لعقود طويلة، ظلت ساحات محاكم الأسرة تئن تحت وطأة قضايا إنكار الانفصال، حيث كانت تُترك آلاف النساء في فراغ تشريعي واجتماعي، تائهات بين كلمة طلاق قيلت في لحظة غضب، وزوج يرفض إضفاء الصفة الرسمية على هذا القرار للتهرب من التزاماته المادية.
اليوم، ومع التحركات البرلمانية المكثفة لإخراج مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026 إلى النور، تنقلب المعادلة تمامًا؛ إذ لم يعد التراخي في إثبات الطلاق مجرد ثغرة يستغلها البعض، بل تحول إلى فخ جنائي يُسقط مرتكبه تحت طائلة القانون.
من المخالفة العابرة إلى مقصلة "الجنحة الجنائية"
التحول الأبرز في الفكر التشريعي الجديد هو تغيير التكييف القانوني لفعل الامتناع عن التوثيق، فبدلًا من التعامل معه كإجراء إداري متأخر يمكن تسويته، ارتقى به القانون ليصبح جنحة متكاملة الأركان، وبمجرد انقضاء المهلة الحتمية (المحددة بـ 30 يومًا من إيقاع الطلاق الشفوي) دون تحرك الزوج صوب الموثق المختص لإثبات الواقعة، يُعتبر الزوج في حالة تلبس بمخالفة نص قانوني صريح، مما يستوجب تحريك الدعوى الجنائية ضده.
هذا التصعيد يعكس إرادة سياسية وتشريعية لإنهاء حالة السيولة في توثيق العلاقات الأسرية.
لم يكتفِ المشرع بالتلويح بالعقاب، بل حدد فاتورة باهظة لمن يسعى لإخفاء طلاقه، وتتأرجح العقوبات المقررة بين سلب الحرية والضربات الاقتصادية الموجعة، حيث يواجه الزوج الذي يمتنع عمدًا عن التوثيق في الميعاد المحدد عقوبة الحبس، أو غرامات مالية طائلة (تقدرها المحكمة وقد تتجاوز في بعض مسودات المشروع سقف الـ 50 ألف جنيه)، وتتضاعف قسوة العقوبة إذا ثبت للمحكمة أن التأخير كان مصحوبًا بـ "نية الإضرار" أو محاولة الإخفاء العمدي عن الزوجة للاستمرار في مساكنتها بالباطل.
اللافت في التشريع الجديد أنه لم يستثنِ الموظف العام من دائرة العقاب، فإذا تورط المأذون الشرعي في إخفاء الطلاق، أو تواطأ مع الزوج لتأخير الإثبات في الدفاتر الرسمية، أو تلاعب في عناوين الإخطارات لمنع وصولها للزوجة، فإنه يواجه شبح العزل من الوظيفة، إلى جانب الحبس والغرامة، باعتباره شريكًا في تعطيل سير العدالة.
















0 تعليق