قضيت ساعة من الوقت فى مكتبة الميكرو فيلم بجريدة الأهرام منذ فترة، وقلت لنفسى عن ماذا سأبحث؟ ولما كنا فى شهر يونيو، والفنانة سعاد حسنى ماتت فى هذا الشهر، وتحديدا فى الحادى والعشرين من شهر يونيو عام 2001 بلندن، قلت: ما المانع من أن أقرأ ماذا كتبت الأهرام عنها فى تلك الفترة، وأنظر النعى الذى قيل فيها.
أما النعى فلم يكن كثيرا، بل اقتصر على عدد محدود جدا من الفنانين – حسب ما جاء فى الأهرام وحسب اطلاعى المحدود- ففى يوم الأحد الموافق ليوم الرابع والعشرين من شهر يونيو، نعاها الفنان حسين فهمى الذى كان يشغل منصب رئيس مهرجان القاهرة السينمائى الدولى وقتها، ولكن هذا النعى جاء كأنه واجب، نظرا للصفة الرسمية التى كان يشغلها، فجاء نعيه:
الفنان حسين فهمى
رئيس مهرجان القاهرة السينمائى الدولى
وجميع العاملين بإدارة المهرجان
ينعون إلى الأمة العربية
الفنانة الكبيرة
سعاد حسنى
سندريلا الشاشة العربية
التى أثرت الفن العربى بما حققته
من إبداع طوال مشوارها الفنى الجميل
للفقيدة العزيزة الرحمة ولأسرتها
وجمهورها الصبر والسلوان.

فهو نعاها بصفته رئيس مهرجان القاهرة، ولم نر له نعيا بصفته صديقا مثَّل معها وغنت له أفضل أغانيها، مثلما فعلت الفنانة إسعاد يونس حيث نعتها مرتين.
كذلك نعتها نقابة المهن التمثيلية نعيا تقليديا، وهو واجب عليها، فإذا لم تنعها النقابة فمن الذى تنعيه؟!
وقدمت الفنانة إسعاد يونس واجب العزاء فى الفقيدة الغالية وكان كالآتى:
تنعى بمزيد من الحزن والأسى
الأخت الحبيبة والفنانة العظيمة
سعاد حسنى
وتستودعها عند رحيم مقتدر
للفقيدة الرحمة ولنا من بعدها الصبر والسلوان.
وجدير بالذكر أن الشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائى التى تملكها إسعاد يونس قدمت واجب العزاء فى سعاد حسنى.
أى نعت إسعاد يونس سعاد حسنى مرتين، مرة بصفتها رئيس مجلس إدارة الشركة العربية، ومرة بشخصها هى الفنانة زميلة سعاد.
وفى يوم التاسع والعشرين من يونيو قدم آل العدل واجب العزاء فى الفنانة سعاد، وكان تقليديا.
أما الذى كان مختلفا عما سبق فكان لاثنين، أحدهما كان لشريهان، ففى السادس والعشرين من الشهر ذاته، نعت شريهان سعاد حسنى قائلة:
تشاطر الفنانة السيدة
شريهان أحمد الشلقانى
نفسها وقلبها والأمة العربية
الأحزان فى فقيدة ورائدة الفن المصرى والعربى
المرحومة الفنانة السيدة
سعاد حسنى
إنا لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شىء عنده بأجل مسمى
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
هكذا كان نعى شريهان مختلفا عن الآخرين إلى حد ما، وهذا النعى كان بارزا وأخذ مساحة كبيرة من الصفحة، وكلماته مؤثرة، وفيه اقتباس من أدعية التعزية والفقدان. ولم يكن مجرد تأدية واجب مفروض عليها، بل كان نابعا من صديقة أحست بفقدان صديقة غالية.

أما النعى الآخر الذى هز المشاعر وزلزلها وأيقظها من غفوتها فكان للمرحوم الفنان الكبير أحمد زكى.
النعى تأخر قليلا بالقياس إلى الآخرين، فلم يأت بعد موتها مباشرة، وإنما هناك فسحة من الوقت ريثما يبتلع خبر موتها، وريثما يستطيع أن يجد الكلمات المعبرة عنه تجاه فنانة كبيرة مثل سعاد، فلعله لم يصدق أن زميلته ورفيقته فى الفن قد ماتت، لعله ظن أنها فى غيبوبة وستفيق بعد قليل، أو هو الذى فى غيبوبة وسيصحو ليتصل بها يطمئن على صحتها ويسألها متى ستعود إلى القاهرة ليقدمَا معًا فيلمًا جديدًا، أو لعله تذكر مشهده معها فى فيلم "الراعى والنساء" عندما قرر أن يتركها ويرحل عنها، فبكت من قلبها وكأنه مشهد النهاية الذى سيكون فاصلا بينهما فى الحياة.

