الثلاثاء 26/مايو/2026 - 03:03 م 5/26/2026 3:03:18 PM
من أغرب ما أفرزته مواقع التواصل الاجتماعى- لا سامحها الله فى الآونة الأخيرة- ظاهرة شبيه الفنان!
أن يتحول بعض الناس إلى «مشروعات تقليد» تمشى على قدمين، لم يعد الواحد منهم يُعرِّف نفسه بما تعلمه أو أنجزه أو أبدعه، بل بما لا يد له فيه؛ أن خلقه الله يشبه الفنان «فلان»!
تفتح هاتفك فتجد شبيه سعيد صالح، وشبيه أحمد زكى، وشبيه رشدى أباظة، وشبيهة زبيدة ثروت، الله يرحمهم جميعًا، وكأننا أمام معرض دائم للنسخ البشرية، لا أشخاص حقيقيين لهم هويات مستقلة وأحلام وتجارب خاصة.
والسؤال البديهى الآن...
هناك شخص تصادف أن تشبه ملامحه بعض ملامح فنان، أين الإنجاز فى هذا؟!
ما الذى حققه هذا الإنسان لأن ملامحه جاءت بالصدفة قريبة من ملامح شخص آخر؟ هل بذل جهدًا؟ هل تعلم علمًا؟ هل قدم فنًا؟ هل اخترع شيئًا؟ أم أن كل ما حدث أن الجينات لعبت لعبتها المعتادة، فخرج وجه يشبه وجهًا آخر؟
الغريب فى الأمر أن بعض هؤلاء لا يكتفون بمجرد التباهى بالشبه الذى لم يختاروه، ولا فضل لهم فيه، بل بدأوا فى استكمال عملية التنازل الطوعى عن شخصياتهم بتقليدهم لطريقة الكلام، والضحكة، وتسريحة الشعر، والملابس، وحتى نظرات العين. شيئًا فشيئًا يختفى الإنسان الحقيقى، وتبقى صورة مستعارة يعيش داخلها صاحبها ليل نهار.
وأقول لكم بصراحة.. لا، بل أعترف لكم الآن أننى كلما شاهدت أحد هؤلاء الأشباه، لا أسأل نفسى: كم يشبه الفنان الفلانى؟ بل أسأل: ماذا تبقى من شخصيته هو؟ ما الذى استفاده؟ وما الذى كسبناه؟!
ماذا يشعر الإنسان عندما يقضى وقتًا من عمره، أو عمره كله ربما، باعتباره نسخة باهتة من غيره؟
ويصبح اسمه الحقيقى أقل أهمية من لقب «شبيه فلان»؟
عندما يصفق له الناس ليس لأنه هو، بل لأنه يذكرهم بشخص آخر؟
أليست معادلة قاسية؟!
شهرة تُبنى على غياب صاحبها. كلما نجح فى تقليد الآخر، تراجع حضوره الشخصى، وكلما اقترب من الشخصية الأصلية، ابتعد هو عن نفسه.
المفارقة الأكبر أن المشاهير الذين يقلدهم هؤلاء لم يصنعوا أسماءهم بالتشبه بأحد. لم يصبحوا نجومًا لأنهم كانوا نسخًا من غيرهم، بل لأنهم امتلكوا شخصيات استثنائية وبصمات خاصة.
وصلوا لأنهم كانوا أنفسهم، بينما يحاول بعض أشباههم الوصول عبر التخلى عن أنفسهم.
ولأن مواقع التواصل تكافئ كل ما هو سريع وغريب، أصبحت هذه الظاهرة حاضرة بكثافة فى المحتوى المتداول على مواقع التواصل، وتحولت إلى تجارة رائجة.
هل يكفى أن يشبه شخص فنانًا راحلًا حتى تنهال عليه المقابلات والتعليقات والمتابعون؟!
لا أحد يسأل ماذا يملك من فكر أو موهبة أو رؤية؛ هو فقط يحمل ملامح شخص آخر، وهنا تكمن المشكلة.
المشكلة الحقيقية حين يصبح التقليد بديلًا عن التميز، والاستنساخ بديلًا عن الشخصية، والشبه بديلًا عن القيمة.
الإنسان ليس صورة فوتوغرافية مكررة، ولا نسخة احتياطية من أحد؛ لكل إنسان قصة لا يملكها غيره، وصوت لا يشبه سواه، وتجربة لا يمكن استنساخها.
لذلك تبدو مؤلمة تلك اللحظة التى يقرر فيها إنسان أن يتخلى عن كل ما يميزه، ليعيش عمره كله باعتباره ظلًا لشخص آخر.
حفظ الله مصر

















0 تعليق