لبنان تحت النار.. كيف مهّد الانقسام الداخلى الطريق للتوغل الإسرائيلى؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى الوقت الذى كان اللبنانيون يترقبون أن يشكل اتفاق وقف إطلاق النار فرصة لالتقاط الأنفاس ووقف نزيف الدم، عادت الغارات الإسرائيلية لتضرب عمق الأراضى اللبنانية، فيما استمرت المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية، لتكشف مجددًا هشاشة التفاهمات السياسية والأمنية التى رافقت الإعلان عن الاتفاق. وبينما تتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية وتزداد الخسائر البشرية والمادية، يبرز سؤال يفرض نفسه على المشهد اللبنانى: مَن يتحمل مسئولية ما يحدث اليوم فى لبنان؟

لم يكن استمرار التصعيد الإسرائيلى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مجرد تطور عسكرى عابر، بل عكس واقعًا أكثر تعقيدًا يتمثل فى غياب رؤية لبنانية موحدة لإدارة الأزمة، واستمرار الانقسام بين مؤسسات الدولة وحزب الله، فضلًا عن التجاذبات الإقليمية التى جعلت لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية. وفى ظل هذا المشهد المتشابك، وجدت إسرائيل مساحة أوسع للتحرك وفرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدة من حالة التباين الداخلى حول كيفية التعامل مع الحرب ومآلاتها.

وانعكست هذه المعادلة سريعًا على الميدان، إذ إنه رغم الإعلان عن تفاهم لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل عقب جولة من المحادثات المباشرة التى استضافتها واشنطن، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية فى جنوب لبنان قبل أن توسع نطاق ضرباتها لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.

وشن الطيران الإسرائيلى غارات استهدفت منطقة المريجة فى الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية، فى خطوة تكشف مساعى إسرائيل لاستثمار حالة الانقسام والارتباك السياسى والأمنى داخل لبنان بهدف فرض وقائع ميدانية ومعادلات جديدة تتجاوز حدود التفاهمات المعلنة.

كما شهد الجنوب اللبنانى تطورًا بعد استهداف الجيش الإسرائيلى مركبة عسكرية تابعة للجيش اللبنانى، بعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، ما اعتبر رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، وليس إلى حزب الله فقط.

وفى موازاة ذلك، تتحدث تقارير ميدانية عن توسيع جيش الاحتلال عملياته العسكرية والتوغل البرى داخل مناطق جنوب لبنان، وسط مخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباكات الحالية.

ومع كل تصعيد ميدانى جديد، تتراجع قدرة اللبنانيين على تحمل أعباء الأزمة المتفاقمة. بعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى المواطن اللبنانى الحلقة الأضعف فى هذه المعادلة المعقدة.

بين الغارات الإسرائيلية المتواصلة والانقسام السياسى الداخلى والأزمات الاقتصادية المتراكمة، يدفع اللبنانيون فاتورة الصراعات الإقليمية والمحلية مجتمعة، فيما تتزايد معاناة السكان مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية وتضرر البنية التحتية وتراجع النشاط الاقتصادى، بينما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة أو توفير مظلة حماية فعالة لمواطنيها.

وتقود هذه الصورة إلى جوهر الأزمة، حيث أسهمت الخلافات السياسية الحادة بين مختلف القوى اللبنانية فى توفير بيئة سمحت لإسرائيل بتوسيع هامش تحركاتها العسكرية داخل لبنان وفرض وقائع جديدة على الأرض.

فى الوقت الذى تؤكد فيه الدولة اللبنانية التزامها بالحلول الدبلوماسية ووقف التصعيد، يحتفظ حزب الله بخياراته العسكرية المرتبطة بحساباته الإقليمية واستراتيجيته الخاصة فى مواجهة إسرائيل، الأمر الذى يخلق ازدواجية واضحة فى القرار الأمنى والعسكرى داخل البلاد.

