يكشف "الدستور" عن وثائق نادرة تعود إلى عام 1970 صادرة عن هيئة تلفزيون الجمهورية العربية المتحدة – إدارة المراقبة العامة للشئون المالية والإدارية (مراقبة العقود)، تتضمن تفاصيل دقيقة حول أجور المطربين والملحنين ومؤلفي الأغاني، بعد تقسيمهم إلى فئات مالية محددة، تعكس بدقة مكانة كل فنان على خارطة الطرب آنذاك.
لم تكن هذه القوائم مجرد أرقام تسطرها الدفاتر، بل أشبه بمرآة تعكس صورة كاملة للمشهد الغنائي العربي في ذروة مجده؛ زمنٍ كان فيه التلفزيون المصري منبرًا طاغي الحضور في المنطقة، وحينما خضع الفن لنظام مؤسسي منضبط، اعتبر الغناء جزءًا أصيلًا من قوة الدولة الناعمة وأداة لتكريس ريادتها الثقافية.

فئة الـ100 جنيه: عرش الغناء العربي
في قمة الهرم المالي والفني، تربع كبار الطرب العربي، ضمت القائمة أصواتًا خالدة مثل: ليلى مراد، شادية، فايزة أحمد، هدى سلطان، صباح، نجاح سلام، وديع الصافي، محمد عبد المطلب، محمد الكحلاوي، محمد قنديل، محرم فؤاد، كارم محمود، عبد العزيز محمود، إسماعيل شبانة، وغيرهم.
كما برزت أسماء مهمة مثل الثلاثي المرح، فتحية أحمد، فايدة كامل، شريفة فاضل، شهرزاد، إضافة إلى المطربة أحلام (فاطمة الملاح) وأغاريد السورية وفدوى عبيد، ما يعكس تنوع الأصوات بين مصرية وعربية، نسائية ورجالية.


فئة الـ80 جنيها: الأصوات الوازنة
تضم هذه الفئة مطربين لم يبلغوا قمة الفئة الأولى، لكن حضورهم ظل قويًا ومحبوبًا: محمد رشدي، فهد بلان، إبراهيم حمودة، حورية حسن، عباس البليدي، عائشة حسن وغيرهم.

فئة الـ60 جنيها: جيل الوسط
هنا نجد أصواتًا شكلت وجدان الجمهور العربي بأغاني ما زالت حاضرة: سمير الإسكندراني، سعاد مكاوي، سعد عبد الوهاب، شفيق جلال، شريفة ماهر، عبد الوهاب الدوكالي، ماهر العطار، مها صبري، عصمت عبد العليم، عادل مأمون، عبد اللطيف التلباني، رجاء عبده، نعمت قسومة (ندا)، إلى جانب الثلاثي النغم وغيرهم.

فئة الـ50 جنيها: الكوميديا والطرب معًا
هذه الفئة جمعت بين الغناء والاستعراض والكوميديا والمنولوج أيضًا:، وضمت أسماء مثل: إسماعيل ياسين، سيد الملاح، سيد مكاوي، لبلبة (نونيا كوبلبان)، ثريا حلمي، مديحة عبد الحليم، أحمد غانم وغيرهم.

فئة الـ45 جنيها: التنوع بين الديني والشعبي
برز في هذه الفئة رموز الإنشاد والقصائد الدينية مثل:
سيد النقشبندي، نصر الدين طوبار، محمد الفيومي، محمد الطوخي، مرسي الحريري، إلى جانب أصوات فنية وشابة مثل: ثلاثي أضواء المسرح، محمد العزبي، محمد حمام، طروب (أمل جركس)، ليلى جمال، صفاء لطفي، عمر الجيزاوي، موفق بهجت، نيللي أرتين وغيرهم.

الفئات الأقل: 35 و30 جنيهًا
فئة الـ35 جنيها:
شملت أسماءً ارتبطت باللون الشعبي أو كانت في بداياتها، مثل:
محمد طه، عايدة الشاعر، برلنتي حسن، كمال حسني، نادية نور (عواطف شلتوت)، هند علام وغيرهم.


فئة الـ30 جنيها:
وهنا تكمن المفاجأة؛ القائمة التي تبدو متواضعة بالأجر ضمت أسماء صارت لاحقًا من عمالقة الفن:
بليغ حمدي، سعاد حسني، صفاء أبو السعود، عادل إمام، عبد المنعم مدبولي، صلاح الجبيلي وغيرهم.
كما برزت أسماء عربية لامعة مثل: إبراهيم الكاشف، أحمد المصطفى (السودان)، دلال الشمالي (لبنان)، موفق بهجت (سوريا)، إضافة إلى وجوه فنية واعدة مثل: سيد خليفة، سهير توفيق، سعاد أحمد، فيفي ماهر وغيرهم.

فئة 25 جنيهًا: أصوات تبحث عن مكان
ضمت هذه الفئة أسماء مثل فتحي شريف، محمد متولي سراج وغيرهم، إلى جانب الدويتو الغنائي الشهير رفيعة هانم، الذي كان يمثل لونًا فنيًا محببًا للجمهور آنذاك، كانت هذه الفئة بمثابة "منطقة تجريبية" لصعود الأصوات الجديدة.

