فى مقهى صغير فى القاهرة، أوائل العشرينيات، يجلس شاب فى منتصف العشرينات. البدلة أوروبية، ضيقة قليلًا، مش لأنها مش مقاسه، بل لأنه لابس فكرة أكتر ما هو لابس قماش. يمسك فنجان قهوة. مش شاى. وده لوحده تفصيلة. لأن المصرى بيشرب شاى. والقهوة والشاى عندنا مش مسألة عطش، دى مسألة مزاج. بس الشاب ده مش بيشرب لمزاجه، هو بيقدّم نفسه. والقهوة جزء من الأداء. فنجان صغير يقول عنه ما هو مش قادر يقوله بنفسه: أنا رجل يفهم. أنا رجل مختلف. أنا رجل يستحق أن يُرى.
على المسرح الصغير فى زاوية المقهى، مطرب شاب يغنى. صوته مش مميز، يعنى لو حد من الجمهور طلع مكانه ما حدش كان هيفرّق. والكلمات تحس إنها اتكتبت فى نفس القعدة، كلام يشبه كلام اللى بيسمعوه، حوار عادى على لحن. والجمهور يصفق قبل ما الجملة تخلص. مش تقييم للأغنية. لكن إيصال حضور: أنا هنا، أنا فاهم، أنا جزء من المشهد.
الشاب صاحب البدلة يهز رأسه بإعجاب محسوب. يلتفت حوله. مش عشان يشوف مين بيسمع. عشان يتأكد أن حد بيشوفه وهو بيسمع. الفرق مهم. لأن الموضوع من الأول ما كانش الأغنية. الموضوع كان: أنا مين فى المشهد ده؟ وهو بيقضى فى المقهى وقت فراغه، اللى بقى أصلًا مش فارق كتير عن باقى وقته وحياته عمومًا.
هل المشهد ده تافه؟
السؤال سهل. والإجابة اللى بتيجى فى ثانية، أيوا طبعًا، مريحة أكثر من اللازم. أغنية مش فارقة، جمهور بيدوّر على حاجة يعملها بوقته، شاب بيتظاهر بحاجة مش هو. كل العناصر جاهزة عشان نستنتج إن ده «تفاهة» ونعدّى.
بس الاستنتاج ده فيه كسل فكرى أكتر ما فيه دقة.
لأن التفاهة اللى هنتكلم عنها مش تفاهة المشهد. المشهد عادى. مقهى وأغنية وناس قاعدة. التفاهة فى المحتوى. فى إن المطرب بيغنى كلام مش فارق عن الكلام اللى الجمهور بيقوله لبعضه. فى إن الشاب بيلعب دور مش بيعيش حياة. فى إن كل اللى فى القهوة بيشاركوا فى أداء جماعى من غير ما حد فيهم يعرف إنه بيمثّل. المشاركين هم المحتوى. والمحتوى تافه.
التفاهة مش غباء. الغبى ما بيفهمش، وده مش ذنبه. التفاهة مش جهل. الجاهل ما يعرفش، وده ممكن يتصلّح. التفاهة حتى مش سطحية. السطحى بيعوم على الوش لأنه ما يعرفش يغوص.
التفاهة آلية. علم تقريبًا. نظام بيحكم علاقتنا ببعض وبالمجتمع وبالمنتج اللى بنستهلكه وبالكلام اللى بنقوله. لما النظام كله، الشغل والتعليم والإعلام والسوق، يتصمم بحيث إن اللى بيسأل «ليه؟» يبقى عبء، واللى بيقول «حاضر» يبقى مثالى. لما العمق يبقى مش ممنوع بس، ده يبقى غير عملى. ما حدش بيقولك «ما تفكرش». بس كل حاجة حواليك بتقولك «ما تتعبش نفسك». والمتوسط يبقى مش نتيجة بل هدف. مش لأنه كويس. لأنه كفاية. أو أكثر من اللازم أصلًا. لأن المتوسط ما بيهزّش حاجة، مش بيسأل أسئلة صعبة، مش بيضايق حد ولا بيخلّى حد يراجع نفسه.
ده اللى قصده آلان دونو لما سمّى كتابه «نظام التفاهة»: مش إن الناس بقت تافهة، بل إن النظام بقى يشتغل أحسن لما الناس ما تبقاش عميقة.
والفرق بين الاتنين هو الفرق بين مرض عارض ومرض مزمن. العارض بيعدّى. المزمن بتتعايش معاه لحد ما تنسى إنك مريض.
خلينا نبعد شوية عن المقهى ونسأل سؤال أبسط: إيه اللى كان بيحصل بره؟
الحرب العالمية الأولى كانت خلصت من سنين قليلة. بس «خلصت» هنا كلمة مضللة. الحرب خلصت رسميًا، بوقف إطلاق نار ومعاهدات ورسم حدود جديدة على خرائط قديمة. لكن اللى كسرته الحرب ما اتصلّحش بتوقيع.
لأن الحرب دى ما كسرتش دول بس. كسرت وعد.
الحداثة الأوروبية كانت مبنية على فكرة واحدة كبيرة: العقل والعلم هيوصلونا لعالم أحسن. التقدم خط مستقيم. كل جيل أحسن من اللى قبله. كل اختراع خطوة للأمام. والإنسان، بالعقل، قادر يحل أى مشكلة.
الحرب أثبتت إن نفس العقل ونفس العلم ممكن يصمموا مذبحة صناعية بكفاءة مذهلة. الغاز السام ما اخترعهوش جاهل. اخترعه عالم كيمياء. والخنادق اللى مات فيها الملايين ما كانتش عشوائية. كانت مصممة بدقة هندسية.
فاللى اتكسر مش جيوش. اللى اتكسر هو اليقين نفسه. فكرة إن الدنيا ماشية لمكان أحسن، وإن فيه نظام وراء الفوضى، وإن المستقبل يستاهل الانتظار.
والغريب إن بعض الصراعات زمان، بكل قسوتها، كان ليها أعراض جانبية مش كلها سيئة. الحضارة المصرية القديمة أثرت فى اليونان، واليونان نقلت اللى اتعلمته وبقت أصل التنوير الأوروبى، والحضارة الإسلامية فى عز صراعاتها كانت بتنقل علم وتبنى مدن وتترجم كتب. مش كل الحروب طبعًا. المغول والتتار والهكسوس ما سابوش ورهم غير رماد. بس كان فيه لحظات فى التاريخ الصراع فيها أنتج تعرّض وتعلّم، لو من غير ما حد يقصد.
بعد الحرب العالمية الأولى اتغيّر ده كله. الحرب بقت من بعيد. بقت صناعية. ضحاياها ناس عادية ما لهمش علاقة بالقرار. ومافيش من وراها غير ضحايا وتفاهة. حتى الحروب نفسها بقت تافهة.
والناس اللى طلعت من الحرب دى ما فقدتش أرض أو فلوس بس. فقدت السبب.
والإنسان اللى بيفقد السبب مش بيقعد يفكر فى فلسفة. بيدوّر على حاجة، أى حاجة، تملا الفراغ قبل ما يبلعه.
ارجع للمقهى.
الأغنية مش تعبير عن سطحية. هى تعبير عن حاجة أعمق وأقسى: إن الناس دى مش عارفة تتعامل مع الصمت اللى الحرب سابته. الأغنية مش إجابة. هى مسكّن. والفرق بين الإجابة والمسكّن إن الإجابة بتخلّيك تتحرك، والمسكّن بيخلّيك تستحمل إنك واقف.
ولحد هنا، الموضوع طبيعى. أى مجتمع بيخرج من صدمة كبيرة بيعمل كده. بعد النكسة ظهر عدوية. بعد حرب لبنان ظهر المسرح التجارى. بعد أى انهيار كبير، أول حاجة الناس بتطلبها مش العمق. القدرة على التنفس.
لكن اللى حصل بعد الحرب العالمية الأولى كان مختلف فى حاجة واحدة حاسمة.
حد اكتشف إن المسكّن ده ممكن يتباع.
هنا بالظبط المفصل اللى ما حدش بيقف عنده. مش لأنه مخبى. بل لأنه مُحرج.
الاكتشاف ما كانش مؤامرة. ما حدش قعد فى غرفة مظلمة وقال «تعالوا نصنع التفاهة». الموضوع كان أبسط من كده وأخطر. السوق بطبيعته بيراقب. بيشوف إيه اللى الناس بتشتريه. وبعد الحرب، السوق لاحظ حاجة مهمة جدًا: الراحة بتتباع أسرع من الحقيقة.
الأغنية السهلة أسهل فى الإنتاج وأسرع فى الاستهلاك وأكثر ربحًا من السيمفونية. المجلة اللى فيها صور وكلام قليل بتوصل لناس أكتر من الكتاب اللى فيه أفكار. والمنتج الثقافى اللى مش بيطلب من المستهلك مجهود، بيكسب.
ده مش حكم أخلاقى. ده وصف لآلية. والآلية دى عندها منطق بارد: إذا كان الإنسان المكسور بيشترى أسرع من الإنسان الواعى، يبقى من مصلحة السوق إن الكسر ما يتصلّحش. مش إنه يزوّد الكسر. لأ. بس إنه يخلّى النقاهة تطول. تطول قوى. لحد ما النقاهة نفسها تتحول من مرحلة مؤقتة إلى حالة دائمة.
ودونو شاف الآلية دى بوضوح لكن من زاوية تانية: المؤسسات. النظام الحديث لا يحتاج عباقرة. يحتاج موظفين قابلين للاستعمال.
مثقفين يعرفون متى يصمتوا. خبراء ينفّذوا من غير ما يسألوا ليه.
بس دونو كان بيوصف القرن العشرين المتأخر. إحنا هنا فى العشرينيات. النظام لسه ما اتبنيش بالكامل. لسه فى مرحلة التجربة. والتجربة محتاجة أداة.
الأداة وصلت.
مش الإنترنت. مش السوشيال ميديا. حاجة أقدم بكتير وأخطر فى سياقها: الراديو.
قبل الراديو، التفاهة كانت محلية. كل قرية ليها مغنيها السهل وحكاويها الفارغة ونكتها السخيفة. بس كل ده كان محدود. بيوصل لعشرين واحد فى قهوة، خمسين فى سوق، مية فى مولد. التفاهة كانت موجودة بس ما كانتش صناعة. كانت عرض جانبى للحياة.
الراديو غيّر ده كله. لأول مرة فى التاريخ، بقى ممكن توصّل نفس المحتوى، نفس الأغنية ونفس الإعلان ونفس النكتة، لملايين فى نفس اللحظة. والأهم: من غير ما المتلقى يحتاج يتحرك أو يختار أو يبذل أى مجهود. بيجيله لحد البيت. بيدخل ودنه وهو بياكل أو بيشتغل أو بينام.
الراديو ما اخترعش التفاهة. بس اخترع حاجة أخطر: القدرة على توزيعها بكفاءة صناعية. وبين اختراع المنتج وبين القدرة على توزيعه، بيحصل التحول الحقيقى. المنتج اللى كان عرض جانبى بيتحول لمنتج أساسى. واللى كان مسكّن مؤقت بيتحول لوجبة يومية.
والوجبة اللى بتتاكل كل يوم مش محتاجة تقنعك إنها مفيدة. محتاجة بس تكون سهلة.
المعادلة فى النهاية بسيطة. وده اللى يخلّيها مخيفة:
الحرب أفرغت الإنسان من اليقين.
السوق اكتشف إن الفراغ ده مُربح.
التكنولوجيا وصّلت المنتج لكل بيت.
والنتيجة إن التفاهة اتحولت من ردّ فعل إنسانى طبيعى، مشروع ومفهوم، إلى نظام إنتاج. مش لأن حد خطط لده. بل لأن ما حدش خطط ضدّه.
نرجع للمقهى للمرة الأخيرة. الشاب صاحب البدلة لسه قاعد. الأغنية خلصت. المطرب نزل من على المسرح. القهوة بردت.
الشاب مش تافه. ده أهم حاجة نفهمها. الشاب ده كان إنسان خرج لتوه من عالم فقد معناه، وقعد فى أقرب مكان فيه ضوء ودوشة عشان ما يسمعش الصمت اللى فى راسه.
بس من غير ما يعرف، ومن غير ما حد يقوله، كان بيعمل حاجة تانية: كان بيدفع. فنجان القهوة، تذكرة الحفلة، المجلة اللى فى جيبه. كل ده فلوس. وكل ده بيقول للسوق: «المنتج ده شغّال. كمّل.»
ما كانش يعرف إنه بيأسس لحاجة. ما كانش يعرف إن اللى بيعمله النهاردة هيتكرر بعد مية سنة على شاشة موبايل. ما كانش يعرف إنه أول عميل فى نظام لسه ما اتسمّاش.
بس الجارسون، لو حد كان سأله، كان ممكن يقول ببساطة:
«الراجل ده بييجى كل يوم. بيطلب نفس الحاجة. ومش فاكر إنه بيطلبها.»
ربما هنا بالظبط يبدأ نظام التفاهة: مش لما نختار السطحى... بل لما ننسى إننا اخترناه اصلا
- المقال القادم: «الموظف المثالى»














0 تعليق