أحمد وسعاد معا
كان أحمد زكى فى صدمة عندما ماتت سعاد، ولولا فيلم "أيام السادات" الذى كان يعرض بالسينما ومقابلة وتكريم حسنى مبارك له ولصناع الفيلم، لكان قد اختفى من الساحة الفنية، بل لا تستبعد إذا قلت قد يفعل شيئا ينهى به حياته. لقد تذكر مشاهده فى فيلم "شفيقة ومتولى"، وفيلم "موعد على العشاء"، وتذكر المسلسل الرائع "حكايات هو وهى"، كان الاثنان متفاهمين، كانت مبارزة فنية بينهما، كل واحد يريد أن يخرج أفضل ما لديه، أحمد زكى كان هو القمة فى الأداء التمثيلى من الرجال، وكانت هى الأكثر تقمصا للأدوار من الفنانات.

سعاد حسنى وأحمد زكى
عندما يحب أحمد زكى فإنه يحب بإخلاص، ويتغلغل الحب إلى أعماق قلبه، وعندما يمثل فإنه يتقمص الدور تماما إلى درجة الذوبان فيه. وعندما يرثى وينعى أحمد زكى شخصا فلا بد أن يكون مختلفا عن الآخرين، مثلما هو مختلف عنهم فى التمثيل، فما بالكم إذا كان الذى يعنيه هو سعاد حسنى! إن رثاءه لها كأنه دموع ممزوجة بدمه، كل كلمة وكل حرف كان قطعة من جسده.
فى الثانى من يوليو أى بعد موتها بعشرة أيام نعى أحمد زكى سعاد حسنى فقال:
إليها.. هى..
يا أكثر الموهوبين إتقانا..
وأكثر العباقرة تواضعا..
وأكثر المتواضعين عبقرية..
بوجودك ملأتى قلوب البشر بالبهجة
وبغيابك ملأتيها بالحزن
استريحى الآن.. اهدئى..
يا من لم تعرف الراحة من قبل
لك الرحمة وكل الحب وكل التقدير
أسكنك الله فسيح جناته..
يا من جعلت حياة الناس أكثر جمالا
الفنان أحمد زكى.
لم تكن كلماته مجرد نعى فحسب، وإنما هى كلمات تهز الأعماق وتحرك المشاعر حزنا وألما لفقدان فنانة عظيمة مثل سعاد حسنى.
لقد كان نعيه معبرا عن حياة سعاد، وكأنه قد خبر هذه الحياة، وعرف كل تفاصيلها، من موهبة وتواضع وعبقرية ومرح وفرح وبهجة وألم وشقاء وبؤس ونهاية حزينة، هكذا هو أحمد زكى، لا يمثل إلا إذا اندمج وعاش الشخصية التى يمثلها، وإذا نعى أو رثى فلا بد أن يمتزج ويتحد مع من ينعيه ويرثيه، فكان نعيه ملخِّصًا حياة سعاد.

أحمد وسعاد
فى بداية النعى، جاء ضمير الغائب مرتين (إليها، هى) لأن سعاد أصبحت فى حكم الغائب، ولم تعد لها صلة بالدنيا، وقدم الجار والمجرور فى بداية النعى (إليها) لقصر النعى عليها وحدها، وأنه حديثه إليها خاص بها، ثم يوجه إليها الخطاب، وكأنه ينصفها ممن لم ينصفوها فى حياتها، ويعطيها حقها وقدرها الذى تستحقه. فهم إن استكثروا عليها أن يقولوا لها أنت الأكثر موهبة وإتقانا، فهو يقولها صراحة بملء فيه:
يا أكثر الموهوبين إتقانا..
وأكثر العباقرة تواضعا..
وأكثر المتواضعين عبقرية..
فهى هنا تجمع بين الموهبة والإتقان، وإلى جانب العبقرية التواضع، ومن رآها متواضعة فهى أكثرهم عبقرية، فلم تعش سعاد دور النجمة التى تنعزل عن المجتمع، بل كان كل شىء فيها يدل على البساطة والتواضع والطيبة المفرطة، كانت امرأة بعقل طفلة ساذجة، ولم تعرف المكر والخداع والضرب من تحت لتحت كما يقال، بل كانت على الفطرة السليمة، ولم تكن تفكر فى جمع المال أو ادخاره، فما فى جيبها ليس لها.
ملأت سعاد حياتنا بالبهجة والسرور، كان مجرد ظهورها على الشاشة يعنى الارتياح والقبول والبشر والفرح والألفة والمودة، وكنا نحزن أن ظهرت فى دور كانت فيه مغلوبة على أمرها، حزينة، كسيرة، تعيسة، فلقد تعودنا أن نراها الطفلة الشقية المقبلة على الحياة، هكذا كنا نرى سعاد. أما بعد وفاتها فغابت تلك البسمة وتلك الإشراقة التى رسمت وطبعت على قلوبنا.
ويواصل أحمد نعيه لسعاد فيقول منذ أن تفتحت عيناك يا سعاد على الدنيا وأنت لم تعرفى الراحة، كنتِ تنشدين السكينة لكنك لم تجديها، فآن لك أن تستريحى بعدما تعرضت للقيل والقال، وبعدما خاضوا فى سيرتك بما يسوءك ويضرك، لقد جنوا عليك وادعوا عليك بما ليس فيك، الآن عليك أن تستريحى وتهدأى.

إليها














0 تعليق