بين سطور.. خطاب من هيكل إلى مبارك

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن محمد حسنين هيكل مجرد صحفي عرفته مصر طيلة القرن العشرين وأكثر من عقد ونصف العقد من القرن الحادي والعشرين ولكنه كان واحدا من كبار المثقفين في مصر والعالم حظي بمكانة راقية في الأوساط الدولية والعربية والمحلية اختلف عليه كثيرون وأيده آخرون ولم تهتز مكانته عند هؤلاء أو هؤلاء.

استطاع بدأبه على العلم والانفتاح على مختلف التجارب والثقافات أن يكون له أسلوب خاص في الكتابة الصحفية والسياسية، فجعل من الكتابة السياسية أدبا لايخلو من التحليل المستند إلى وقائع التاريخ، وإلى وقائع الشهود الأحياء الذين التقى بهم ونشأت بينه وبينهم علاقات شخصية وعملية، واعتمد على المقارنة بين الوقائع المتناقضة أو المتباينة ليخلص إلى رأي يرجحه صاغه في لغة واضحة مشوبة بالتعبيرات المجازية التي حققت كثيرا من الجمال والفائدة لدى القراء.

لم يسلم من طعنات خصومه في شخصيته وفكره ومسيرته، كما لم يسلم من جهل محبيه وعجزهم عن فهمه وتقديره وظل موضع الخلاف بين هؤلاء وهؤلاء. وصنع بنفسه خصومة بما كتبه من كتب مثل "خريف الغضب" وبتحولاته المفاجئة من التأييد إلى التنديد بأنظمة مثل نظام الحكم في المملكة العربية السعودية. ولعل موقفه من نظام السادات في مصر أشهر المواقف وأوضحها. ففي هذه الفترة من حكم مصر كان هيكل أكبر نقادها وأخطرها وامتد نقده إلى شخصية السادات. وفي مقاله الذي أعلن فيه انسحابه من بلاط صاحبة الجلالة تعرض لتقييم حكم السادات بعد أن تولى حسني مبارك الحكم وأفرج عن كوكبة المعتقلين بأمر السادات وكان هيكل واحدا منهم.

وفي هذا المقال "خطاب للرئيس" وهو واحد من عدة مقالات ظلت ممنوعة من النشر، سجل عدة نقاط أرى أنها ضرورية الآن وتحتاج إلى تركيز الأضواء عليها وهي: 

أولا: أن هيكل أبدى امتنانه للرئيس مبارك ولم يكن سبب هذا الامتنان هو الإفراج عنه وعن زملائه في فبراير 1981م بعد اعتقال السادات لهم في سبتمبر 1980م. فالإفراج مع أهميته، كان ذا بعد سياسي هو تدعيم النظام الجديد. فمبارك في هذا الوقت لم يكن لديه فواتير ينبغي أن يسددها بالنيابة عن أحد بمعنى أن هيكل يشير من بعيد إلى أن مبارك غير محسوب على السادات ولا يتحمل أخطاءه وأوزاره وعلى رأسها خصومته مع معارضيه من أهل الفكر والسياسة. وهذا الإفراج ذو فائدة مزدوجة على الجانبين: جانب المفكر وجانب النظام. ولعلنا نلاحظ أن نظام مبارك بعد ذلك وقع فيما وقع فيه سلفه.

ثانيا: أن حوار هيكل مع السادات كان حوارا طال وقته وتعددت موضوعاته وتنوعت حلقاته، وكانت خلاصته أن نظام السادات كان يعاني منذ العام 1975م أزمة هوية في الداخل والخارج، بمعنى أنه فقد البوصلة التي تحدد توجهاته فخسر الرهان على رابين وكارتر، كما خسر الطبقة الوسطى بانحيازه للطفيليين الجدد وظهوره أمام شعبه منقلبا على عبد الناصر مع أن السادات ونظامه امتداد لنظام يوليو، وخسر أيضا العرب على المستوى الإقليمي فانكشف ظهره. لذا كان لابد لنظام السادات أن يحدد هويته على أساس مجتمع المنتجين لامجتمع أصحاب الملايين. وهنا نقول إن مبارك عاد إلى الظهير العربي في خطوة تصحيحية مع بداية حكمه ووقع في أسر أمريكا وحدد هويته لا على أساس مجتمع المنتجين من الطبقة الوسطى التي أكمل خنقها وأوصلها إلى التشتت والتقزم، وأفسح المساحة لزيادة أعداد الطفيليين والتابعين للفئة المحدودة التي اتخذها سندا لحكمه وهي أصحاب رؤوس الأموال التي تكونت من تجارة الأراضي والتوكيلات والاستيلاء على شركات القطاع العام، وكانت الخلاصة مزيدا من الجوعى في العشوائيات وتبعية القرار المصري لأمريكا وإسرائيل وخسارة أفريقيا.

ثالثا: أن هيكل في هذا المقال كشف ما كان يكنه السادات من سوء الظن فيمن سماهم "الأفندية" وهم أهل الثقافة والفكر والسياسة الذين لا عمل لهم في تقديره إلا إثارة المشاكل ووصفهم بقوله "ياخيبتهم الثقيلة". فلم يكن يحبهم ولا يحترمهم ولا يعطيهم مساحات واسعة في نظامه. واستمر استبعاد العلم والثقافة من منظومة الحكم في مصر إلا من أدوار هي من لزوم الشيء، وهنا نقول إن مبارك لم يصحح موقف سلفه من العلم والثقافة على نحو جوهري أو جذري، فلم يمنح الجامعات حريتها واستقلالها عن الوزير، ولم يعطها حق اختيار قياداتها، ولم يوفر لها مع ذلك الموارد المالية المناسبة للإنفاق على البحث العلمي، وجعلها تابعة لوزارة الداخلية، وجعل من الثقافة والفنون واجهة جميلة للحكم. 

رابعا: أن نظام السادات ظل قائما على الازدواجية لا على التكامل وتعدد الأدوار والتنسيق فيما بينها والدليل في رأي هيكل أن السادات كان يختار رئيس الوزارة، ويعطيه التفويض، ويمنح ثقته الكاملة لوزير الداخلية ممدوح سالم ويقربه منه وينصت إليه. حدث هذا مع عدد من رؤساء الوزارة أمثال عبدالعزيز حجازي، ومحمود فوزي ولما حانت الفرصة أبعد حجازي، وجعل ممدوح سالم رئيسا للوزارة وهو رجل أمن وليس مثل حجازي رجل اقتصاد ليواجه أزمة النظام مع خصوم الداخل. ونقول إن هذه الازدواجية وليس التكامل ظلت قائمة وبصورة أكبر طول عهد مبارك وازداد نفوذ وزير الداخلية لمواجهة أزمات النظام المتكررة.

خامسا: أن هيكل رأى أن السادات كون رأيه وأفكاره من المقربين منه وإليه، ولم يكن يتقبل الاستماع إلى رأي مخالف لما اقتنع به أو أقنعه به من حوله. وهذه مسألة خطيرة عندما تتعلق بشخصية رئيس الجمهورية واتخاذه قرارات مصيرية. ثم يقول هيكل ويكفي أن السادات لم يكن حريصا على أن يقرأ ما قدمه إليه رئيس الوزراء عبدالعزيز حجازي من تقارير عن الشأن الاقتصادي. وهنا نقول إن سمة العناد والتجاهل ظلت لصيقة بمبارك، فلم يكن يقرأ ما يقدم إليه ولم يكن يستجيب لما يحدث من تغيرات وبعد أن تفرض الأحداث نفسها يأتي القرار متأخرا عن وقته وساعته.

سادسا: يختم هيكل رصده هذا بقوله: إن جهات دولية أرادت أن يكون نائب السادات عينا على مصر، فكان عينا لمصر وعونا لها. هنا نقول أيضا إنه على الرغم مما نأخذه على مبارك وعلى نظامه من مآخذ، فلن نستطيع أن نقول عن مبارك إنه كان خائنا.

وأخيرا كانت هذه رؤية هيكل مر عليها زمن ليس قصيرا كتبها ورحل وهو في سن متقدمة، وبطبيعة التغيرات السياسية والثقافية والاجتماعية سيبقى من هيكل مجمل رؤآه التاريخية الكبرى لمصر والعرب والعالم وكأنه شاهد على قرن من الزمان يعد حتى الآن من أخصب القرون وهو القرن العشرون. تحتاج رؤيته هذه إلى قراءة نقدية كاشفة تؤصلها وتطعمها بأصول التطور والبقاء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق