في ليلة العيد، بينما يستعد الجميع للاحتفال بعيد الأضحى المبارك وذبح الأضاحي، يستقبل الحرفيون الطلبات بلا توقف، ويسابقون الزمن مع تسارع وتيرة الإنتاج داخل الورشة، تتناثر ألواح الصاج وتتعالى أصوات الأدوات في كل زاوية، وسط عمل متواصل لإنجاز أكبر عدد ممكن من الشوايات، حتى تخرج الشوايات المصنوعة يدويًا واحدة تلو الأخرى، لتنافس المنتجات المُصنّعة آليًا، بل وتتفوق عليها في المتانة والدقة، لتبقى هذه الحرفة واحدة من المهن التي تستعيد بريقها كل عام مع اقتراب موسم الأضاحي، حين تتحول الورش إلى خلايا عمل لا تهدأ حتى ساعات الصباح الأولى.
ويروي "جمعة" لـ"الدستور" أن حِرفة صناعة الشوايات ممتدة منذ قديم الأزل.. بدأ شقيقه الأكبر العمل بها أولًا، فتعلّمها داخل إحدى الورش حتى أتقنها، ثم افتتح ورشته الخاصة، وبعدها ظل جمعة يراقبه عن كثب لفترة من الوقت، حتى لاحظ أخيه شغفه واهتمامه بالصنعة فبدأ أن يعلمه إياها خطوة بخطوة حتى "تشرب المهنة" على حد وصفه، فأتقن كل تفاصيل المهنة، حتى أنه بعد مرور سنوات استلم راية الورشة من أخيه، فأصبح يديرها من بعده، وبدء أن ينقل خبرته بالمهنة إلى أشخاص آخرون، مشيرًا إلى أنه يخطط إلى أن يعلم أبناءه الصنعة منذ الصغر، حتى ينشأوا عليها ويتقنوا تفاصيلها، حيث يرى أن تعلم الحرف يعتبر مصدر دخل آمن إلى جانب الشهادات التعليمية.
ويوضح صانع الشوايات تفاصيل عمله قائلًا إن الخامة الأساسية تأتيه على شكل ألواح كبيرة، ثم يبدأ جمعة بتقطيعها إلى مقاسات مختلفة على حسب مقاس كل قطعه من الشواية مثل الجوانب، القاع، الأرجل، واليدين، وبعدها يستخدم المكبس لتشكيل قطع الصاج لتأخذ كل قطعة شكلها، كما أنه يستخدم المكبس في تشكيل الأجزاء الدقيقة مثل "السنون" الموجودة على أطراف الشواية، ثم يبدأ في تنفيذ التخريمات والزخارف الخارجية، مضيفًا أن مرحلة التجميع تعتبر آخر مرحلة تمر بها الشواية، حيث يتم لحام القطع التي جهزها سابقًا، لتصبح لدينا شواية بجودة عالية خلال مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز الخمس دقائق.
وعلى الرغم من التطور التكنولوجي ودخول الماكينات الحديثة على المهنة إلا أن "جمعة" يرى أن جودة العمل اليدوي لا يضاهيها أي تكنولوجيا، كما أن الماكينات لها نمط معين تكرره، أما العمل اليدوي فيستطيع من خلاله أن يطور من عمله ويبتكر أشكال جديدة دون أن يكون مقيدًا بماكينة معينة - بحسب حديثه، مؤكدًا أن الصناعة اليدوية تخرج منتج عالي الجودة لا يتأثر بالصدمات.
ويشير "جمعة" إلى أن بعض الصناع يلجأون لاستخدام خامات مختلفة لتقليل التكلفة، لكنه يحرص على استخدام خامة واحده في الشواية بالكامل لضمان جودتها، موضحًا أن خامات الشوايات تتنوع بين الخامات الخفيفة كالصاج، والخامات الثقيلة كالاستانلس، إضافة إلى خامة "الاستانلس النحاسية" التي تعطي نفس لون ورونق النحاس، لكنها لا تصنع من النحاس، إذ أنه لا يتم تصنيع الشوايات بالكامل من النحاس، بسبب خصائصه التي لا تتناسب مع هذا النوع من الاستخدام.
"العيد الموسم بتاعنا".. هكذا يصف صانع الشوايات فترة عيد الأضحى المبارك، التي تمثل ذروة العمل بالنسبة لهم، موضحًا أن الاستعدادات تبدأ مبكرًا، منذ عيد الفطر، وتستمر حتى حلول موسم الأضحى، مضيفًا أن أسعار الشوايات تختلف على حسب الحجم والخامة، حيث اصغر حجم من الصاج 70 سنتيمتر يبلغ حوالي سبعين جنيهًا، والحجم الاكبر 100 جنيه، والمتوسط 120 جنيهًا، والحجم الكبير 150 جنيهًا.













0 تعليق