مَن يتتبع أوراق التحقيقات فى قضايا الإرهاب، خلال السنوات الأخيرة، يكتشف خيطًا مشتركًا يجمع بين معظمها، هو اعتماد التنظيمات المتطرفة على تطبيق «تليجرام»؛ كأداة رئيسية للتواصل والتجنيد.
ووجدت التنظيمات المتطرفة، فى هذا التطبيق، بيئة مثالية للتواصل؛ بفضل خاصية التشفير العالية وصعوبة المراقبة، ما أتاح لها استقطاب الشباب بعيدًا عن أعين الأسر والأجهزة الأمنية، لتحوّل التطبيق إلى منصة سرية لتبادل التعليمات وتنسيق التحركات، وتشكيل مجموعات مغلقة تُدار بعناية من قبل قيادات تلك الجماعات، على رأسهم الهارب يحيى موسى، الذى برز اسمه فى العديد من القضايا.
وأكد خبراء فى شأن الجماعات المتطرفة أن يحيى موسى من أبرز الأسماء المرتبطة بمحاولات استغلال الفضاء الإلكترونى فى نشر الأفكار المتطرفة واستقطاب العناصر الجديدة، مستفيدًا من التطورات التكنولوجية ومنصات التواصل الاجتماعى وتطبيقات المراسلة المشفرة؛ للوصول إلى الفئات المستهدفة، خاصة الشباب.
وتكشف «الدستور»، فى هذا التحقيق، كيف استغل موسى والتنظيم الإرهابى خصائص التطبيق لتجنيد عناصر جديدة، وزرع أفكار متطرفة فى عقول الشباب، وصولًا إلى دفعهم لتنفيذ عمليات تخريبية.
حسام الغمرى: القيادات تُصدر الأوامر والتعليمات عبر «المواقع الإباحية»
كشف الباحث السياسى والإعلامى، حسام الغمرى، عن المخططات المستمرة لحركة «ميدان» التى يقودها يحيى موسى، مؤكدًا أنها ليست سوى «اسم مخادع» وامتداد لما كان يُعرف بـ«النظام الخاص»، الذى أسسه حسن البنا فى أربعينيات القرن الماضى برعاية وإشارة من المخابرات الإنجليزية كميليشيا مسلحة.
وأوضح «الغمرى» أن هذا التنظيم يسير وفق استراتيجية حربائية تتغير فيها المسميات لتضليل الرأى العام، حيث تحول المسمى عبر فترات مختلفة إلى «لواء الثورة» و«حسم»، وصولًا إلى حركة «ميدان» الحالية.
وأضاف أن النشأة الأولى لهذا النظام أثناء الحرب العالمية الثانية كانت تستهدف ضمان سيطرة الاحتلال الإنجليزى على الجبهة الداخلية المصرية، وإرهاب القوى السياسية المناوئة له، مشيرًا إلى أن من أبرز جرائم هذا التنظيم- تاريخيًا- اغتيال أحمد ماهر باشا والنقراشى باشا، اللذين كانا من رموز ثورة ١٩١٩، حيث نفذ التنظيم، آنذاك، ما كان يرغب فيه الإنجليز الذين خططوا لإعدامهما.
وأشار «الغمرى» إلى أن الهدف الأساسى الحالى لهذه الحركة هو استقطاب الشباب؛ لنشر الفوضى وزعزعة استقرار الجبهة الداخلية عبر عمليات إرهابية بمفهومها الواسع؛ سواء كان إرهابًا ماديًا متمثلًا فى التفجيرات والاغتيالات والكتابة على الجدران، أو إرهابًا معنويًا من خلال ممارسة التشويه الممنهج ضد رموز الدولة المصرية على منصات التواصل الاجتماعى.
وتابع: «تستهدف هذه اللجان الإلكترونية بخطة مدروسة إفساد أى منشور يهدف إلى توحيد المصريين، من خلال إغراقه بتعليقات مسيئة، بهدف تفكيك الجبهة الداخلية وخدمة أهداف إقليمية ومخططات تقسيم لم تعد خافية على أحد». وحذر من خطورة ما أعلنوا عنه، مؤخرًا، بشأن «حملة ٣٠٠»، موضحًا أنها تستند إلى المرجع الفكرى لمؤسس الجماعة حسن البنا، الذى كان يسعى لتشكيل ٣٠٠ كتيبة مصنفة كـ«كتائب إرهابية» تضم نحو ١٢ ألف عنصر، لبدء المواجهة والضغط على المؤسسات السيادية فى الدولة ونشر الفوضى فى كل ربوع مصر.
