الثلاثاء 23/يونيو/2026 - 12:14 م 6/23/2026 12:14:16 PM
معظم أقوالنا وأفعالنا ملخبطة، أي داخل فيها اضطراب، اللخبطة مصدر الفعل لخبط، يقال لخبط القول أو الفعل أو لخبط في القول أو الفعل يعني أدخل اضطرابا فيه. الأمثلة فوق الحصر، ويكفي أن أذكر الناس هنا باستخدام الكلمة في الشارع بوفرة لافتة (الكلمة، بلفظها، فصيحة وعامية)؛ فالأقوال ملخبطة والأفعال ملخبطة، والأوراق والأشياء والأحداث...
تأتي اللخبطة من عدم التركيز في المقام الأول، والملاحظ أن البشر صاروا غارقين في همومهم ومشكلاتهم، أو حتى في هواتفهم وما تحويه من البرامج والتطبيقات والألعاب الجذابة، إلى الحد الذي فقدوا معه كثيرا من تركيزهم، وللدلالة القطعية على صحة الكلام، يمكن للقارئ أن يتابع البرامج الذي تسأل الخلق أسئلة بسيطة تماما من خلال لقاءات عشوائية؛ فالإجابات تكون ملخبطة دوما!
توجد أسباب أخرى للخبطة، أسباب أظنها مفهومة، تتعلق بالتعليم والثقافة والإعلام، فالتعليم عندنا تلقيني والثقافة منغلقة والإعلام موجه في أغلبية تجلياته، يعني يريد من الناس أن يكتبوا ما يملى عليهم... ولو كان التعليم تحليليا نقديا لاختلفت الأحوال، ولو كانت الثقافة منفتحة لتطورت العقول والقلوب، ولو كان الإعلام متعدد الآراء لأورث البشر حرية حقيقية، طاروا معها في الآفاق بأجنحة مفرودة... الكلام الذي يقال في هذا المنحنى كثير وخطير، تعبت أقلام في طريقه، ولكن المردود كان أقل من المراد على الدوام.
تشير اللخبطة إلى جهالة ما، وأنا لا أريد لمجتمعي أن يوصف بها، لا أريده أن يكون "مجتمعا بلا كتالوج" كما يقال، إنما أريد له أن يكون مجتمعا عليما بالأمور واثقا مما لديه من المعلومات؛ فبلادنا علمت البلاد في ماضيها العظيم، وقد لا أكون من الذين يحبون العيش على ذكريات الماضي المجيد. قال أجدادنا ما قالوا من الحكم وفعلوا ما فعلوا من أفعال الخلود، لكن يجب أن تكون لنا كلمة جديدة مستقلة، مقدار ما ترتبط بهم مقدار ما تنفصل عنهم، كلمة حكيمة أيضا، وأن تكون لنا أفعال تخلدنا كما خلدتهم، هكذا وإلا فإننا لا نستحق الانتماء إلى الجدود، وهذا شقاء رهيب!
عكس كلمة اللخبطة كلمات كالوضوح والتنظيم والترتيب والتنسيق والاستقامة، وهي كلمات باتت معانيها قليلة في حياتنا بكل أسف وأسى، ولو كنا حريصين عليها، من البداية، لما كانت فشت فينا اللخبطة ولا صارت علامة من علامات التعريف بنا، نحن الذين كان يجب أن نكون الأوعى والأنبه تبعا لتاريخنا الذي أشرقت الدنيا بشروق شموسه...
لنصحُ من سباتنا العميق المعيب... لنبدأ كتابة صفحتنا من الأول، لا معضلة في الأمر، إنما المعضلة في الوقت المهدر بلا مراجعة منا لأوضاعنا المتردية، باستطاعتنا أن نتعاون فننجو من المصير السيئ المحتوم، البحر عميق تحتنا، لكن سفينتنا ستمر بأيدينا... لن تسقط في القاع بثقل اللخبطة، تلك التي لا بد أن تضمحل.



















0 تعليق