مع اقتراب مهلة انتهاء مهام قوات اليونيفيل جنوب لبنان، نهاية العام الحالي، يتصاعد النقاش في الأوساط الدبلوماسيّة والسياسيّة حول مستقبل الوجود الدولي البديل، في ظلّ تزامن هذا الاستحقاق مع واقع ميداني أكثر تعقيدًا، بفعل معاودة احتلال إسرائيل أجزاءً من الأراضي اللبنانية. وبينما لم تُحسم بعد هوية البديل أو شكل التفويض المحتمل، تبرز تباينات دوليّة حادّة في مقاربة مرحلة ما بعد اليونيفل، وسط تصاعد الجدل حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يتولّاه أيّ حضور دولي جديد، على الحدود الجنوبية.
تدفع إسرائيل باتجاه إقامة منطقة عازلة، من دون أيّ قوّة أمميّة، رافضة إعادة إنتاج تجربة اليونيفيل، أو حتّى استنساخها بصيغ معدّلة. في المقابل تتقاطع ضغوط فرنسيّة وإيطاليّة وألمانيّة وإسبانيّة، للحفاظ على حضور دولي في الجنوب، سواء تحت مظلّة أوروبيّة أو أمميّة، وهي مواقف كانت قد أبلغتها هذه الدول إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون.
تتمحور السيناريوهات المتداولة حول أربعة خيارات رئيسيّة. الأول، الإبقاء على مظلّة أمميّة بصيغة معدّلة، سواء عبر تطوير مهمة اليونيفيل،أو توسيع دور فريق المراقبين الدوليين التابع لهيئة الإشراف على الهدنة بين لبنان وإسرائيل، بما يضمن استمرار المراقبة ورفع التقارير إلى مجلس الأمن. أمّا الخيار الثاني، فيقوم على إنشاء قوّة دوليّة أصغر حجمًا، أو ذات مهام أكثر تحديدًا، وهو ما طرحه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره إلى مجلس الأمن، حيث دعا إلى الحفاظ على وجود أممي يساهم في خفض التصعيد، ودعم الجيش ، ومراقبة الخط الأزرق، مع طرح بدائل تتراوح بين قوّة معدّلة ووجود مراقبين عسكريين وفرق اتصال ميدانيّة.
ويتمثل الخيار الثالث في استمرار حضور بعض الدول المشاركة حاليًّا ضمن اليونيفيل، ولا سيّما الأوروبيّة منها، عبر ترتيبات جديدة، يتمّ الاتفاق عليها مع الدولة اللبنانيّة.
أما الخيار الرابع، والأكثر تعقيدًا، فيتمثّل في إنشاء قوّة متعدّدة الجنسيّات، تعمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، يحذّر العميد الركن الطيار المتقاعد أندره بو معشر من خطورة هذا الطرح، معتبرًا أنّه ينطوي على تعقيدات عدّة، ويعكس انزلاقًا من رفض الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة، بوصفها انتهاكًا واضحًا للسيادة، إلى القبول الضمني بإمكانية استبدال هذا الفعل بقوّة أخرى، تعمل تحت مظلّة دوليّة. ويشير بو معشر في حديث لـ "لبنان 24" إلى أنّ الفصل السابع لا يُفترض أن يُطبّق على طرف دون آخر، بل على جميع الأطراف المعنيّة بالقرار الدولي، بما فيها إسرائيل. ويرى أنّ بعض الطروحات المحليّة والخارجيّة تتعامل معه وكأنّه أداة مخصّصة حصرًا للداخل اللبناني. كما يلفت إلى أنّ جوهر النقاش لا يرتبط بطبيعة التفويض القانوني، بقدر ما يتّصل بما تريده إسرائيل من أيّ ترتيبات أمنيّة مستقبليّة في الجنوب. ويذكّر بأن إسرائيل أبدت منذ عام 2006 تحفّظات متكررة على عمل اليونيفيل، كونها تعمل تحت الفصل السادس، وتؤدي دورًا داعمًا للجيش لا دورًا تنفيذيًّا قسريًّا، وقد تعرّضت هذه القوات في أكثر من محطّة لاعتداءات اسرائيليّة مباشرة وتشكيك بدورها. وفي هذا السياق، يطرح بو معشر تساؤلاً حول مدى قدرة أيّ قوة متعددة الجنسيات على فرض معادلات ردع، أو الوقوف بوجه إسرائيل، في حال استمرار الخروقات.