وكشف عن معلومات تتعلق بآليات تواصل قيادات التنظيم فى الخارج مع القواعد والقيادات الحركية فى الداخل، مؤكدًا أن الأمر تخطى التطبيقات التى يظنونها آمنة مثل «تليجرام»، إذ تلجأ هذه العناصر إلى إصدار الأوامر والتعليمات عبر منصات ومواقع إنترنت بديلة «مثل المواقع الإباحية وبعض الألعاب الإلكترونية التى تتيح خاصية المحادثات (الشات)»، ظنًا منهم أن هذه المساحات بعيدة عن الرقابة الأمنية. ونوه بدور الإرهابى «أنس حبيب»، الذى يتم تصديره كقائد لـ«جيل زد» عبر «تليجرام»، وكيف سعى بشكل مباشر لتأكيد رواية رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، عندما اتهم الدولة المصرية بحصار غزة، حيث سارع «حبيب» لممارسة التحريض ضد السفارات المصرية فى الخارج كنوع من الدعاية لخدمة تلك الرواية.
وأكد «الغمرى» أن الجماعة الإرهابية تتخذ من القضية الفلسطينية شعارًا وتجارة، بينما هم فى الحقيقة يسرقون التبرعات الموجهة لفلسطين.
وتطرق إلى الوثائقى الإخوانى الذى حمل اسم «الطريق إلى القاهرة»، فى إشارة خبيثة تشتق اسمها من الفيلم الوطنى «الطريق إلى إيلات»، موضحًا أن القيادى الإخوانى محمد منتصر أكد فى هذه الوثائق أن خطتهم تستهدف تجنيد الطلاب وجعل الجامعات المصرية بؤرًا للتوتر لإرهاق المؤسسات الأمنية. ولذلك شدد «الغمرى» على ضرورة تنظيم ندوات توعوية مستمرة داخل الجامعات لتحصين الشباب ضد هذا الخطر.
وكشف عن طبيعة الحرب الإلكترونية التى يشنها التنظيم من أوروبا، مستغلين التمويلات الضخمة والتدريبات التى يتلقونها من أجهزة معادية لاستخدام التكنولوجيا، حيث يقومون بتمويل منشوراتهم لزيادة انتشارها، وفى المقابل يسخّرون لجانهم لتقديم بلاغات مكثفة ضد المنصات والمواقع الوطنية لتقليل نسبة وصولها والتفاعل معها الـ«Reach»، ومن بينها موقع جريدة «الدستور»، عبر الاستعانة ببرامج وسيطة مدفوعة الأجر لمحاربة النطاق الإلكترونى «الدومين» للمواقع الوطنية.
رضا فرحات: الدولة تواجه الإرهابيين ميدانيًا وعبر الفضاء الإلكترونى
رأى اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن هناك تطورًا نوعيًا فى قدرات الدولة على مواجهة أنماط الإرهاب الحديثة، التى انتقلت من التنظيمات الهرمية التقليدية إلى شبكات افتراضية تعتمد على الاتصالات المشفرة والعمل اللا مركزى.
وأوضح فرحات أن الأجهزة الأمنية أصبحت قادرة على تتبع المتطرفين على تطبيقات مشفرة مثل «تليجرام»، وهذا يؤكد حدوث تحوّل جوهرى فى فلسفة المواجهة الأمنية، لافتًا إلى أن التنظيمات المتطرفة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الفضاء الإلكترونى لإدارة عملياتها وتوجيه عناصرها من خارج الحدود، معتقدة أن التطبيقات المشفرة توفر لها بيئة آمنة بعيدة عن الرصد والملاحقة.
وأشار إلى أن يحيى موسى سعى، عقب هروبه إلى الخارج، إلى إدارة عناصر التنظيم عن بُعد من خلال تطبيقات اتصال مشفرة، وفى مقدمتها «تليجرام»، عبر إرسال التكليفات وتوجيه العناصر واستقطاب الشباب، إلا أن الأجهزة الأمنية تمكنت من كشف هذه التحركات عبر استراتيجية جمعت بين العمل الاستخباراتى التقليدى والتقنيات الحديثة فى مكافحة الإرهاب السيبرانى.
وأضاف أن التنظيمات الإرهابية لم تعد تعتمد على الاجتماعات السرية أو المقرات التنظيمية كما كان الحال فى السابق، بل أصبحت تعتمد على مجموعات إلكترونية مغلقة يجرى من خلالها تمرير التعليمات والتكليفات بشكل لحظى، مع تقليل الاتصال المباشر بين القيادات والعناصر، ما استدعى تطوير أدوات الرصد والمتابعة، ما يتناسب مع طبيعة هذا التهديد المتغير.
وأكد أن الأجهزة الأمنية باتت تعتمد على تحليل أنماط الاتصال والسلوك الرقمى وربط البيانات واكتشاف العلاقات الخفية بين العناصر، وليس فقط متابعة الأشخاص بصورة تقليدية، ما ساعد فى إعادة بناء الشبكات التنظيمية وكشف الصلات بين القيادات الهاربة والعناصر الموجودة داخل البلاد، قبل تحول تلك التحركات إلى عمليات إرهابية على الأرض.
ولفت إلى أن أخطر ما اعتمد عليه يحيى موسى لم يكن تطبيق «تليجرام» ذاته، وإنما استراتيجية التجنيد الإلكترونى التدريجى التى استهدفت فئات الشباب، من خلال بث رسائل أيديولوجية وتحريضية داخل مجموعات مغلقة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى مراحل أكثر تنظيمًا تشمل التكليفات والتوجيهات، مستفيدًا من السرية التى توفرها تطبيقات الاتصال المشفرة.
وشدد على أن نجاح الدولة فى مواجهة نشاط يحيى موسى وغيره من القيادات الهاربة يؤكد أن معركة مكافحة الإرهاب لم تعد تقتصر على المواجهة الميدانية، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الإلكترونى، موضحًا أن الضربات الاستباقية والتطور التكنولوجى والتكامل بين المؤسسات الأمنية والمعلوماتية رسخت نموذجًا متقدمًا فى مكافحة الإرهاب الحديث، قائمًا على المبادرة الاستباقية وكشف التهديدات قبل تحولها إلى خطر مباشر على الأمن والاستقرار.
أسامة مصطفى: وعود زائفة بالمال والسفر لاستدراج الضحايا إلى دوائر مغلقة
أكد الدكتور أسامة مصطفى، خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، أن عمليات استقطاب الشباب والطلاب عبر تطبيق «تليجرام» ليست عشوائية، كما يعتقد البعض، وإنما تعتمد على أساليب استهداف إلكترونى ونفسى دقيقة تستهدف فئات بعينها.
وأوضح مصطفى أن الجماعات المتطرفة تسعى للوصول إلى الشباب الأكثر قابلية للتأثر من خلال أدوات رقمية متطورة: «القائمون على عمليات التجنيد يعتمدون على إغراءات متنوعة لجذب الضحايا؛ تشمل وعودًا بالحصول على أموال سريعة، أو فرص عمل وسفر وهمية، أو تقديم مزايا تبدو مغرية للشباب، بهدف استدراجهم تدريجيًا إلى دوائر مغلقة تمهيدًا لتجنيدهم أو استغلالهم فى أنشطة غير مشروعة». وأضاف أن تطبيق «تليجرام» يمثل بيئة مفضلة لهذه الشبكات؛ بسبب اعتماده على الرسائل المشفرة وإمكانية إنشاء مجموعات وقنوات مغلقة يصعب مراقبتها، مشيرًا إلى أن بعض الحسابات والصفحات التى تتبنى أفكارًا متطرفة أو تروج لمحتوى مشبوه تلعب دور الوسيط فى الوصول إلى الفئات المستهدفة والتأثير عليها.
وعن إمكانية رصد هذه الأنشطة، لفت إلى أن الجهات الأمنية تعتمد على منظومة متكاملة من الرصد الرقمى والعمل الاستخباراتى، تشمل متابعة الأنشطة المشبوهة وتحليل أنماط السلوك الإلكترونى، إلى جانب الاستفادة من المعلومات التى يجرى التوصل إليها خلال التحقيقات مع العناصر والخلايا التى يجرى ضبطها.
وأشار إلى أن مواجهة هذا النوع من الشبكات لا تقتصر على الجهود المحلية فقط، وإنما تمتد إلى التعاون الدولى وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فى الدول المختلفة، خاصة أن كثيرًا من تلك الشبكات يعمل عبر الحدود ويستخدم منصات رقمية عالمية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.
وكشف عن أن عمليات التجنيد تمر بعدة مراحل مدروسة؛ تبدأ بالصيد والاستدراج عبر الرسائل الخاصة أو القنوات المغلقة لاختبار مدى قابلية الشخص للتجاوب، ثم الانتقال إلى تكليفه بمهام بسيطة، مثل جمع المعلومات أو مراقبة أهداف معينة أو إعادة نشر محتوى محدد، قبل تصعيد الأمر تدريجيًا إلى مهام أكثر خطورة.
إبراهيم ربيع: اصطياد الأكثر قابلية للتأثر نفسيًا
قال إبراهيم ربيع، الكاتب والباحث المتخصص فى شئون التنظيمات الإرهابية، إن عمليات التجنيد والاستقطاب داخل جماعة الإخوان الإرهابية ليست ظاهرة مستحدثة أو مرتبطة بمرحلة ما بعد سقوط الجماعة من الحكم، وإنما تمثل إحدى الركائز الأساسية التى قام عليها التنظيم منذ تأسيسه، موضحًا أن التجنيد ظل مهمة تنظيمية مستمرة تُكلف بها عناصر الجماعة فى مختلف الأزمنة والظروف.
وأضاف أن أساليب الاستقطاب تطورت بشكل كبير مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعى وتطبيقات المراسلة الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعى، بعدما كانت تعتمد فى الماضى على المساجد والزوايا واللقاءات المباشرة، مؤكدًا أن التكنولوجيا وفرت للجماعة أدوات أكثر سرعة وانتشارًا للوصول إلى الفئات المستهدفة.
وتابع أن التنظيم يعتمد على ما يعرف بـ«دوائر الاستقطاب»، إذ يبدأ العنصر المكلف بالتجنيد بدائرة واسعة تسمى «دائرة الانتشار»، وتشمل جميع المحيطين به داخل المجتمع أو عبر منصات التواصل الاجتماعى، بهدف نشر الدعاية التنظيمية وبث الأفكار والمفاهيم التى يتبناها التنظيم حول إدارة المجتمع والدولة.
ولفت إلى أن المرحلة التالية تتمثل فى «دائرة الربط العام»، التى تضم عددًا أقل من الأفراد يجرى التركيز خلالها على تقديم الخطاب الدعوى والفكرى بصورة أكثر كثافة، إلى جانب إشراك المستهدفين فى أنشطة وحملات مختلفة، وربط بعض أصحاب الاحتياجات بخدمات أو مساعدات تقدمها كيانات مرتبطة بالتنظيم، تمهيدًا لنقل الأكثر قابلية للتأثر إلى مراحل أكثر تقدمًا.
وذكر أن الجماعة تنتقل بعد ذلك إلى ما يسمى بـ«دائرة الربط الشخصى»، إذ يجرى تكثيف التواصل الفردى مع العناصر المنتقاة، والتركيز على الخطاب المتعلق بالدولة ومؤسساتها وقضايا الهوية والانتماء، وصولًا إلى مجموعة محدودة للغاية تعتبرها الجماعة النواة الأكثر استعدادًا للانضمام التنظيمى الكامل.
ونوّه بأن التنظيم يركز فى عملية الانتقاء على بعض السمات الشخصية والاجتماعية، مثل الأفراد الهادئين أو الانطوائيين، وأصحاب الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية الصعبة، إضافة إلى المتفوقين دراسيًا ممن يفتقرون إلى الخبرات الاجتماعية الواسعة، بينما يتجنب فى المقابل استهداف أصحاب الانتماءات الفكرية المنافسة، أو أبناء بعض الفئات المهنية التى قد تمثل عائقًا أمام عملية التجنيد. وأضاف أن العناصر المكلفة بعمليات الاستقطاب تخضع بدورها لبرامج إعداد وتأهيل خاصة، تتضمن تدريبات تربوية وتنظيمية مكثفة، بهدف تمكينها من إدارة عملية التجنيد بصورة احترافية، مشيرًا إلى أن الهدف الاستراتيجى لهذه العملية يتمثل فى خلق حالة من التبعية الفكرية والنفسية لدى العنصر المستهدف، وإقناعه بضرورة الاعتماد على القائم بالتجنيد؛ بوصفه مرجعًا وموجهًا.
وأوضح أن الجماعة تحرص على توفير بيئة اجتماعية بديلة للمستقطَب، من خلال الأنشطة والرحلات واللقاءات الدورية، بهدف تعزيز شعوره بالانتماء والارتباط بالمجموعة الجديدة، معتبرًا أن هذه البيئة الموازية تعد إحدى أهم أدوات التأثير النفسى المستخدمة فى مراحل التجنيد المختلفة.
وقال إن عملية التجنيد تمر بمراحل متدرجة، تبدأ بالتعارف وبناء الثقة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى طرح مفاهيم دينية وفكرية وسياسية محددة، وصولًا إلى مرحلة إقناع الفرد بضرورة الانضمام إلى التنظيم؛ باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق ما يُطرح عليه من أهداف وأفكار، مشددًا على أن فهم هذه الآليات يمثل خطوة مهمة فى مواجهة محاولات الاستقطاب والتجنيد التى أصبحت تستفيد بشكل متزايد من التطورات التكنولوجية الحديثة.


















0 تعليق