سجلت تكاليف شحن الحاويات عالمياً قفزات حادة وغير مسبوقة خلال تعاملات الأسبوع الماضي، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود، وتصاعد أزمة الطاقة، وتفاقم الاختناقات الملاحية في الموانئ الآسيوية، تزامناً مع تحسن معدلات الطلب الموسمي وقرب ذروة الشحن البحري.
وأظهرت البيانات الصادرة عن منصات التحليل الدولية المؤشر التصاعدي للتداعيات الاقتصادية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في أزمة لوجستية مركبة ألقت بظلالها الثقيلة على سلاسل الإمداد والتجارة العابرة للقارات من آسيا إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.
أرقام قياسية لأسعار الحاويات وتأثيرات الحرب الإيرانية
وطبقاً لأحدث البيانات المرصودة من قبل منصة "زينيتا" الدولية لتحليل أسواق النقل، فقد قفز السعر الفوري لشحن الحاوية النمطية بطول 40 قدماً من الموانئ الآسيوية إلى شمال أوروبا ليصل إلى 3649 دولاراً، مسجلاً زيادة قياسية بلغت 27% مقارنة بالأسبوع الأسبق.
وفي السياق ذاته، ارتفعت تكلفة الشحن المتجه إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 20% لتستقر عند مستوى 3933 دولاراً للحاوية، وهي التقديرات التي تزامنت مع تقرير مؤسسة "درويري" للاستشارات البحرية، والذي أكد بدوره صعود الأسعار الفورية قصيرة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عام كامل.
وكشفت التحليلات المعمقة للمنصة الدولية عن التأثيرات المباشرة للملف الجيوسياسي في الشرق الأوسط؛ حيث قفزت أسعار شحن الحاويات من آسيا إلى الولايات المتحدة بنسبة إجمالية بلغت 109% منذ اندلاع الحرب الإيرانية في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، في حين سجلت الرسوم والتعريفات المتجهة إلى أوروبا زيادة تجاوزت حاجز الـ 50%.
وترافق هذا الارتفاع البنيوي في الأسعار مع لجوء شركات الخطوط الملاحية العالمية إلى فرض رسوم إضافية وباهظة تحت مسمى "علاوة تحوط الوقود"، مما زاد من الأعباء المالية والتشغيلية الملقاة على عاتق المستوردين والشركات العالمية.
اختناقات الموانئ بآسيا وتراجع الطاقة الاستيعابية
وتأتي هذه الطفرة السعرية المتلاحقة في وقت حرج لخطوط الملاحة، حيث تزامنت مع تراجع حاد في الطاقة الاستيعابية الإجمالية للسفن، وقبيل بدء الموسم السنوي لإعادة تكوين المخزونات السلعية المقرر في شهري يوليو وأغسطس المقبلين.
وساهم القرار الاضطراري بإعادة توجيه السفن والمسارات البحرية بعيداً عن مضيق هرمز في إحداث ارتباك لوجستي واختناقات مرورية حادة في كبرى مراكز الشحن والتوزيع الواقعة في منطقة جنوب شرق آسيا، ولاسيما في ميناء سنغافورة المحوري وميناء "كلانغ" الماليزي.
وفي هذا الصدد، أوضح بيتر ساند، كبير المحللين الاقتصاديين لدى منصة "زينيتا"، أن الاضطرابات الراهنة في الموانئ بدأت تؤثر سلباً وعمقاً على استقرار سلاسل الإمداد العالمية ككل، لافتاً إلى أن هذا الوضع المتأزم قاد إلى ارتفاعات سعرية حادة شملت حتى المسارات والخطوط الملاحية البعيدة جغرافياً عن منطقة الشرق الأوسط.
وحذر ساند من أن استمرار الارتفاع الحالي في أسعار النفط الخام عالمياً من شأنه أن يدفع تكاليف الشحن والنقل البحري إلى تسجيل مستويات أكثر صعوداً وسخونة خلال النصف الثاني من العام الجاري.
انتعاش أسهم شركات الملاحة ومؤشرات النقل الأمريكية
وعلى الجانب الآخر من المشهد الاقتصادي، انعكست هذه الأزمة اللوجستية بالإيجاب على القيمة السوقية لعملاق النقل البحري العالمي، حيث سجلت أسهم شركة "إيه.بي. مولر ميرسك" الدنماركية ارتفاعاً قوياً بنحو 13% خلال تداولات الأسبوع الماضي، مستفيدة من الارتفاع العام في بدلات الشحن والطلب المرتفع على المساحات المتاحة فوق سفن الحاويات.
واختتمت التقارير بالإشارة إلى الوضع الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سجل مؤشر مديري الخدمات اللوجستية لشهر مايو الماضي أسرع وتيرة ارتفاع في تكاليف النقل الداخلي منذ عشر سنوات كاملة، مما يفرض ضغوطاً تضخمية جديدة على الأسواق ويؤكد أن تداعيات الاضطرابات في مضيق هرمز وأزمة الطاقة قد تجاوزت النطاق الإقليمي لتتحول إلى أزمة اقتصادية ذات أبعاد دولية شاملة.

















0 تعليق