ذكرى ميلاد أمبروز بيرس.. الكاتب الأمريكي الذي انتهت حياته بشكل مبهم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مثل هذا اليوم وتحديدا 24 يونيو لعام 1842، ولد الكاتب والصحفي الأمريكي أمبروز بيرس في مقاطعة ميجز بولاية أوهايو الأمريكية، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأصوات الأدبية والصحفية التي ارتبط اسمها بالسخرية اللاذعة والقصص القصيرة ذات الأجواء القاتمة. 

ترك أمبروز بيرس إرثًا واسعًا من الكتابات التي تناولت الموت والحرب والخوف والعبث الإنساني، وظل مصيره الشخصي أكثر فصول حياته إثارة للغموض، بعدما اختفى في المكسيك عام 1913 ولم يُعرف على وجه اليقين ما الذي جرى له بعد ذلك.

بدايات أمبروز بيرس

نشأ امبروز بيرس في ولاية إنديانا، ولم يواصل تعليمه المدرسي طويلًا، وعمل في سن مبكرة متدربًا في مجال الطباعة بإحدى الصحف المحلية، لذا استطاع أن يحتك بشكل مباشر بعالم الصحافة والنشر، حتى اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية وتغيرت حياته، وكان لهذا الحدث أثرًا عميقًا في وجدانه وفي مجمل إنتاجه الأدبي لاحقًا.

في عام 1861، التحق أمبروز بيرس بفوج متطوعي إنديانا التاسع في صفوف جيش الاتحاد، وشارك في عدد من المعارك البارزة خلال الحرب الأهلية الأمريكية، من بينها معركتا شيلوه وتشيكاموجا، وتعد هذه المشاركة مصدرًا أساسيًا لرؤيته الأدبية؛ إذ عاين عن قرب مشاهد القتل والفوضى والخوف، ورأى الوجه الإنساني القاسي للحرب بعيدًا عن الخطابات البطولية والشعارات السياسية.

وأصيب بيرس إصابة بالغة خلال معركة جبل كينيساو عام 1864، لكنه واصل خدمته العسكرية حتى يناير 1865، قبل أن يحصل لاحقًا على ترقية استحقاق إلى رتبة رائد، وكانت هذه الذكريات حاضرة بقوة في قصصه، ومن أشهر ما كتب في هذا السياق قصة "حادثة عند جسر أول كريك"، التي تعد من أبرز قصصه القصيرة وأكثرها شهرة.

أمبروز بيرس.. صحفي ساخر لا يجامل أحدًا

بعد انتهاء الحرب، اتجه بيرس إلى العمل الصحفي، واستقر في سان فرانسيسكو التي كانت تشهد آنذاك نشاطًا ثقافيًا وفنيًا متزايدًا، وبدأ الكتابة في عدد من الدوريات، ثم تولى تحرير صحيفة "نيوز ليتر" عام 1868، ليصبح خلال سنوات قليلة واحدًا من أبرز الأسماء المؤثرة في الحياة الأدبية والصحفية على الساحل الغربي للولايات المتحدة.

عرف بيرس بأسلوبه الساخر والحاد، ولم يكن يميل إلى المجاملة أو التخفيف من نقده، فهاجم في مقالاته الشعراء الهواة، ورجال الدين، والسياسيين الفاسدين، والانتهازيين، وأصحاب الادعاءات الزائفة، وقد جعلته هذه النبرة الصريحة شخصية مثيرة للجدل.

وفي عام 1887، انضم إلى هيئة تحرير صحيفة "سان فرانسيسكو إكزامينر" التابعة للناشر الأمريكي ويليام راندولف هيرست، وكتب فيها عموده الصحفي المعروف باسم "براتلر". ومن خلال هذا العمود، واصل بيرس توجيه انتقاداته الساخرة إلى كثير من الظواهر والشخصيات العامة.

إسهامات أمبروز بيرس

تزوج أمبروز بيرس من ماري إلين داي في ديسمبر عام 1871، وانتقل معها إلى إنجلترا بين عامي 1872 و1875. وخلال تلك السنوات كتب في مجلتي "فن" و"فيجارو" اللندنيتين، كما عمل محررًا لمجلة "لانترن" التي كانت تصدر للإمبراطورة الفرنسية المنفية أوجيني.

كما شهدت تلك الفترة صدور عدد من كتبه المبكرة، من بينها "متعة الشيطان" و"شذرات وغبار منخول في كاليفورنيا" عام 1872، ثم "خيوط عنكبوت من جمجمة فارغة" عام 1874. وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، عمل في تحرير عدد من الصحف والمجلات، من بينها "سان فرانسيسكو أرجونوت" و"سان فرانسيسكو إلوستريتد واسب".

يعد كتاب "قاموس الشيطان" أشهر أعمال أمبروز بيرس وأكثرها ارتباطًا باسمه، وقد نشر في صورته الأولى عام 1906 بعنوان "كتاب كلمات الساخر"، قبل أن يعرف لاحقًا بعنوانه الأشهر، ويضم الكتاب مجموعة من التعريفات الساخرة للكلمات والمفاهيم.

كما أصدر مجموعات قصصية بارزة، من بينها "في خضم الحياة" عام 1892، والتي ضمت عددًا من أشهر قصصه مثل "فارس في السماء" و"عينا النمر" و"النافذة المسدودة". وفي عام 1893 نشر مجموعة "هل يمكن أن تكون مثل هذه الأشياء؟"، التي ضمت قصصًا مثل "الشيء الملعون" و"سيد موكسون".

وفي عام 1896، انتقل إلى واشنطن العاصمة، حيث واصل الكتابة للصحف والمجلات، إلى جانب اهتمامه بجمع أعماله ونشرها. وقد صدرت أعماله الكاملة في 12 مجلدًا بين عامي 1909 و1912، وشملت قصصه ومقالاته وأشعاره، لتقدم صورة واسعة عن مسيرته التي جمعت بين الصحافة والأدب والنقد والسخرية.

الرحلة الأخيرة في حياة أمبروز بيرس

في عام 1913، وكان يبلغ من العمر 71 عامًا، قرر أمبروز بيرس مغادرة الولايات المتحدة والتوجه إلى المكسيك، التي كانت تعيش آنذاك أجواء الثورة والصراع المسلح المرتبط بقوات الثائر بانشو فيا، ويُعتقد أنه قصد المنطقة لمتابعة الأحداث عن قرب، لكن الرحلة كانت بمثابة الفصل الأخير والأكثر غموضًا في حياته.

وكانت آخر رسالة معروفة له مؤرخة في 26 ديسمبر عام 1913، كتبها من مدينة تشيهواهوا إلى صديقته بلانش بارتنجتون، وأشار فيها إلى أنه سيغادر في اليوم التالي إلى "وجهة مجهولة". ومنذ ذلك الوقت، انقطعت أخباره تمامًا، ولم يظهر أي دليل حاسم يحدد مصيره. وتعددت الروايات حول نهايته؛ إذ رجحت بعض التفسيرات أنه قُتل خلال حصار أوجيناجا في يناير 1914، بينما ذهبت روايات أخرى إلى أنه أُعدم أو توفي في ظروف مجهولة خلال تنقله في مناطق الصراع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق