فى العام الماضى، طرحت شركة Google DeepMind إعلانًا لوظيفة متخصّص فى أخلاقيات الذكاء الاصطناعى وسلامته براتبٍ يتجاوز 210 آلاف دولار. أمّا منافستها Anthropic فتحتفظ بفيلسوفٍ ضمن فريقها يساعد فى تحديد القيم التى ينبغى أن يتبنّاها نموذجها. وعبر القطاع كلّه، باتت وظائف «أخلاقيات الذكاء الاصطناعى» تدفع فى المتوسّط نحو 108 آلاف دولار سنويًّا، وكثيرًا ما تشترط خلفيةً فى الفلسفة. ويحدث هذا كلّه فى اللحظة التى تُخرّج فيها الجامعات الأمريكية عددًا من خرّيجى الفلسفة هو الأدنى منذ جيل: إذ تراجع عدد الشهادات بنحو 15 بالمئة فى ثلاث سنوات، وهبطت حصّة الفلسفة من إجمالى شهادات ليسانس الفلسفة إلى أدنى مستوى فى تاريخها.
حقيقتان تشيران إلى اتجاهين معاكسين، ومن السهل هنا أن نطويهما فى حكايةٍ واحدة مُرضية: الذكاء الاصطناعى يقتل الفلسفة، حكاية أنيقة وسهله الاستيعاب، لكنّها خاطئة.
لنبدأ بالتسلسل الزمنى، فهو وحده كفيلٌ بهدم هذه النظرية، بدأ تراجع تخصّص الفلسفة فى أمريكا نحو عام 2013، وكانت العلوم الإنسانية عمومًا تتقلّص منذ 2010، أمّا الذكاء الاصطناعى التوليدى، مثل chatgpt وغيره، فلم يصل إلى عامّة الناس قبل أواخر 2022، والنتيجة لا يمكن أن تسبق سببها. لم يُفرغ الذكاء الاصطناعى قاعات الفلسفة؛ بل دخل غرفةً كانت قد بدأت تخلو أصلًا، لأسباب لا صلة له بها: آثار جائحه كورونا، وتقلّص أعداد الشباب فى سنّ الجامعة، وشك متزايد لدى الجمهور فى أنّ الشهادة الجامعية لم تعد تسدّ كلفتها.
إذًا، التراجع حقيقى، لكنّ سببه عادىٌ مألوف. الجديد فعلًا هو الرقم الآخر، ذاك الذى يُظهر شركات التقنية وهى تزايد على الفلاسفة بوتيرةٍ أسرع ممّا تُنتجهم به الأكاديميا. وحين تجمع الرقمين معًا، ترى شيئًا أكثر إثارةً من الموت. ترى عملية «فكّ تجميع».
الشهادة تتراجع قيمتها بينما ترتفع قيمة الوظيفة والكفاءة. صار المجتمع يشترى قدرًا أقلّ من المنتج المُعَنوَن الشهادة التى تحمل كلمة «فلسفة» وقدرًا أكبر من القدرة غير المُعَنونة: ذلك الشخص القادر على أن يحدّد بدقّة معنى «العدل» قبل أن يحوّله نظامٌ إلى هدفٍ يُحسّنه، والقادر على التمييز بين نموذجٍ «يعرف» شيئًا وآخر يكتفى بأن «يبدو» عارفًا، والقادر على صياغة قيمةٍ بوضوحٍ يكفى لترجمتها إلى شِفرة. هذا العمل كان يقطن سابقًا داخل أقسام الفلسفة وحدها تقريبًا. أمّا الآن فهو يتسرّب إلى المواضع التى تكون فيها المخاطر أعلى، ويُدفع له فى طريق خروجه أكثر ممّا دُفع له يومًا فى الداخل.
وهنا يخدعنا الرقم الرئيسى. يبدو تراجع الالتحاق وكأنّه تراجعٌ فى الحاجة، لكنّ الأمرين ينفصلان وبأوضح صورة فى ما نعتمد عليه دون أن ننتبه. نحن لا نقيس الحاجة إلى الماء النظيف بعدّد من يفكّرون فى السباكة. الوقاية دائمًا مبخوسة القيمة، تحديدًا لأنّها حين تنجح لا يحدث شىء. والفلسفة تقع على الجانب نفسه من هذا الميزان: خفيّةٌ عن كلّ من تخدمهم تقريبًا، وحاملة بصمت لأثقال المؤسسات والحقوق والتعريفات التى يعيش بقيّتنا داخلها. غياب جاذبيتها الجماهيرية لم يكن يومًا دليلًا على عدم نفعها؛ بل هو توقيع المنفعة التى تأتى من المنبع.
غير أنّ هناك خطرًا حقيقيًا كامنًا هنا وإن لم يكن هو الخطر الذى يتصدّر العناوين. الأرجح ألّا يقلّل الذكاء الاصطناعى كمّ الفلسفة. لكنّه قد يُضعف نوعًا بعينه منها: ذلك النوع البطىء، المُجهِد، الذى يجلس فى قلب الحيرة حتّى تنشقّ. لأنّ الشىء الوحيد الذى صرنا نصنعه بكمياتٍ لا تنتهى هو الجواب السلس الواثق المعقول، يُقدّم فوريًا وبلا أىّ احتكاك. والفلسفة كانت دائمًا فنّ رفض الجواب السلس مدّةً تكفى للتحقّق ممّا إذا كان صحيحًا أيضًا.
لم يكن الخطر يومًا هو الانزعاج، بل هو الزيف المريح الجواب الخاطئ الذى يصل ناعمًا، مُرضِيًا، سهل الابتلاع. وقد بنينا للتوّ آلةً تُنتج هذا بالضبط، عند الطلب. الخطر ليس أن يتفوّق علينا الذكاء الاصطناعى فى الجدال، بل أن يجعل «عدم التكلّف» شعورًا مُرضِيًا. العضلة لا تُقتل، بل تُترَك تسترخى على نحوٍ لذيذ.
ولهذا ينبغى أن نقرأ ناقوس الخطر بالمقلوب. التقنية نفسها التى تجعل الالتفاف على التفكير المتأنّى أكثر إغراءً من أى وقت مضى هى السبب فى أنّ هذا التفكير صار يهمّ أكثر، لا أقلّ. حين كانت الأجوبة المُغرية نادرةً وباهظة، كان بوسعك أن تتّكئ على الجواب البديهى ونادرًا ما تدفع الثمن. أمّا وقد صارت وفيرةً مجّانية، فإنّ العادة الوحيدة التى تحميك أن تتوقّف لتسأل: هل ما هو مُرضٍ صحيحٌ أيضًا؟ باتت أندر ما فى الغرفة.
إذًا، الخلاصة ببساطة، الذكاء الاصطناعى لا يُقلّص الفلسفة، إنّه يفكّ تجميعها عن الأشخاص الذين حملوا اسمها، ويرفع كلفة الاستغناء عنها. لم تكن مهمّة هذا الحقل يومًا أن يُريح الجماهير أو أن ينتصر فى جداول الالتحاق، بل أن يُبقى سؤالًا عنيدًا واحدًا حيًا فى عصر صُمّم لإحالته إلى التقاعد: ليس «هل يبدو هذا صحيحًا؟» بل «هل هو صحيح؟». لقد وصل الخطر والدواء فى الصندوق نفسه. وعلينا أن نتنبّه أيّهما نفتح أوّلًا.















0 تعليق