تفرض تحديات تغير المناخ واستنزاف الموارد الطبيعية وتفاقم أزمة المخلفات، الحاجة إلى نماذج تنموية جديدة، يبرز في مقدمتها الاقتصاد الأخضر القائم على تعظيم الاستفادة من الموارد وتقليل الفاقد وتحويل المخلفات إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل ومنتجات جديدة، ومع اتجاه الحكومات والمؤسسات الدولية إلى تبني هذا المفهوم، يبرز الشباب باعتبارهم القوة القادرة على تحويل الأفكار إلى حلول عملية ومشروعات قابلة للنمو.
ومن داخل بيت القاهرة بالفسطاط، كشفت الدورة الرابعة من مسابقة «دايرة للابتكار الأخضر»، التي نظمتها مؤسسة أضواء المستقبل للتنمية تحت رعاية وزارات التضامن الاجتماعي والتنمية المحلية والبيئة والبترول والثروة المعدنية، عن ملامح جيل جديد يرى في المخلفات موردا اقتصاديا، وفي التكنولوجيا أداة لتقديم حلول عملية تدعم الاقتصاد الدائري وتفتح آفاقا جديدة للتنمية المستدامة.
ولم تكن الأفكار الفائزة مجرد مشروعات ناشئة، بل عكست رؤية مختلفة لكيفية التعامل مع تحديات التلوث والطاقة والمخلفات الزراعية، من خلال تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة وفرص اقتصادية جديدة.
وفي مجال إعادة تدوير البلاستيك، نجح محمد السيد محمد، ابن محافظة دمياط، في حصد المركز الأول بمشروع «Smart Bioplastic»، الذي يسعى إلى إنتاج بلاستيك حيوي ذكي قابل للتحلل، بما يحد من التلوث الناتج عن البلاستيك التقليدي ويوفر بديلا أكثر استدامة. ويقوم المشروع على تحويل التحديات البيئية المرتبطة بتراكم المخلفات البلاستيكية إلى فرصة حقيقية لدعم الصناعة النظيفة والاقتصاد الأخضر، من خلال إنتاج مادة بديلة يمكن استخدامها في العديد من المجالات الصناعية والاستهلاكية.
أما هبة رفعت، من محافظة الإسكندرية، صاحبة المركز الثاني، فقد اختارت أن تمنح المخلفات البلاستيكية حياة جديدة من خلال مشروع «Basic Bags»، الذي يعتمد على دمج البلاستيك المعاد تدويره مع خامات أخرى لإنتاج حقائب ومحافظ تحمل طابعا عصريا، وتقدم نموذجا يؤكد أن الاستدامة لا تتعارض مع الجمال والأناقة، بل يمكن أن تصبح مدخلا لصناعة منتجات ذات قيمة اقتصادية وتسويقية مرتفعة.
وفي المركز الثالث، قدمت مريم طارق مشروع «ECO-EAT»، الذي يعتمد على استخدام كائنات حية دقيقة قادرة على تحليل البوليمرات البلاستيكية منخفضة القيمة وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام في إطار الاقتصاد الدائري، بما يفتح آفاقا جديدة أمام تطبيقات التكنولوجيا الحيوية في مواجهة مشكلة التلوث البلاستيكي.
وتعكس هذه المشروعات اتجاها متزايدا نحو إعادة النظر إلى المخلفات البلاستيكية باعتبارها مواد خام يمكن إعادة توظيفها، بما يسهم في الحد من التلوث ودعم الصناعات الصديقة للبيئة.
ولم تتوقف الأفكار الفائزة عند إعادة تدوير البلاستيك، بل امتدت إلى قطاع الطاقة، الذي أصبح أحد أهم الملفات المرتبطة بمواجهة تغير المناخ وخفض الانبعاثات الكربونية، خاصة مع التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، فاز محمد مدحت وأحمد عصام بالمركز الأول في مجال الطاقة المتجددة عن مشروع «Eco Vers Egypt»، الذي يقوم على تحويل المخلفات الزراعية إلى وقود بديل عالي الكفاءة على هيئة كبسولات طاقة تستخدم في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعات الأسمنت والطوب.
وتنبع أهمية المشروع من اعتماده على مورد مهدر بكميات ضخمة في الريف المصري، فضلا عن الاستفادة من خطوط إنتاج غير مستغلة في مصانع الأعلاف الحيوانية، بما يتيح بدء الإنتاج بتكلفة استثمارية محدودة، إلى جانب الاعتماد على شبكة واسعة من المخلفات الزراعية المتوافرة بمحافظات الدلتا.
وفي المركز الثاني، جاء سيف إبراهيم من محافظة القاهرة بمشروع «REHYDRO»، الذي يستهدف إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات التحليل الكهربائي للمياه، باعتباره أحد الحلول الواعدة لتقليل الانبعاثات الكربونية وتوفير وقود نظيف يمكن استخدامه في القطاع الصناعي ووسائل النقل.
أما حسام الطاهر، ابن محافظة الأقصر، فقد حصد المركز الثالث بمشروع «POWER UP»، الذي يعتمد على روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي لتنظيف الألواح الشمسية دون استخدام المياه، مع قدرته على رصد الأعطال والشروخ غير المرئية من خلال كاميرات وأجهزة متابعة مرتبطة بتطبيق إلكتروني، بما يرفع كفاءة محطات الطاقة الشمسية ويخفض تكاليف التشغيل والصيانة.
وفي موازاة الاهتمام بالطاقة النظيفة، كشفت المشروعات الفائزة في مجال إعادة تدوير المخلفات الزراعية عن اتجاه آخر لا يقل أهمية، يقوم على إعادة اكتشاف القيمة الاقتصادية للموارد المهملة وتحويلها إلى منتجات ومواد خام تفتح آفاقا جديدة للصناعة والتنمية المستدامة.
وحصلت إسراء عبد الناصر من محافظة المنوفية على المركز الأول في هذا المجال بمشروع «Eco-Bio Intelligence»، الذي يقدم رؤية مختلفة للعلاقة بين المباني والموارد الطبيعية، حيث تقوم الفكرة على تحويل المباني من وحدات تستهلك الطاقة والمياه إلى منظومات قادرة على إنتاج الموارد وإعادة تدويرها.
ويعتمد المشروع على منظومة متكاملة تشمل معالجة المخلفات العضوية لإنتاج الكهرباء الحيوية واسترداد المياه الرمادية وإنتاج الألياف الخام المستخدمة في تصنيع الطوب الذكي، إلى جانب تنقية المياه واستخلاصها من رطوبة الهواء، بما يسهم في تحقيق الأمن المائي وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.
أما عمرو خالد، من محافظة المنوفية أيضا، فقد حصل على المركز الثاني بمشروع «ECOPACK»، الذي يستهدف تحويل المخلفات الزراعية، وعلى رأسها مصاصة القصب، إلى منتجات تعبئة وتغليف صديقة للبيئة وقابلة للتحلل الحيوي، بما يوفر بدائل مستدامة للبلاستيك أحادي الاستخدام.
وفي المركز الثالث، جاء محمد إيهاب من محافظة الشرقية بمشروع «Bana Med»، الذي يركز على تحويل مخلفات أشجار الموز إلى منتجات طبية مستدامة تعتمد على الألياف الطبيعية لإنتاج خيوط جراحية قابلة للتحلل الحيوي، بما يجمع بين البحث العلمي وحماية البيئة وتعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية.
ولم تغب قصص الإرادة الإنسانية عن المسابقة، إذ خصصت اللجنة المنظمة جائزة لذوي الهمم، حصلت عليها سميرة فريج عن مشروع «ثيودورا»، الذي يضم مجموعة من الشباب والفتيات من ذوي الإعاقات البصرية والإعاقات الذهنية البسيطة.
وانطلقت فكرة المشروع من ملاحظة تراكم مخلفات الطعام، مثل قشور البصل والثوم والليمون والبرتقال والبنجر، ليتم تحويلها إلى منتجات طبيعية منخفضة التكلفة وخالية من المواد الكيميائية، في تجربة تجمع بين الحفاظ على البيئة وتمكين ذوي الهمم وإثبات قدرتهم على العمل والإبداع والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
وأكد الدكتور سامح إدوارد، المستشار السابق لشؤون البيئة بالأمم المتحدة ورئيس مؤسسة أضواء المستقبل للتنمية، أن مسابقة «دايرة للابتكار الأخضر» أصبحت إحدى المبادرات الداعمة للمبادرة الرئاسية «اتحضر للأخضر»، وتسعى إلى إعداد جيل جديد من الشباب القادر على قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر من خلال الأفكار والمشروعات المبتكرة.
وأوضح أن الدورة الرابعة شهدت إقبالا واسعا من مختلف المحافظات، حيث تقدم للمسابقة 402 شاب وفتاة على مدار ستة أشهر، وتنافسوا في ثلاثة مجالات رئيسية هي إعادة تدوير البلاستيك والطاقة المتجددة وإعادة تدوير المخلفات الزراعية.
وأشار إلى أن المتسابقين خضعوا لثلاث مراحل من التقييم والتصفية، قبل اختيار 45 متسابقا تأهلوا إلى المرحلة النهائية، حيث تلقوا برامج تدريبية متخصصة في ريادة الأعمال ومهارات العرض والتقديم بهدف تطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق.
وأضاف أن 15 أستاذا جامعيا من المتخصصين شاركوا في عملية التحكيم، التي أسفرت عن اختيار تسعة فائزين، إلى جانب تخصيص جائزة خاصة لذوي الهمم تقديرا لمشاركتهم وإسهاماتهم المتميزة.
وأكد أن إجمالي الجوائز المالية بلغ 300 ألف جنيه، غير أن الدعم لا يتوقف عند منح الجوائز، بل يمتد إلى متابعة المشروعات الفائزة لمدة ستة أشهر، لمساعدتها على تجاوز التحديات وتحويل الأفكار إلى مشروعات قائمة بالفعل.
وكشف إدوارد، أن المسابقة ستستمر للعام الخامس على التوالي، مع إعداد استراتيجية أكثر قوة تتضمن زيادة قيمة الجوائز المالية والتوسع في برامج دعم وتمكين الشباب، وذلك تنفيذا لتوصيات المهندسة مرجريت صاروفيم، نائبة وزيرة التضامن الاجتماعي، والدكتور صابر عثمان، رئيس الإدارة المركزية للتغيرات المناخية.
وأوضح أن الدورة الخامسة ستشهد إضافة مسارات جديدة وبرامج لتنمية المهارات الحياتية وريادة الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بهدف إعداد جيل قادر على قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وأشار إلى أن ما يميز المسابقة هو نموذج الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، موضحا أن التجربة نجحت خلال السنوات الماضية في تخريج عدد من رواد الأعمال الشباب، الذين تمكن بعضهم من تأسيس مشروعات ناجحة وإقامة شراكات مع مؤسسات وشركات كبرى.
ومن جانبه، أكد الدكتور صابر عثمان، رئيس الإدارة المركزية للتغيرات المناخية، أن المشروعات التي قدمها الشباب والفتيات تعكس وعيا متزايدا بقضايا البيئة والمناخ والطاقة النظيفة، مشيرا إلى أن العمل من أجل الاستدامة يعني التفكير في الأجيال القادمة.
وأوضح أن المشروعات المشاركة تناولت عددا من الملفات التي تمثل أولوية للدولة المصرية، وفي مقدمتها الحد من التلوث والطاقة الجديدة والمتجددة وإعادة التدوير والاستفادة من المخلفات الزراعية، وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة بتحقيق أهداف رؤية مصر 2030 والاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 والمبادرة الرئاسية «اتحضر للأخضر».
وأضاف أن مشاركة ذوي الهمم في المسابقة قدمت نموذجا متميزا للعمل المشترك وقدرة الجميع على الإبداع وتقديم حلول مبتكرة تسهم في صناعة مستقبل أفضل.
وأكد أن هذه الأفكار تحتاج إلى دعم المجتمع ومؤسساته المختلفة حتى تتحول إلى مشروعات حقيقية على أرض الواقع، معربا عن أمله في أن تشهد السنوات المقبلة تنفيذ المزيد من المشروعات الفائزة، بما يوسع قاعدة مشاركة الشباب ويعزز دورهم في تحقيق التنمية المستدامة.
من جانبها، أكدت المهندسة مرجريت صاروفيم، نائبة وزيرة التضامن الاجتماعي، أن المبادرة تمثل نموذجا ناجحا لدعم الأفكار والمشروعات الشبابية المبتكرة وبناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.
وأوضحت أن الدولة المصرية اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة لدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، إدراكا لحجم التحديات التي يشهدها العالم، والتي تتطلب تبني نماذج تنموية جديدة تقوم على الاستخدام الأمثل للموارد وتقليل الفاقد وتعظيم الاستفادة من المخلفات.
وأضافت أن الاقتصاد الدائري أصبح أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال تحويل المخلفات إلى موارد ذات قيمة اقتصادية، وإطالة دورة حياة المنتجات، وتشجيع أنماط الإنتاج والاستهلاك المسؤولة، مؤكدة أن ريادة الأعمال الشبابية تمثل عنصرا محوريا في هذا التحول.
وأكدت أن وزارة التضامن الاجتماعي تولي اهتماما كبيرا بتمكين الشباب والفئات الآولى بالرعاية اقتصاديا، من خلال دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وبرامج التدريب وبناء القدرات، وتشجيع المشروعات القائمة على الاستخدام الأمثل للموارد والخامات المحلية.
ولفتت إلى أن منتجات معارض «ديارنا» تمثل نموذجا عمليا لإعادة توظيف الخامات بصورة مبتكرة تسهم في تعزيز الصناعات الحرفية والبيئية وفتح آفاق جديدة للتمكين الاقتصادي المستدام، مؤكدة حرص الوزارة على مواصلة دعم المبادرات التي تمكن الشباب من تحويل أفكارهم إلى مشروعات قابلة للنمو والتوسع.
بدوره، أكد نيكولاس، المدير القطري لشركة «إنيرجيان» في مصر، أهمية الشراكة بين القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني في دعم جهود التنمية المستدامة، مشيرا إلى حرص الشركة على الاضطلاع بمسؤوليتها المجتمعية ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر والحفاظ على البيئة.
وأوضح أن الشركة تولي اهتماما خاصا بدعم الشباب وتنمية مهاراتهم وتمكينهم من تطوير أفكار مبتكرة تسهم في خلق قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع، لافتا إلى أن المشروعات المشاركة في مجالات إعادة تدوير البلاستيك والطاقة المتجددة والاستفادة من المخلفات الزراعية عكست مستوى متقدما من الابتكار.
وأضاف أن الأفكار التي قدمها المتسابقون هذا العام أظهرت وعيا متزايدا بقضايا الاستدامة، وقدمت نماذج واعدة يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الأخضر وحماية البيئة.
وبين البلاستيك الحيوي الذي طوره محمد السيد محمد، والحقائب الصديقة للبيئة التي ابتكرتها هبة رفعت، والكائنات الدقيقة التي استخدمتها مريم طارق لتحليل البلاستيك، والوقود البديل الذي يعمل عليه محمد مدحت وأحمد عصام، والهيدروجين الأخضر الذي يسعى سيف إبراهيم إلى تطويره، والروبوت الذكي الذي ابتكره حسام الطاهر لخدمة الطاقة الشمسية، والمباني المنتجة للطاقة التي تصممها إسراء عبد الناصر، ومواد التغليف المستدامة التي يطورها عمرو خالد، والخيوط الجراحية المستخرجة من ألياف الموز التي يعمل عليها محمد إيهاب، ومنتجات مشروع «ثيودورا» التي يصنعها شباب من ذوي الهمم من مخلفات المطبخ، تتشكل صورة جديدة للاقتصاد الأخضر في مصر.















0 تعليق