وتمنح هذه الازدواجية إسرائيل فرصة لتبرير عملياتها العسكرية أمام المجتمع الدولى، مستندة إلى واقع وجود قوة عسكرية فاعلة خارج الإطار الرسمى للدولة، كما تضعف الموقف اللبنانى الموحد فى أى تحرك دبلوماسى أو مفاوضات تهدف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ما يفسر إلى حد كبير قدرة تل أبيب على مواصلة عملياتها رغم الضغوط الدولية والدعوات إلى التهدئة.

ولم يقتصر الانقسام على الداخل اللبنانى فحسب، بل امتد إلى العلاقة مع إيران، التى تعد الداعم الرئيسى لحزب الله، ما أضاف بعدًا إقليميًا جديدًا للأزمة.

فقد تزامن التوتر العسكرى مع تصاعد غير مسبوق فى السجال السياسى بين لبنان وإيران، بعد تصريحات للرئيس اللبنانى جوزيف عون دعا فيها طهران إلى عدم التدخل فى الشئون اللبنانية، مطالبًا حزب الله باللجوء إلى خيار التفاوض.

وفى مقابلة مع شبكة «سى إن إن» الأمريكية، وجه عون رسالة مباشرة إلى الحرس الثورى الإيرانى قائلًا: «إنها ليست بلدكم، إنها بلدنا»، مضيفًا أن اللبنانيين هم من يدفعون ثمن الصراعات المرتبطة بالمصالح الإقليمية.

وأكد الرئيس اللبنانى التزامه بمنع انزلاق البلاد إلى مزيد من التصعيد، مشيرًا إلى أن اللبنانيين «سئموا»  الحروب المتكررة بين إسرائيل وحزب الله، كما اتهم إيران باستخدام لبنان كورقة ضغط فى صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهى تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة فى طهران.

وجاء الرد الإيرانى سريعًا، فى مؤشر على حجم التباعد السياسى بين الطرفين.

فقد رفض وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى الاتهامات اللبنانية، معتبرًا أن تحميل طهران مسئولية الأزمة اللبنانية يتجاهل ما تقوم به إسرائيل على الأرض.

وقال عراقجى فى منشور على منصة «إكس»: «بناءً على تصريحات السيد عون، قد يعتقد المرء أن إيران هى من تحتل خمس لبنان، وشردت ربع سكانه، وتقصف بلاده يوميًا»، مضيفًا: لو كان لبنان ورقة مساومة بيد إيران، لكنا توصلنا إلى اتفاق منذ وقت طويل، قبل أن يختتم رسالته بالقول: «أنقذ لبنان من عدوك الحقيقى، سيادة الرئيس».

وفى خضم هذا السجال السياسى، واصلت إسرائيل توجيه رسائلها العسكرية بشكل مباشر، مؤكدة أنها ماضية فى استراتيجيتها تجاه حزب الله بغض النظر عن الخلافات القائمة داخل لبنان أو بين بيروت وطهران.

وفى هذا السياق، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بيانًا مشتركًا أكدا فيه أنهما وجها الجيش الإسرائيلى لتنفيذ غارات على مواقع تابعة لحزب الله فى الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما كشفت مصادر إسرائيلية أن الولايات المتحدة أبلغت مسبقًا بتنفيذ الضربة الجوية، فى إشارة إلى وجود تنسيق سياسى وأمنى بشأن العمليات العسكرية الأخيرة.

وتبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد، فى ظل التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران واستمرار العمليات العسكرية، رغم الجهود والضغوط الدولية الرامية إلى منع اتساع رقعة المواجهة.

لكن المؤكد أن استمرار الانقسام الداخلى اللبنانى وتضارب مراكز القرار بين الدولة والقوى المسلحة يمنحان إسرائيل مساحة أوسع للمناورة وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفى ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة، يبقى لبنان مكشوفًا أمام مزيد من الضغوط والتصعيد، بينما يواصل المواطن اللبنانى دفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق