ما لم أكتبه من قبل (1): أشخاص غيروا مصيري دوت أن يعلموا!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 20/يونيو/2026 - 04:49 م 6/20/2026 4:49:01 PM

على مدار الشهور الماضية، كتبت على صفحات الدستور ما يقرب من مائتي مقال، كان أغلبها محاولة لقراءة ما أراه مصيرًا لوطني، وتشخيصًا لمشكلاته، وطرحًا لأفكار وحلول آمنت بأنها واجب الكلمة أمام التاريخ والناس.
دخلت معارك فكرية كثيرة، وطرقت أبوابًا ظل بعضها مغلقًا لسنوات، وتحدثت في أمور اعتبرها كثيرون من المناطق المسكوت عنها.
كتبت عن الوطن والدولة والسياسة والمجتمع، وكتبت بعين الطبيب الذي اعتاد أن يبحث عن المرض ليصل إلى العلاج، وبعين المثقف، وقارئ التاريخ، وصاحب الخبرة العملية التي عايشت الواقع لا من خلف المكاتب، بل من قلب معاناة الناس، ومن احتكاك مباشر بالمجتمع، وبما يُعتمل في تفاصيله من أزمات وآمال، وبعين المواطن الذي يتمنى أن يرى وطنه كما يحلم به.
لكن وسط كل هذه المقالات، ظل القارئ لا يعرف السؤال الأهم: من أين جاءت هذه الرغبة في الكتابة؟ ما الجُرح الأول الذي جعل طفلًا خجولًا، هادئًا، يجلس في آخر الصف، يكتشف أن القلم يمكن أن يكون طريقًا، ورسالة، وربما قدرًا؟
لقد كانت رحلتي دائمًا بين عالمين متوازيين؛ عالم الطب حيث رأيت المرضى في لحظات ضعفهم، ورأيت الفقراء وهم يحملون من الكرامة والصبر ما يعجز عنه كثير من الأقوياء، وعالم الكلمة التي كانت بالنسبة لي وسيلة لفهم الحياة، ومواجهة الظلم، والبحث عن الحقيقة.
واليوم، أفتح بابًا ظل مغلقًا لعقود. لا أكتب لأصنع بطولة شخصية، ولا لأستعرض محطات نجاح، فلكل إنسان لحظات قوة ولحظات ضعف، ولكنني أكتب لأرد بعض الديون الإنسانية إلى أصحاب فضل مروا في حياتي، ربما لم يدركوا أن كلمة قالوها، أو موقفًا اتخذوه، أو يدًا امتدت لي في وقت صعب، كانت حجرًا أساسيًا في بناء شخصيتي.
هؤلاء الأشخاص لم يغيروا طريقي فقط، بل ساهموا في تشكيل الإنسان الذي أصبحته، والطبيب الذي عمل بين مرضاه، والكاتب الذي جلس خلف أوراقه يكتب مئات المقالات.
كان الأستاذ شوقي أبو المحاسن... أول من اكتشف الكاتب المختبئ داخلي في مدرسة سعيد العريان الإعدادية النموذجية للبنين بمدينة طنطا، وكان الأستاذ شوقي أبو المحاسن مدرسًا أول للمواد الاجتماعية، التي كانت تضم التاريخ والجغرافيا والتربية القومية.
كنت طالبًا متفوقًا، أخرج كل عام ضمن قائمة الأوائل، لكنني لم أكن من هؤلاء الذين يفرضون حضورهم داخل الفصل، لم أكن أرفع يدي للإجابة، ولم أشارك في الأنشطة أو المسابقات، وكنت أجلس غالبًا في آخر صف ملاصقًا للجدار، صامتًا، أراقب أكثر مما أتكلم.
ربما لهذا السبب لم يكن الأستاذ شوقي يعرف اسمي، وفي يوم طلب منا إعداد بحث عن محمد علي باشا. الذي كانت سيرته وتاريخه مقررًا علينا في الصف الثالث الإعدادي، ولجأ معظم زملائي إلى الكتاب المدرسي ونقلوا ما فيه، أما أنا فشعرت بشيء داخلي يدفعني إلى الذهاب أبعد من حدود المقرر.
ذهبت إلى مكتبة المدرسة، وكانت في ذلك الزمن مكتبة ضخمة لا تقل في ثرائها عن كثير من مكتبات الكليات الآن، وساعدتني أمينة المكتبة، وكانت نموذجًا للمثقفة المستنيرة، وأخرجت لي مراجع متعددة عن محمد علي باشا.
قرأت هذه الكتب بعين طفل، لكنها كانت عين باحث صغير يولد في داخله دون أن يعرف، واستخرجت أحداثًا ووقائع لم تكن موجودة في الكتاب المدرسي، ثم كتبت بحثًا لم يكن مجرد واجب دراسي؛ كتبت عنوانًا وإهداءً ومقدمة، وقسمته إلى فصول، ثم خصصت فصلًا أخيرًا لرأي الباحث في شخصية محمد علي، وتوقفت أمام مذبحة القلعة بوجهة نظري الخاصة، ثم ختمت البحث بالمصادر والمراجع، وكل ذلك كان تلقائيا، فأنا لا أعرف كيف يكتب البحث ولا كيف يتم فهرسته!
مر أسبوع، ودخل الأستاذ شوقي الفصل، ثم سأل بصوت حاسم: "أين الطالب باسم محمد عادل؟"
كنت في آخر الصف، ارتبكت... ظننت أنني ارتكبت خطأ لا أعرفه، فالمدرس الذي لم يكن يعرف اسمي من قبل يبحث عني أمام الجميع، وترددت لحظات بين أن أعلن عن نفسي أو أظل صامتًا، ثم وقفت مُستسلمًا للمصير المجهول، فاستدعاني إلى مقدمة الفصل، ووقفت بجواره أمام السبورة، ولف ساعده على كتفي في احتضان، وفجأة طلب من زملائي أن يقفوا جميعًا ويحيوني بالتصفيق. ثم طلب منهم أن يعيدوا التصفيق مرة ثانية.
كنت مذهولًا. ظننت أنه أخطأ في الاسم، أو أنه يقصد طالبًا آخر، ثم قال جملة لا تزال تسكن ذاكرتي حتى هذه اللحظة: "زميلكم باسم قدم بحثًا مذهلًا. أنا نفسي تعلمت منه. وتعلمت أن ليس كل صامت لا يعلم."
ثم شرح لزملائي كيف أن الطالب الذي يسمع شرح المعلم، ويسمع مداخلات زملائه، ويقرأ رأي مؤلف الكتاب، ثم يذهب إلى مصادر أخرى ليصنع رأيه الخاص، يحمل داخله زوايا متعددة للنظر، بينما يكتفي الآخرون بزاوية واحدة، وفي اليوم التالي، طلب الأستاذ شوقي من إدارة المدرسة أن يُلقي كلمة في طابور الصباح. وأمام جميع الطلاب والمعلمين، أعاد قصة البحث، وطلب أن يتم تدريسه لمدة أسبوع كامل في جميع صفوف المرحلة الإعدادية كنموذج للبحث والتفكير.
ثم استدعاني أمام طابور المدرسة كله، وطلب من الجميع تحيتي بالتصفيق الذي هز أرض الفناء، وفي تلك اللحظة، لم أحصل على تكريم فقط، بل اكتشفت شيئًا لم أكن أعرفه عن نفسي... اكتشفت أن خلف ذلك الصمت صوتًا يريد أن يخرج، وأن هناك قدرة على البحث والتعبير لم تكن قد رأت النور بعد.
كان الأستاذ شوقي أبو المحاسن أول من اكتشف الباحث والكاتب المختبئ داخلي، وبسبب هذا الموقف اختارتني إدارة المدرسة رئيسًا لجماعة أصدقاء المكتبة، ورئيسًا لجماعة الإذاعة المدرسية، وكان ذلك أول منبر ثقافي وإعلامي صغير أقف عليه، وأول تجربة حقيقية أمارس فيها تأثير الكلمة.
وبعد سنوات طويلة، وبعد أن أصبحت طبيبًا، عدت إلى طنطا ورأيته يسير في الطريق. ذهبت إليه مسرعًا، لكنه لم يعرفني، فقد أخذمنه الزمن ما أخذ، وقبلت يده وأعدت إليه القصة كاملة، ورأيت سعادة المعلم الذي يدرك أن بذرة زرعها منذ سنوات قد أثمرت، وأعتقد اليوم أنه بين يدي الله، لكنني أوجه له رسالة في أي عالم هو الآن فيه من خلال هذه الكلمات: لقد غيرت مصير طفل لم تكن تعرف أنك ستغير حياته.
ثم يأتي الزعيم الوفدي التاريخي فؤاد باشا سراج الدين... الذي أدرك أن للكلمة صدى يتجاوز عمر صاحبها، وفي عام 1987م التحقت بكلية الطب بجامعة طنطا، وكان حزب الوفد قد عاد إلى الحياة السياسية في سنوات سابقة، وأصدر صحفه المركزية والمحلية، ومن بينها جريدة "وفد الدلتا"، وفي بداية التسعينيات بدأت أكتب مقالاتي فيها دون انتماء حزبي، وكانت الجريدة تمنحني مساحة لا تختلف عن المساحة التي تُمنح لكبار الكتاب، رغم أنني كنت شابًا صغيرًا في بدايات الطريق، وكتبت وقتها مقالًا بعنوان "مدرسة الحزب الوطني... لم ينجح أحد"، وكان مقالًا نقديًا أحدث صدى كبيرًا، وكنت وقتها في نحو التاسعة عشرة من عمري.
أخبرني الدكتور سيد البدوي، رئيس حزب الوفد الآن، وكان وقتها سكرتيرا عاما لحزب الوفد بمحافظة الغربية، أن فؤاد باشا سراج الدين قرأ المقال وأُعجب به، وحين عرف أن كاتبه شاب صغير طلب منه أن ينقل لي تحياته، وقال عبارته التي ظلت عالقة في ذاكرتي، والتي رأى فيها أن مصر ربما تشهد ميلاد شباب يحملون روح مصطفى كامل.
لم تكن قيمة هذه الكلمات في الإطراء نفسه، وإنما في أن زعيمًا سياسيًا كبيرًا رأى في كلمات شاب صغير شيئًا يستحق الالتفات، وكانت رسالة جديدة تقول لي: استمر.
وبعد فترة، التقيت الكاتب الراحل والصحفي الكبير الأستاذ جمال بدوي، رئيس تحرير جريدة الوفد في ذلك الوقت، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكان يتفقد أجنحة الكتب، ذهبت إليه وقدمت نفسي، وكانت المفاجأة أنه يعرفني ويعرف مقالي "مدرسة الحزب الوطني لم ينجح أحد". حدثني عن إعجابه بعنوان المقال وفكرته، بل قال إنه يفكر في كتابة سلسلة مقالات تحمل العنوان نفسه من وجهة نظره في نقد تجربة الحزب الوطني، وبالنسبة لشاب في بداية حياته، كان ذلك شرفًا لا يوصف، وكانت تلك اللحظة تأكيدًا آخر أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تصل، وأن العمر لا يكون دائمًا مقياسًا لقيمة الفكرة، وأنه قد تعرفك الأسماء الكبيرة قبل أن تعرفها أنت!
ولا يمكن أن أتحدث عن الذين غيروا حياتي دون أن أذكر أستاذي الراحل الجليل الأستاذ الدكتور عادل إمام، أستاذ أمراض القلب بمعهد القلب القومي، ورائد إدخال قسطرة القلب إلى مصر بعد عودته من رحلة علمية في فرنسا، والذي تتلمذ على يديه أجيال من كبار أطباء القلب، وحين التحقت بمعهد القلب في بداية حياتي العملية، لم تكن علاقتي به مجرد علاقة تلميذ بأستاذه، بل كانت علاقة ابن بأب... فقد آمن بي، ودعمني، وعلمني، وكتب مقدمة أول كتبي "زعماء على فراش المرض... أسرار لم تنشر من قبل"، وهو الكتاب الذي خصصت له إدارة معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2001م الندوة الرئيسية "كاتب وكتاب" تحت رعاية الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية للكتاب في ذلك الوقت، وجلس الأستاذ الدكتور عادل إمام بجانبي على المنصة، وهو العالم الذي كانت شهرته من الاتساع بحيث إن الفنان عادل إمام، عندما يتصل بمن لا يعرفه، كان يُعرّف نفسه قائلًا: "أنا عادل إمام الممثل، وليس الدكتور"، في دلالة على المكانة العلمية الكبيرة والشهرة التي وصل إليها أستاذنا الجليل.