فئة 20 جنيهًا: حضور سوداني مميز
اللافت أن هذه الفئة حملت ملامح فنية سودانية خالصة، مثل: أحمد محمد موجود، أحمد المصطفى، صالح الجبلي محمد أبو قرون "صلاح بن البادية"، ماجدة علي
جميعهم أضافوا للوجدان المصري والعربي لمسات مختلفة من الغناء السوداني الأصيل.


فئة 15 جنيهًا: وجوه على مشارف الشهرة
هنا نجد أسماء مثل: خضرة محمد خضر، ثنائي بدر "سلوى وفريال"، أماني جادو، أحمد الحداد، أحمد ماهر، سمسم "صالح عبد الله"، نوال الجزائرلي، نوال ووفاء بغدادي، يوسف شتا وغيرهم.
كثير منهم لمع في الساحة لفترات متفاوتة، بينما بقي آخرون في ذاكرة الفلكلور الغنائي.

فئة 10 جنيهات: البدايات النوبية
تميزت هذه الفئة بحضور قوي للأغاني النوبية فقط، مثل: سونيا جمعة إدريس، فاطمة عبد المقصود أحمد، محمد إبراهيم الأدنداني وغيرهم، إلى جانب أصوات شابة كـ إمام السيد مسلم ونهاني السيد، كانت هذه الأسماء تحمل على عاتقها مسؤولية الحفاظ على التراث النوبي.
أجور الملحنين: الكبار والصاعدين

الفئة "أ" – 150 جنيهًا
في القمة يقف رياض السنباطي، عملاق التلحين وصاحب الألحان الخالدة، إلى جانب عبد الحميد عبد الرحمن.

الفئة "ب" – 100 جنيه
الدهشة الأكبر أن أسماء بحجم: بليغ حمدي، سيد مكاوي، محمد الموجي، كمال الطويل، كانوا في هذه الفئة، أسماء صنعت بعد ذلك أعظم ما غنته أم كلثوم وعبد الحليم وشادية.

الفئة الممتازة "أ" – 80 جنيهًا
أسماء مثل: منير مراد، عبد الحليم نويرة، عزت الجاهلي، وغيرهم، يمثل جيلًا آخر من المجددين.

الفئة الممتازة "ب" – 60 جنيهًا
هنا يظهر محمد سلطان إلى جانب أحمد شفيق أبو عوف (والد فريق الـ 4M).

الفئة الأولى – 45 و35 جنيهًا
في هذه الشرائح وُضع حلمي بكر، رفيق شكري، عبد السلام عامر، وأسماء من جيل الوسط الذين ساهموا لاحقًا في بناء صرح الأغنية المصرية.

الفئة الثانية – 30 و20 جنيهًا
من المفاجآت أن كارم محمود، شفيق جلال، سمير الإسكندراني، عمر الجيزاوي وغيرهم، كانوا هنا برواتب متواضعة، رغم أنهم صاروا فيما بعد علامات فارقة في الغناء.



أجور مؤلفي الأغاني: الشعراء الكبار في بدايات بسيطة

فئة 35 جنيهًا
تصدّرها شعراء غيّروا وجه الأغنية العربية: أحمد رامي، صلاح جاهين، عبد الرحمن الأبنودي، مرسي جميل عزيز، صالح جودت وغيرهم.

الفئة الممتازة (25 – 20 جنيهًا)
شملت أسماء مثل فاروق شوشة، عبد الرحمن الخميسي، فؤاد قاعود، صلاح فايز، وغيرهم، وجميعهم تركوا بصماتهم على الأغنية الوطنية والعاطفية.

الفئة الأولى (15 – 10 جنيهات)
من بينها نبيلة قنديل، سمير عبد الباقي، صلاح الأسير، بجانب محاولات غنائية فرنسية مع كريم طاهر وخالد كريم الطاهر وغيرهم.

الفئة الثانية – 7 جنيهات وفئة المبتدئين – 5 جنيهات
تضم أصواتًا شعرية جديدة وقتها مثل: أحمد عثمان المراغي، رجاء عارف، عبد الله عاصم وغيرهم، هؤلاء لم يكن لهم نصيب كبير من الشهرة، لكنهم يمثلون تنوع المشهد الغنائي.

دلالات الوثائق: الفن مشروع دولة
تكشف هذه الوثائق أن الفن في تلك المرحلة لم يكن نشاطًا فرديًا أو ساحة مفتوحة بلا ضابط، بل جزءًا من المشروع الثقافي للدولة، تُحدد قيمته وفق معايير إدارية ومالية دقيقة، لم يكن الأجر مجرد مقابل مادي، بل شهادة رسمية بوزن الفنان ومكانته في المجتمع.

شهادة على عصر لن يتكرر
لم تكن هذه القوائم مجرد جداول حسابية، بل وثيقة تاريخية تلخص روح حقبة كاملة، حين كان صوت المطرب يصل إلى كل بيت عبر شاشة التلفزيون الرسمي، ورغم بساطة الأجور بمقاييس اليوم، فإنها حملت قيمة رمزية ومعنوية عالية، تُرسّخ المكانة وتُسجل في صفحات التاريخ.















































0 تعليق