجحت في الحفاظ على استقرار الأسواق الغذائية مقارنة بالعديد من الدول التي تأثرت بشكل كبير بالأزمات العالمية، وهو ما يعكس قوة المنظومة الإنتاجية ودور الدولة في دعم المربين












0 تعليق