وبحسب تقديره، فإنّ الحديث عن قوّة متعددة الجنسيات تتولى فرض ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكريًّا، خصوصًا في ما يتعلق بمسألة السلاح، يفتقر إلى الواقعيّة "لأنّ إنشاء مثل هذه القوّة يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، وتوافق دولي واسع غير متوافر حاليًّا. فضلاً عن تعقيدات سياسيّة وعسكريّة وتقنيّة كبيرة". كما يلفت إلى أنّ الملفات المرتبطة بالسلاح والاحتلال الإسرائيلي ووقف إطلاق النار والضمانات الدوليّة مترابطة، وأنّ أيّ حسم لشكل الوجود الدولي المقبل يبقى رهنًا بالتفاهمات السياسيّة والأمنيّة التي لم تنضج بعد، ما يجعل المشهد حتى الآن ضبابيًّا، رغم تزايد الحديث عن مرحلة ما بعد اليونيفيل.
ويعتبر بو معشر أن الخيار الأكثر واقعيّة لا يتمثل في استقدام قوّة جديدة ذات صلاحيات قسريّة، بل في الإبقاء على إطار دولي داعم للجيش ، سواء عبر تطوير مهمة اليونيفيل، أو اعتماد آليّة أمميّة أو دوليّة مشابهة، تساعد الجيش في تنفيذ مهامه "فالمؤسسة العسكريّة قادرة على تنفيذ أيّ قرار يتعلق بحصريّة السلاح، متى توافر الالتزام السياسي من جميع الأطراف".
بو معشر ينطلق من التجارب والوقائع، لتأكيد استحالة نجاح أيّ طرح قائم على الإكراه الخارجي، ووجوب معالجة جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط "عبر الوقف الفوري لإطلاق النار كمدخل إلزامي، يواكبه التزام علني وصريح من جميع الأطراف المعنيّة بتنفيذ ما يتمّ الاتفاق عليه، ولا سيّما في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، وتسليم السلاح ضمن آليات تدريجيّة واضحة، تُنفّذ تحت مظلّة الدولة ومؤسساتها".
بين تعدد الطروحات، وتضارب الحسابات الدوليّة والإقليميّة، لا يزال مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان مفتوحًا على أكثر من احتمال. إلا أنّ معظم السيناريوهات المطروحة تبقى رهنًا بشكل الترتيبات الأمنيّة التي ستستقر عليها الجبهة الجنوبيّة، وبمستوى التوافق الدولي حول المهمّة المطلوبة وأدوات تنفيذها، دون استبعاد مدى انعكاس مخرجات اتفاق اسلام آباد على الجبهة الجنوبيّة. وحتّى ذلك الحين، يبدو أن النقاش لا يزال في مرحلة سبر المواقف، أكثر منه في مرحلة حسم الخيارات، فيما يبقى استمرار إطار دولي داعم للاستقرار والجيش اللبناني الاحتمال الأكثر واقعيّة.
Advertisement
تتمحور السيناريوهات المتداولة حول أربعة خيارات رئيسيّة. الأول، الإبقاء على مظلّة أمميّة بصيغة معدّلة، سواء عبر تطوير مهمة اليونيفيل،أو توسيع دور فريق المراقبين الدوليين التابع لهيئة الإشراف على الهدنة بين لبنان وإسرائيل، بما يضمن استمرار المراقبة ورفع التقارير إلى مجلس الأمن. أمّا الخيار الثاني، فيقوم على إنشاء قوّة دوليّة أصغر حجمًا، أو ذات مهام أكثر تحديدًا، وهو ما طرحه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره إلى مجلس الأمن، حيث دعا إلى الحفاظ على وجود أممي يساهم في خفض التصعيد، ودعم الجيش ، ومراقبة الخط الأزرق، مع طرح بدائل تتراوح بين قوّة معدّلة ووجود مراقبين عسكريين وفرق اتصال ميدانيّة.
ويتمثل الخيار الثالث في استمرار حضور بعض الدول المشاركة حاليًّا ضمن اليونيفيل، ولا سيّما الأوروبيّة منها، عبر ترتيبات جديدة، يتمّ الاتفاق عليها مع الدولة اللبنانيّة.
