المعهد العالي للكونسرفاتوار بأكاديمية الفنون واحدًا من أهم الصروح الفنية في مصر والمنطقة العربية، فمنذ تأسيسه عام 1959 ارتبط اسمه بتخريج أجيال من الموسيقيين والعازفين والمطربين الذين تركوا بصمة واضحة في الحياة الفنية والثقافية جاءت فكرة إنشاء المعهد في عهد وزير الثقافة الراحل ثروت عكاشة، الذي تبنى مشروعًا طموحًا لتأسيس أكاديمية للفنون في وقت كانت فيه المنطقة العربية تفتقر لمثل هذه المؤسسات المتخصصة.
وفي حواره مع «الدستور»، كشف الدكتور علاء عبدالله عميد معهد الكونسرفتوار عن تاريخ المعهد، وأبرز خريجيه، والتحديات التي تواجه الموسيقى الكلاسيكية في العصر الحالي.
في البداية.. ما حكاية إنشاء معهد الكونسرفاتوار؟
الكونسرفاتوار أُنشئ سنة 1959 في عهد وزير الثقافة الراحل الدكتور ثروت عكاشة وكانت الفكرة وقتها عبقرية لأن المنطقة كلها تقريبًا لم تكن تعرف مؤسسات متخصصة بهذا الشكل فكرة إنشاء أكاديمية للفنون في أواخر الخمسينيات كانت خطوة سباقة جدًا.
في البداية بدأت الدراسة داخل فيلا بالزمالك، وهي التي أصبحت فيما بعد مقر وزارة الثقافة ثم انتقل المعهد إلى مقره الحالي وكانت أول دفعة تتخرج من هنا عام 1963، بينما بدأت الدراسة الفعلية منذ عام 1959 وكان المهندس المعماري للمبنى الموسيقار والمهندس أبو بكر خيرت وهو أول عميد للكونسرفاتوار وكان من الجيل الثاني للمؤلفين الموسيقيين المصريين، وهو أيضًا عم الموسيقار الكبير عمر خيرت.
من أبرز الشخصيات التي تخرجت أو درست داخل المعهد؟
هناك أسماء كثيرة جدًا يصعب حصرها من أوائل الخريجين الدكتورة نيبال منيب التي تولت عمادة المعهد في الثمانينيات وأوائل التسعينيات كما درس هنا الموسيقار عمر خيرت، إلى جانب الفنانة إيمان يونس والفنانة هدى عمار والفنانة أنغام التي درست بالمعهد حتى المرحلة الثانوية قبل انتقالها إلى معهد الموسيقى العربية ومن الخريجين أيضًا الموسيقار خالد حماد والفنانة عفاف راضي، كما أن الموسيقار راجح داوود عضو هيئة تدريس بالمعهد ولدينا أيضًا الدكتورة إيناس عبدالدايم وهي خريجة الكونسرفاتوار وكذلك الفنان يحيى الموجي ابن الموسيقار الكبير محمد الموجي، وقد عين معيدًا بالمعهد قبل أن يتجه للعمل الفني الخارجي ومن خريجي المعهد أيضًا أعضاء فرقة "واما" بالكامل: أحمد فهمي ومحمد نور وأحمد الشامي ونادر حمدي إلى جانب الفنانة حنان ماضي وغيرهم.
ما أبرز السمات التي تميز معهد الكونسرفاتوار؟
المعهد يمثل تجربة فريدة جدًا لأنه لا يوجد في أوروبا مثلًا مؤسسة تبدأ مع الطالب من المرحلة الابتدائية حتى يحصل على الماجستير والدكتوراه داخل المكان نفسه هذه التجربة نقلها الدكتور ثروت عكاشة عن النموذج السوفيتي الذي كان وقتها من أعظم مدارس الموسيقى في العالم.
نحن نستقبل الطالب من الصف الثالث الابتدائي ويدرس داخل مدرسة ثقافية بأكاديمية الفنون ثم يستكمل رحلته الموسيقية حتى التخرج والدراسات العليا هذا يخلق علاقة إنسانية وعلمية قوية جدًا بين الأساتذة والطلاب لأن الطالب يبدأ كتلميذ صغير ثم يصبح زميلًا لنا في الأوركسترا.
ما رؤيتك الحالية لتطوير المعهد؟
القضية الأساسية بالنسبة لنا هي جودة التعليم، لأن المنافسة أصبحت شرسة جدًا في الماضي كانت المنافسة الأساسية مع المدرسة الروسية، أما الآن فهناك الصين وكوريا واليابان وأوربا بقوة كبيرة جدًا في الموسيقى الكلاسيكية.
الطالب عندنا يحتاج إلى تدريب يومي لا يقل عن ثلاث أو أربع ساعات وهذا يمثل عبئًا كبيرًا خاصة مع ظروف المعيشة والزحام وبعد المسافات لذلك نحن نحاول الحفاظ على مستوى التعليم بنفس جودة المؤسسات العالمية.
وهل ترى أن الصين واليابان وكوريا أصبحت منافسًا قويًا بالفعل؟
بالتأكيد، الصين دخلت بقوة مرعبة في كل المجالات الفنية لديهم عازف البيانو العالمي لانج لانج، وبعد ظهوره أصبح هناك ملايين يتعلمون البيانو في الصين لذلك المنافسة الآن أصبحت عالمية وبأعداد ضخمة جدًا.
كيف يمكن الحفاظ على مكانة الموسيقى الكلاسيكية في مصر؟
هذه ليست مشكلة مصر فقط بل العالم كله، لأن إيقاع الحياة أصبح أسرع والجمهور يميل إلى الموسيقى الأسهل والأقصر هناك أوبرات تمتد لأربع أو ست ساعات، مثل أعمال ريتشارد فاجنر، والعصر الحالي لم يعد يحتمل هذا الطول بسهولة.
لذلك أصبح من الضروري وجود دعم أكبر من وزارة الثقافة والدولة للأوبرا والموسيقى الكلاسيكية مع استمرار التبادل الثقافي واستضافة الفنانين العالميين لأن هذا يساهم في رفع الذوق الفني لدى الجمهور.
ما رأيك في تقديم نسخ مختصرة من الأوبرات العالمية؟
هذا موجود بالفعل في العالم كله من خلال حفلات الـ«جالا كونسرت»، حيث يتم تقديم أشهر المقاطع والآريات من الأوبرات في حفلات مختصرة وهي تلقى إقبالًا جماهيريًا جيدًا لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن تقديم الأوبرات الكاملة مثل أوبرا عايدة أو لا ترافياتا، لأن هذه الأعمال لا غنى عنها.
ما أبرز التحديات التي تواجه المعهد حاليًا؟
من أكبر المشكلات توقف تعيين المعيدين لفترات طويلة، فهناك خريجون منذ أكثر من 10 أعوام لم يحصلوا على فرصة للتعيين بينما نظام «أمر التكليف» يعتمد فقط على حديثي التخرج وهذا أضاع علينا كفاءات كبيرة جدًا.
كما أن الظروف الاقتصادية تمثل تحديًا ضخمًا، لأن العازف أو الموسيقي لا يستطيع الاعتماد على راتب واحد فقط أنا شخصيًا أعمل أستاذًا بالكونسرفاتوار وأعزف تشلو أيضًا مع أوركسترا مكتبة الإسكندرية وهذا يتطلب مجهودًا وسفرًا مستمرًا.
وهل تؤثر الهجرة الفنية على المعهد؟
بالتأكيد، لأننا نصنع عازفًا محترفًا خلال 14 سنة دراسة مجانية تقريبًا، ثم بعد التخرج يسافر للعمل في دول عربية أو أوروبية برواتب وفرص أفضل لدينا عازفون مصريون كثيرون يعملون في أوركسترات عربية وعالمية، وبعضهم شارك في تأسيس فرق كاملة خارج مصر.
كيف يتم إعداد الطالب داخل معهد الكونسرفاتوار حتى يصل إلى مرحلة الاحتراف؟
أهم ما يميز الدراسة في المعهد أن الحصص كلها تكون فردية أو بنظام «وان تو وان»، بمعنى أن الأستاذ يجلس مع الطالب بمفرده، فيتابع أداءه بشكل مباشر لحظة بلحظة.
الطالب يعزف أمام أستاذه ويحصل على الملاحظات فورًا وبالتالي يستطيع الأستاذ أن يعلمه كل شيء من التكنيك الموسيقي إلى الأداء وحتى خبرات الوقوف على المسرح والتعامل مع الجمهور.
وأغلب أساتذة المعهد لديهم خبرات عالمية لأنهم عزفوا في أوركسترات ومهرجانات داخل مصر وخارجها لذلك ينقلون خبراتهم للطلبة بشكل عملي ومباشر وهذه فرصة ذهبية لأي طالب يدرس داخل الكونسرفاتوار.
هل يدرس الطالب المواد التعليمية العادية إلى جانب الموسيقى؟
بالتأكيد، لدينا داخل الأكاديمية مدرسة ثقافية تضم المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية والطالب يدرس كل المواد الدراسية العادية مثل اللغة العربية والإنجليزية والتاريخ والدراسات والعلوم وغيرها، تمامًا كأي طالب في المدارس الحكومية المصرية.
وفي النهاية يحصل الطالب على الشهادات التعليمية الرسمية ابتدائية وإعدادية وثانوية عامة بالتوازي مع دراسته الموسيقية داخل المعهد.
لماذا يبدأ القبول من الصف الثالث الابتدائي وليس من الصف الأول؟
التجارب التعليمية القديمة أثبتت أن أفضل سن لبدء دراسة الموسيقى بشكل احترافي يكون من عمر 9 أو 10 سنوات تقريبًا لأن الطفل يكون أكثر قدرة على الفهم والاستيعاب.
صحيح أن هناك مدارس في اليابان تبدأ مع الأطفال من سن أربع سنوات، لكنها تجربة تحتاج إلى أعداد كبيرة جدًا من أعضاء هيئة التدريس كما أنها تجربة قابلة للنجاح أو الفشل أما التجربة الحالية في الكونسرفاتوار فهي ناجحة معنا حتى الآن.
كيف تتم اختبارات القبول داخل المعهد؟
اختبارات القبول تعتمد بالكامل على اختبارات القدرات الموسيقية، فنحن نختبر ما إذا كانت أذن الطفل موسيقية أم لا وهل يستطيع التمييز بين النغمات بشكل صحيح.
إذا كان الطفل موهوبًا يتم قبوله فورًا أما إذا لم يمتلك الموهبة فلا يمكننا قبوله لأننا بذلك سنكون نعذبه في دراسة شيء لا يستطيع فهمه أو سماعه بشكل صحيح.
الأمر يشبه طالب باليه لديه مشكلة تمنعه من الوقوف على أطراف أصابعه فبالتالي لن يستطيع الاستمرار في هذا المجال.
ما الأقسام والآلات التي يبدأ الطلاب دراستها داخل المعهد؟
الطلاب الذين يلتحقون من الصف الثالث الابتدائي يدرسون آلات الوتريات والبيانو، مثل الكمان «الفيولينة»، والفيولا، والتشيللو، والهارب، بالإضافة إلى البيانو.
أما قسم آلات النفخ فيبدأ القبول به من الصف الأول الإعدادي، ويضم آلات مثل الفلوت، والكلارينيت، والأوبوا، والفاجوت، والكورنو، والترومبيت، والترومبون، والتوبا.
ولدينا أيضًا قسم آلات الإيقاع، ويبدأ القبول فيه من المرحلة الثانوية.
هل يدرس الطالب أكثر من آلة ثم يختار تخصصه لاحقًا؟
لا، الطالب يحدد تخصصه من السنة الأولى فإذا التحق مثلًا بقسم الكمان أو البيانو يبدأ دراسته مباشرة في هذه الآلة.
ويمكنه التحويل لاحقًا، لكن الأمر يكون صعبًا لأنه سيكون مطالبًا بدراسة البرنامج الكامل للسنوات السابقة حتى يلحق بزملائه في التخصص الجديد.
هل يشارك طلاب الكونسرفاتوار في مسابقات ومهرجانات دولية؟
نعم بالتأكيد، وطلابنا يشاركون باستمرار في مسابقات دولية مهمة على سبيل المثال شارك طلاب البيانو مؤخرًا في مسابقة «الفُجيرة»، والتي أصبحت من المسابقات الكبيرة عالميًا، وتضم أسماء مهمة جدًا في لجان التحكيم مثل عازفة البيانو العالمية ناتاليا ترول، كان لدينا العام الماضي ما بين 9 إلى 11 طالبًا مشاركين، وهذا العام شارك 7 طلاب.
وما أبرز الصعوبات التي تواجه مشاركة الطلاب في المسابقات الدولية؟
المشكلة الأساسية مادية، لأن السفر إلى أوروبا والمشاركة في الفعاليات الدولية أصبح مكلفًا جدًا، رغم أن وزارة الثقافة تقدم دعمًا في بعض الأحيان.
كما أن إجراءات السفر والفيزا أصبحت أصعب بكثير خلال السنوات الأخيرة وهناك حالات لطلاب كانوا سيسافرون لتمثيل مصر وتم رفض التأشيرات الخاصة بهم.
هل توجد برامج تبادل طلابي مع كونسرفاتورات أوروبا؟
لدينا بروتوكولات تعاون مع عدد كبير من الكونسرفاتورات الأوروبية، لكن تفعيل هذه البروتوكولات يحتاج إلى ميزانيات كبيرة، لأن إرسال الطلاب للدراسة بالخارج يتطلب تكاليف مرتفعة للغاية.
هل الموهبة وحدها تكفي أم يمكن للدراسة أن تصنع الموهبة؟
الموهبة شرط أساسي ولا غنى عنها الطالب الموهوب هو الذي يستطيع التمييز بين النغمات بشكل صحيح أما إذا كان لا يستطيع التفرقة بين النوتات فلا توجد طريقة لتعليمه بشكل احترافي، لكن درجات الموهبة تختلف فهناك موهبة عالية وأخرى متوسطة والدراسة هنا تأتي لتنمية هذه الموهبة وتطويرها.
ما أكثر الآلات التي يقبل عليها الطلاب حاليًا؟
في الماضي كان الجميع يريد دراسة البيانو، لكن مع الوقت اكتشف الناس أن فرص العمل للبيانو أقل مقارنة بآلات أخرى لذلك أصبح الإقبال أكبر على الكمان «الفيولينة»، لأن العازفين عليه مطلوبون باستمرار في الفرق الموسيقية والأوركسترات.
وهل يتدخل أولياء الأمور في اختيار الآلات الموسيقية لأبنائهم؟
طبيعي جدًا، لأن الطالب في هذه المرحلة يكون صغير السن لكن في النهاية المعهد هو من يحدد التخصص المناسب حسب احتياجات الأقسام وعدد المقبولين، فمثلًا إذا كنت أحتاج خمسة طلاب فقط في قسم الكمان وتقدم ثلاثون طالبًا موهوبًا، أختار العدد المطلوب والباقي يتم توجيههم لتخصصات أخرى مناسبة.
كيف تتعاملون مع الطلاب أصحاب الموهبة الاستثنائية؟
كلما زادت موهبة الطالب أصبح التعامل معه أصعب لأنه يمتلك رؤية و«أذنًا موسيقية» تقوده لما يسمعه ويقتنع به، لذلك يحتاج هذا الطالب إلى أستاذ لديه رؤية أقوى وقدرة كبيرة على الإقناع خاصة أن ثقافتنا العربية مرتبطة أكثر بالغناء واللحن بينما الموسيقى الكلاسيكية تعتمد على أشكال موسيقية مختلفة مثل السيمفونيات التي قد تمتد لنصف ساعة دون غناء.
هل يحصل الأطفال في المحافظات على نفس الفرص الموجودة في القاهرة؟
لدينا طلاب يأتون من المحافظات فعلًا، وهناك فرع غير نظامي للكونسرفاتوار في الإسكندرية، لكن التجربة تختلف بالتأكيد، الطالب الموجود يوميًا داخل المعهد يعيش أجواء الموسيقى والفن طوال الوقت يسمع العزف ويرى التدريبات ويدخل الحصص حتى بشكل غير مباشر بينما الطالب الذي يأتي يومًا واحدًا أسبوعيًا يحصل على تجربة ناقصة نسبيًا.
كيف يبني الأستاذ علاقة ناجحة مع الطالب؟
أي أستاذ لا يستطيع بناء علاقة جيدة مع طلابه فهو يفشل في عمله، لأننا نتعامل مع الطالب لسنوات طويلة جدًا تبدأ من الطفولة وقد تمتد حتى يصبح زميلًا لنا في العمل والأوركسترا هناك دائمًا منافسة بين الأستاذ وتلميذه لكن المهم أن تكون منافسة شريفة قائمة على الاحترام والأخلاق.
ما أبرز الصعوبات التي تواجه الطلاب أثناء الدراسة؟
الوقت هو أكبر تحدي، الطالب يحتاج إلى ساعات طويلة جدًا من التدريب اليومي، إلى جانب الدراسة التعليمية العادية ولدينا «مدرسة الفنون» الخاصة بالمراحل قبل الجامعية، وهي تضم طلاب الكونسرفاتوار والباليه والموسيقى العربية، وتحتوي على صالات باليه وقاعات دراسة ومسارح، والهدف منها توفير بيئة فنية متكاملة للأطفال.
هل يمكن إدخال آلات جديدة للدراسة داخل المعهد؟
بالفعل بدأنا تجربة جديدة لإدخال الجيتار الكلاسيكي الإسباني لأن لائحة المعهد كانت تضم الجيتار ضمن قسم الوتريات، لكن المشكلة كانت عدم وجود أعضاء هيئة تدريس مؤهلين لتدريس المراحل العليا وخلال الفترة الأخيرة وجدنا مدرسًا متخصصًا درس الجيتار داخل مصر وخارجها، فبدأنا التجربة في نظام «غير نظامي» أي أن الطالب يدرس في مدرسة خارجية ويأتي فقط لدراسة الموسيقى داخل المعهد وننتظر نتيجة التجربة حاليًا، خاصة أن إدخال آلة جديدة يعني ضرورة توفير دراسة متكاملة لها حتى الماجستير والدكتوراه.
وهل يوجد قسم للتأليف الموسيقي داخل المعهد؟
نعم، لدينا قسم للتأليف الموسيقي ويبدأ القبول به من المرحلة الثانوية، لكن يشترط أن يكون الطالب لديه معرفة بالعزف على البيانو ودراسة موسيقية جيدة، الدراسة في هذا القسم صعبة، وعدد الطلاب فيه أقل نسبيًا.
وهل يتجه خريجو التأليف الموسيقي إلى مجالات أخرى مثل موسيقى الأفلام؟
بالتأكيد، لأن سوق العمل يفرض ذلك كثير من المؤلفين الموسيقيين يتجهون إلى الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات، مثل الموسيقار راجح داوود، لكن هناك فرق بين المؤلف الموسيقي الذي يبدع بحرية كاملة وبين مؤلف الموسيقى التصويرية الذي يعمل وفق متطلبات المشهد الدرامي فهو يشبه «الترزي» الذي ينفذ المطلوب بدقة.
وكيف ترى تجربة الموسيقار عمر خيرت في الموسيقى التصويرية؟
أنا عملت كثيرًا مع الموسيقار الكبير عمر خيرت وهو يمتلك قدرة استثنائية في هذا المجال، هناك مؤلفون يعانون كثيرًا أثناء الكتابة الموسيقية، بينما توجد نماذج تمتلك موهبة فطرية كبيرة مثل بليغ حمدي الذي كان يقال عنه إنه يستطيع «تلحين الجريدة»وعمر خيرت من هذا النوع الذي أصبح يمتلك ترجمة موسيقية جاهزة للمشهد بسبب خبرته الطويلة في الموسيقى التصويرية لذلك تبدو العملية بالنسبة له أكثر سلاسة وتميزًا.
كيف يوازن المعهد بين دراسة الموسيقى الكلاسيكية الغربية والحفاظ على الهوية الموسيقية المصرية؟
قضية الهوية الموسيقية لا تشغل المؤدي الموسيقي بشكل مباشر لكنها مسؤولية المؤلف أو الملحن الموسيقي أنا كمدرس دوري أن أعلم الطالب كيف يعزف أعمال موتسارت بأسلوب موتسارت، وأعمال بيتهوفن بأسلوب بيتهوفن، أما الهوية المصرية فمسؤوليتها تقع على قسم التأليف الموسيقي وهناك يتم تعليم الطلاب المقامات الشرقية مثل الراست والبياتي إلى جانب الموسيقى الغربية.
الدكتور جمال عبد الرحيم كان يطلب من طلاب التأليف أن يكتبوا أعمالًا بالمقامات العربية، بحيث تظل الهوية موجودة داخل الدراسة، لكن طريقة استغلال كل طالب لهذه الهوية تختلف حسب موهبته. فليس الجميع يمتلك موهبة استثنائية مثل بليغ حمدي.
كيف دخلت التكنولوجيا الحديثة إلى الدراسة داخل المعهد؟
التكنولوجيا ارتبطت أكثر بأقسام التأليف الموسيقي لأن المؤلفين أصبحوا يستخدمون الكمبيوتر في الكتابة الموسيقية بدلًا من الكتابة اليدوية القديمة وهذا سهل عليهم العمل كثيرًا.
