يقف جبل عرفات شاهداً شامخاً على حكايات إيمانية تهتز لها القلوب وتتلاقى عندها جموع الحجيج في مشهد مهيب يتكرر مع كل عام هيدري، غير أن هذا المكان المقدس يحمل في طياته أسراراً جيولوجية موغلة في القدم تفوق في عمرها تاريخ الوجود البشري نفسه، حيث تحولت صخوره الصامتة عبر العصور إلى أرشيف كوني حي يسجل تفاصيل نشأة القشرة الأرضية وتقلباتها التكتونية، ليتجاوز دوره الديني المعتاد ويصبح قبلة لعلماء الفيزياء والجيولوجيا الباحثين عن فك شفرات كوكبنا السحيق، والذين وجدوا في تضاريسه تاريخاً حافلاً بالتحولات التي واكبت ولادة معالم جغرافية كبرى في قلب المنطقة العربية والمحيط الإقليمي بأكمله
أسرار صخور الجرانوديوريت والروابط التكتونية القديمة مع نشأة البحر الأحمر
وحسب تقارير صحفية نجح علماء مختبر فيزياء الإشعاع بقسم الفيزياء بمعهد كومساتس لتكنولوجيا المعلومات في باكستان، عبر دراسة علمية متخصصة نشرت في دورية عالمية مرموقة، في فتح الملفات الجيولوجية السرية المخبوءة داخل الصخور الصلبة ليتضح أن الجبل ارتبط بنشأة البحر الأحمر، حيث بينت التحليلات المخبرية الدقيقة للعينات الصخرية المأخوذة من السطح الذي يطأه الحجاج بأقدامهم أنها تنتمي إلى فئة صخور الجرانوديوريت النارية العميقة، وهي تلك الصخور المتصلبة التي نتجت عن تبريد بطيء جداً للصهارة البركانية في أعماق الأرض السحيقة، مما منحها صلابة استثنائية وبنية بلورية غنية بمعادن مألوفة ومتداخلة كيميائياً مثل الكوارتز والفلسبار والميكا
ولكي يتمكن الفريق البحثي من سبر أغوار الزمن ومعرفة التاريخ الحقيقي لتكون جبل عرفات، تم الاعتماد على تقنية بالغة الدقة والتعقيد تعرف في الأوساط العلمية بالتأريخ بالمسارات الانشطارية، وهي وسيلة تعتمد على تتبع ذرات عنصر اليورانيوم غير المستقرة والموجودة بكميات ضئيلة للغاية داخل البلورات، حيث تنشطر هذه الذرات تلقائياً مع مرور الوقت مخلفة وراءها خدوشاً مجهرية دقيقة وحفوراً ميكروسكوبية ثابتة في البنية الصخرية، ولا يمكن رؤية هذه الآثار بالعين المجردة بل تتطلب عمليات صقل ومعالجة كيميائية معقدة وفحصاً دقيقاً تحت المجاهر المخبرية المتطورة، لتكشف عن شبكة خطوط تحاكي التصدعات الزجاجية متناسبة طردياً مع عمر الصخرة ونشأتها الأولى
وقد قادت هذه الفحوصات الدقيقة إلى اكتشاف علمي مذهل يثبت أن صخور جبل عرفات، تعود لعصر الميوسين المتأخر وتحديداً لفترة زمنية سحيقة تقدر بنحو تسعة ملايين عام كاملة، مما يعني أن هذا المعلم ليس مجرد تشكيل تضاريسي حديث بل هو سجل جيولوجي واكب مرحلة تكتونية عظمى، تمثلت في انفصال شبه الجزيرة العربية عن القارة الأفريقية وانفتاح البحر الأحمر وتغير الملامح الجغرافية الكبرى للعالم، لتصبح صخور هذا الموقع المقدس دليلاً مادياً حياً يحفظ بين طياته قصة تكون أحد أهم الممرات المائية والبحار الحيوية في تاريخ البشرية، وهي معطيات تضفي بعداً علمياً وتاريخياً مذهلاً على المكان
طمأنينة بيئية تؤكد سلامة الصخور وخلوها من المخاطر الإشعاعية
ولم تتوقف الدراسة الباكستانية عند حدود التأريخ الجيولوجي وفك الشفرات التكتونية لبلورات جبل عرفات، بل امتدت لتجيب عن تساؤلات حيوية تتعلق بالسلامة البيئية والصحية للملايين الذين يتدفقون سنوياً نحو هذا المشعر، حيث قام الباحثون بقياس مستويات العناصر الطبيعية المشعة المتواجدة عادة في صخور الجبال مثل اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم، وجاءت النتيجة لتؤكد أن مستويات الإشعاع الطبيعي في الجبل آمنة تماماً وخالية من أي مخاطر صحية، وتتوافق كلياً مع المعايير والقياسات الدولية المعتمدة لسلامة البشر، مما يمنح الطمأنينة الكاملة لجميع الزوار ويؤكد أن البيئة المحيطة بالموقع متوازنة وصحية ومثالية لاستقبال الحشود البشرية الهائلة
وفي سياق متصل علق الدكتور حسن بخيت نائب رئيس اتحاد الجيولوجيين العرب على هذه النتائج، مؤكداً أن وجود نشاط إشعاعي طبيعي ضئيل داخل الصخور النارية لجبل عرفات هو أمر طبيعي جداً، ولا يشير أبداً إلى وجود أي خطر استثنائي أو تهديد صحي على سلامة المعتمرين والحجاج، نظراً لأن معظم الصخور العميقة المرتبطة بالدرع العربي تحتوي في أصل تكوينها الكيميائي على نسب متدنية من هذه العناصر المشعة الطبيعية، مبيناً أن العبرة العلمية تكمن دائماً في حجم ومستوى الجرعة الإشعاعية الفعلية المنبعثة والتي أثبتت الفحوصات والتحاليل المخبرية أنها تقع ضمن الحدود الطبيعية الآمنة ولا تشكل أي ضرر.















0 تعليق