أما الخيار الرابع، والأكثر تعقيدًا، فيتمثّل في إنشاء قوّة متعدّدة الجنسيّات، تعمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، يحذّر العميد الركن الطيار المتقاعد أندره بو معشر من خطورة هذا الطرح، معتبرًا أنّه ينطوي على تعقيدات عدّة، ويعكس انزلاقًا من رفض الاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة، بوصفها انتهاكًا واضحًا للسيادة، إلى القبول الضمني بإمكانية استبدال هذا الفعل بقوّة أخرى، تعمل تحت مظلّة دوليّة. ويشير بو معشر في حديث لـ "لبنان 24" إلى أنّ الفصل السابع لا يُفترض أن يُطبّق على طرف دون آخر، بل على جميع الأطراف المعنيّة بالقرار الدولي، بما فيها إسرائيل. ويرى أنّ بعض الطروحات المحليّة والخارجيّة تتعامل معه وكأنّه أداة مخصّصة حصرًا للداخل اللبناني. كما يلفت إلى أنّ جوهر النقاش لا يرتبط بطبيعة التفويض القانوني، بقدر ما يتّصل بما تريده إسرائيل من أيّ ترتيبات أمنيّة مستقبليّة في الجنوب. ويذكّر بأن إسرائيل أبدت منذ عام 2006 تحفّظات متكررة على عمل اليونيفيل، كونها تعمل تحت الفصل السادس، وتؤدي دورًا داعمًا للجيش لا دورًا تنفيذيًّا قسريًّا، وقد تعرّضت هذه القوات في أكثر من محطّة لاعتداءات اسرائيليّة مباشرة وتشكيك بدورها. وفي هذا السياق، يطرح بو معشر تساؤلاً حول مدى قدرة أيّ قوة متعددة الجنسيات على فرض معادلات ردع، أو الوقوف بوجه إسرائيل، في حال استمرار الخروقات.
وبحسب تقديره، فإنّ الحديث عن قوّة متعددة الجنسيات تتولى فرض ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكريًّا، خصوصًا في ما يتعلق بمسألة السلاح، يفتقر إلى الواقعيّة "لأنّ إنشاء مثل هذه القوّة يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، وتوافق دولي واسع غير متوافر حاليًّا. فضلاً عن تعقيدات سياسيّة وعسكريّة وتقنيّة كبيرة". كما يلفت إلى أنّ الملفات المرتبطة بالسلاح والاحتلال الإسرائيلي ووقف إطلاق النار والضمانات الدوليّة مترابطة، وأنّ أيّ حسم لشكل الوجود الدولي المقبل يبقى رهنًا بالتفاهمات السياسيّة والأمنيّة التي لم تنضج بعد، ما يجعل المشهد حتى الآن ضبابيًّا، رغم تزايد الحديث عن مرحلة ما بعد اليونيفيل.
ويعتبر بو معشر أن الخيار الأكثر واقعيّة لا يتمثل في استقدام قوّة جديدة ذات صلاحيات قسريّة، بل في الإبقاء على إطار دولي داعم للجيش ، سواء عبر تطوير مهمة اليونيفيل، أو اعتماد آليّة أمميّة أو دوليّة مشابهة، تساعد الجيش في تنفيذ مهامه "فالمؤسسة العسكريّة قادرة على تنفيذ أيّ قرار يتعلق بحصريّة السلاح، متى توافر الالتزام السياسي من جميع الأطراف".
بو معشر ينطلق من التجارب والوقائع، لتأكيد استحالة نجاح أيّ طرح قائم على الإكراه الخارجي، ووجوب معالجة جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط "عبر الوقف الفوري لإطلاق النار كمدخل إلزامي، يواكبه التزام علني وصريح من جميع الأطراف المعنيّة بتنفيذ ما يتمّ الاتفاق عليه، ولا سيّما في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، وتسليم السلاح ضمن آليات تدريجيّة واضحة، تُنفّذ تحت مظلّة الدولة ومؤسساتها".
بين تعدد الطروحات، وتضارب الحسابات الدوليّة والإقليميّة، لا يزال مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان مفتوحًا على أكثر من احتمال. إلا أنّ معظم السيناريوهات المطروحة تبقى رهنًا بشكل الترتيبات الأمنيّة التي ستستقر عليها الجبهة الجنوبيّة، وبمستوى التوافق الدولي حول المهمّة المطلوبة وأدوات تنفيذها، دون استبعاد مدى انعكاس مخرجات اتفاق اسلام آباد على الجبهة الجنوبيّة. وحتّى ذلك الحين، يبدو أن النقاش لا يزال في مرحلة سبر المواقف، أكثر منه في مرحلة حسم الخيارات، فيما يبقى استمرار إطار دولي داعم للاستقرار والجيش اللبناني الاحتمال الأكثر واقعيّة.









0 تعليق