أما بالنسبة للعازف أو المؤدي فجوهر العملية التعليمية لم يتغير لأن الآلة الموسيقية نفسها لم تتغير، التكنولوجيا تساعده فقط في الوصول إلى معلومات أكثر أو مشاهدة عروض وفيديوهات تعليمية.
هل حصل المعهد على جوائز رسمية من قبل؟
لا، وهذه نقطة مؤسفة، المؤسسات الكبرى في العالم تحصل على تقدير رسمي من دولها مثل كونسرفاتوار موسكو الذي حصل على «جائزة لينين» مرتين وهي من أعلى الجوائز في فترة الاتحاد السوفيتي، كنت أتمنى أن تحظى أكاديمية الفنون أو الكونسرفاتوار بتقدير مماثل يليق بقيمتهما الفنية والثقافية.
كيف ترى تأثير السوشيال ميديا على الفن والموسيقى؟
بصراحة لا أرى لها تأثيرًا إيجابيًا كبيرًا سوى إمكانية نشر الحفلات والعروض الفنية للطلاب حتى يشاهدها الناس، أما التأثير السلبي فـ«حدث ولا حرج» نحن للأسف لا نستغل السوشيال ميديا بالشكل المفيد وتحولت في أحيان كثيرة إلى مساحة للهجوم والخلافات أكثر من كونها مساحة يمكن ان يعرض عليها الثقافة والفن.
كيف ترى مستقبل الموسيقى الكلاسيكية في مصر والعالم العربي؟
مصر مختلفة تمامًا عن بقية الدول العربية في هذا المجال ولدينا جمهور حقيقي للموسيقى الكلاسيكية منذ سنوات طويلة.
أتذكر عندما جاء التينور العالمي خوسيه كاريراس إلى دار الأوبرا المصرية منذ نحو 30 عامًا، كانت تذاكر حفله تباع في السوق السوداء بأربعة آلاف جنيه، رغم أنه كان يغني بمصاحبة البيانو فقط، كما أتذكر حفل المطربة الإسبانية العالمية مونتسيرات كابايي مع أوركسترا أوبرا القاهرة، وكان المسرح ممتلئًا بالكامل، وحضر الحفل عدد كبير من رموز المجتمع والفن مثل عمر الشريف ونادية العج زوجة ، الجمهور المصري موجود فعلًا، لكنه يحتاج دائمًا إلى تقديم مستوى فني جيد ومستقر.
ما المشكلة الأساسية التي تواجه الموسيقى الكلاسيكية حاليًا؟
المشكلة أن العازفين المميزين يهاجرون باستمرار للعمل في الخارج بسبب الظروف الاقتصادية وضعف الرواتب، خاصة عازفي الكمان «الفيولينة»، وهو ما يؤثر على استقرار الأوركسترات المصرية.
لدينا القدرة على تقديم مستوى أفضل بكثير، لكن ذلك يحتاج إلى دعم حقيقي للفنانين والعازفين.
ما الحلم الذي تتمناه للمعهد وللطلاب؟
حلمي أن يجد الطلاب الذين نتعب في إعدادهم المكان المناسب الذي يقدر موهبتهم داخل بلدهم الطالب يبذل مجهودًا ضخمًا جدًا وأحيانًا يكون تعبه أكبر من تعب الأستاذ نفسه بعشرات المرات، لذلك أتمنى ألا تخسر مصر هذه المواهب بعد كل هذا الجهد.
ما الرسالة التي توجهها للشباب الراغبين في دراسة الموسيقى؟
الرسالة ليست سهلة، لأن دراسة الموسيقى تحتاج إلى جهد كبير والتزام حقيقي وصبر طويل فالطالب يبذل ساعات طويلة من التدريب والعمل المستمر حتى يصل إلى مستوى احترافي ورغم التحديات الموجودة، فإن مصر تمتلك مواهب استثنائية فعلًا مواهب نادرة على مستوى العالم تظهر بشكل يبعث على الفخر لذلك أتمنى دائمًا أن نحافظ على هذه المواهب بشكل أفضل وأن نوفر لها البيئة المناسبة التي تساعدها على الاستمرار والإبداع.














0 تعليق