ولا شك أنه كان لوجود الأستاذ الدكتور عادل إمام بجواري على المنصة أثناء مناقشة كتابي الأول أثر بالغ في دفعه إلى دائرة الضوء منذ لحظته الأولى، إذ لم يكن حضوره مجرد دعم علمي أو أكاديمي، بل كان عنصرًا فارقًا في تشكيل الوعي الإعلامي بالكتاب داخل مصر وخارجها، فقد التقطت وسائل الإعلام المحلية والدولية هذا المشهد باعتباره اجتماعًا بين قيمة علمية راسخة وتجربة فكرية شابة، وهو ما أسهم في اتساع دائرة الاهتمام بالكتاب بشكل غير مسبوق، وقد أخبرني الناشر لاحقًا أن الطلب على الكتاب تجاوز التوقعات، حتى إن جهات ثقافية دولية، من بينها مكتبة الكونجرس الأمريكي، قد طلبت نسخًا منه ضمن مقتنياتها، في دلالة على أن لحظة واحدة قد تغيّر مسار انتشار عمل كامل.
لكن الموقف الذي لا أنساه للدكتور عادل إمام، هو موقف الأب الذي وقف خلفي عندما أغلقت الأبواب، وكان أثناء استعدادي لمناقشة رسالة الماجستير في طب القلب، عندما واجهت عقبات بعد مواقفي في الكشف عن قضية فساد كبيرة تناولتها الصحف في ذلك الوقت، ولأن أوتاد الظلم مهما تباعدت مواقعها واختلفت وجوه أصحابها، فإنها تلتقي دائما عند هدف واحد، وهو أحكام قبضتها على عنق المظلوم، فألقيت رسالة الماجيستير الجاهزة للمناقشة في وجهي، وقيل لي في لحظة قاسية: "انسَ الأمر." 
ذهبت إلى أستاذي الدكتور عادل إمام – رحمه الله – في عيادته بشارع سليمان جوهر في الدقي، ورويت له ما حدث... لم يسألني عن حسابات أو مصالح، ولم يتركني أواجه المعركة وحدي، وأجرى اتصالًا حاسمًا، لا استطيع أن أكرر تفاصيل ما دار فيه ولا مع من، ليس فقط لأنني أتكلم عن مواقف نبيلة، لا تصفية حسابات، ولا لأن الموقف أعتبره شخصي لا يخص الجامعة أو كلية الطب أو القسم الذي حصلت فيه على الدرجة،  ولكن لأن بعض المواقف تبقى في معناها أبلغ من كلماتها، ولم يكن ما فعله مجرد تدخل لإنهاء أزمة، بل كان درسًا لا أنساه، أن قيمة الأستاذ لا تُقاس فقط بما يقدمه من علم، بل بقدرته على أن يقف إلى جوار تلاميذه عندما يصبح الوقوف مكلفًا.
ولا يمكنني أن أتجاوز في رحلة كتاب "زعماء على فراش المرض.. أسرار لم تُنشر من قبل" ذِكر الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ عادل حمودة، الذي كان من أوائل من لفتوا الانتباه إلى كتابي الأول، فقد كان لقراءة وعرض هذا الكتاب في جريدة الفجر بعد صدوره أثر بالغ في نفسي، ليس فقط لأن الأستاذ عادل حموده منح الكتاب مساحة من الاهتمام الإعلامي، بل لأنه جاء من قامة صحفية لها وزنها ومكانتها الراسخة في الصحافة المصرية والعربية، قامة لا تمنح الضوء إلا لما ترى فيه قيمة حقيقية تستحق الوقوف أمامها.
وعندما التقيته في مكتبه بجريدة الفجر منذ ما يقرب من عشرين عامًا، استقبلني بترحاب بالغ، وأنا الكاتب الشاب الذي يخطو أولى خطواته، يحمل كتابه الأول بين يديه، ولم يكن اللقاء عابرًا، بل كان لقاءً إنسانيًا وفكريًا، ناقشني فيه بتفاصيل دقيقة حول فكرة

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق