الهبوط السريع

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما التقته خطفها بريق إيمانه، وبعد عدة لقاءات كان خلالها حريصًا على إقامة الصلاة فى وقتها، والتسبيح الذى لم يفارق يديه بعدد حبات المسبحة.

وقفت ريهام أمام المرآة، ما زالت فى ربيع عمرها، جميلة، جذابة، ثم حدّثت نفسها: 

«هذا هو الرجل الذى سيعوضنى عما فاتنى من زيجتين فاشلتين، فقد خُدعت مرتين من رجلين أقل ما يقال عنهما إنهما يتسمان بالكذب والخداع والنفاق حتى استوليا على أمان روحى، ولم أعد أثق بأى رجل يتقرب إلىَّ حتى ظهر لى سالم، ذلك الرجل الصالح الذى سيؤم حياتى للأفضل، وحتمًا سيتقى الله فى امرأة خانها الزمن وألقى بها فى غياهب تجارب مريرة». ثم ابتسمت للمرآة وطلبت سالم تبلغه بموافقتها.

تم الزفاف فى حفل عائلى بسيط وصديقتها رحمة، التى كانت سببًا لمعرفتها به، فهو كان يتردد عليها فى العمل فى إحدى المصالح الحكومية لإنهاء بعض الأوراق الخاصة به، ونشأ بينهما بعض الحديث الذى نم عنه صداقة طفيفة.

بدأت ريهام حياتها معه مطمئنة بأن هذا الوقور سيتولى رعايتها ورعاية ابنتها.

وفى ليلة زفافهما أقسم إنه سيكون ظهرًا وسندًا لها، وسيكون عوضًا عن كل جرح أصابها من الماضى، ابتسمت ابتسامتها البريئة وقالت:

«ربنا يبارك لنا فيك».

بمرور الوقت شعرت ريهام بانسحاب الاطمئنان من قلبها، فهو يتأخر خارجًا كثيرًا، وعندما تراه، تلاحظ احمرار عينيه، وعندما يتكلم يتلعثم، يثقل لسانه، بدأ شيئًا فشيئًا القناع المقدس الذى يرتديه يتراخى، وصورة وجهه تتغير، حياؤه يقل، ينفلت اللسان عن أسلوب بذىء، سخرية، تسلط، لا يعطيها من المال إلا أقل القليل؛ بحجة أن أحدهم قد نصب عليه بمقدار كبير من المال.

هو لا يهتم من أين تكمل ريهام نفقات المعيشة واحتياجاتها الشخصية، وعندما يجد المنزل لا ينقصه شىء، لا يسألها من أين أتت بالنقود التى اشترت بها كل هذه الأشياء.

بل أصبح يطمع حتى فى متعلقاتها الشخصية، مثل نظارتها الشمسية الثمينة، ميداليتها، مصوغاتها الذهبية، وسيارتها.

تعجبت ريهام من هذه البلادة، وفى لحظة مواجهة سددت نظراتها فى عينيه الحمراوين:

«ممكن تفسر لى ما يحدث، فكيف تقبل على نفسك أن أكون أنا المسئولة عن تحمل أعباء المعيشة، وما سر نظراتك المتهالكة وهزال جسدك والهذيان الذى يرافق عقلك دائمًا؟».

ترقرقت الدموع فى عينيه، ثم أدار وجهه:

«الأدوية التى أتناولها والمسكنات القوية بسبب ضيق التنفس المستمر فى صدرى، هى التى تسببت لى فى هذه الحالة، سامحينى وسأحاول التماسك».

ورغم خجل ريهام من نفسها وشعورها بأنها أحرجته، فإن عقلها ساوره الشك، ولم يصدقه، قررت البحث وراءه، اتصلت بصديقتها رحمة تسألها عن المرض الذى يتعاطى له هذه العقاقير الطبية كما قال لها:

فوجئت برد رحمة الذى لم يكن مسكنًا لها، بل كان سببًا فى جرح آخر، فقالت لها:

«ولماذا أنتِ بعد كل هذا العمر وتجاربك السابقة الفاشلة لم تتحرِ عنه؟».

«مَن سيصدق أنكِ الضحية فى كل مرة؟».

من الصدمة استلقت ريهام على السجادة، أغمضت عينيها على دموع محبوسة ولم تشعر بشىء، وكأنها فقدت الوعى.

استيقظت على أصوات العصافير واليمام تصدح حول الشرفة، فتحت عينيها ببطء على شعاع من الشمس وصوت اليمام ينادى:

«وحدوا ربكم».

وكأنها رسالة نورانية تسكن قلبها.

وبينما هى شاردة سمعت رنة هاتفه، فاتجهت إليه والتقطته، فوجدت رسالة من طليقته:

«إلى متى ستظل أيها المدمن تهمل احتياجات أبنائك؟».

مسحت الرسالة حتى لا يعرف أنها قرأتها وتركت الهاتف بجانبه كما هو.

خافت ريهام على ابنتها، فقررت أن ترسلها للإقامة مع جدتها، وتفرغت للبحث والسؤال عن سالم جيدًا.

وللأسف استقبلت الحقيقة التى جاءتها متأخرة بصدر صلد، وصاحت باكية:

«إنه مدمن، مخادع، يبيع الوهم للناس ويحتال عليهم، وقد استولى أيضًا على ما تبقى معى من مجوهرات وميراث؛ بحجة أن التجارة هى الأصلح، وعائلته تعلم عنه كل هذا الانحراف، ولم يكتفوا بكتم الحقيقة عنى، بل حضروا أيضًا عقد القران ولم يأنبهم ضميرهم، فبحضورهم لم يتركوا لى مساحة للشك فى أمره، فهم أناس يبدو عليهم الاحترام والعفة، وموافقتهم هى التى طمأنتنى، آه يا إلهى، الآن علمت سر فشله مع زوجته السابقة، فهى ليست سيئة كما ادعى عليها، يا الله ماذا سأفعل؟».

فكرت أن تتصل برحمة مرة أخرى لتبلغها بأنه نصاب، وبأنها هى السبب فى إيقاعها بهذا الشرك.

بدأ القلق والتوتر يعتريانها، ألقت الفكرة من رأسها ثم حدّثت نفسها قائلة:

«خوارها سيكون مزعجًا، هذه الحمقاء تذكرنى بفشلى بالرغم من خيبتها وانكسارها الواضح، فهى لا تحب زوجها وما زالت عالقة بحبها القديم ولم تنس ذكرياتها معه رغم مرور السنين، ودومًا تظهر له حنينها عن طريق نظراتها إليه حينما تجمعهما الصدفة».

بدأت ريهام تفكر فى كيفية التخلص من سالم، خرجت من غرفتها ثائرة وجدته كعادته غائبًا عن عقله، ينظر لها بعينين داكنتين زائغتين، يطلب منها أن تعد له الفطور، ثم علا صوته الأجش:

«أرسلى فى طلب السجائر وادفعى حقها من مالك فليس معى نقود الآن».

أخبرته بأنها ليس لديها ما يكفى، فقال لها:

«إن لم يكن معكِ مال، اقترضى ضرورى من ريهام صديقتك، أو من أحد أفراد عائلتك، أو اطلبى من صاحب المتجر أن ينتظر بضعة أيام».

كتمت ثورتها ودوت داخلها بغيظ:

«آه منك أيها المدمن الكاذب الذى لا يغار على عرضه، لو وجدتنى سلعة لبعتنى لتحصل على تلك الموبقات التى تتعاطاها، فلم أرَ معك إلا الاستغلال والأذى».

ثم أخرجت ثورتها فى وجهه، وصرخت:

«متى تصبح رجلًا مسئولًا؟ لا بد أن ترد لى مجوهراتى وأموالى التى سرقتها قبل أن يكتشف أهلى مصيبتى فيك».

نظر لها نظرة متهالكة كرجولته الزائفة وورعه الزائل.

دخلت غرفتها، أغلقتها عليها بالمفتاح، تذكرت صدح اليمامة، سجدت سجدة طويلة تبكى وهى تناجى ربها تسأله الخروج الآمن من هذه الورطة وهذا الرجل.

فجأة سمعت دوى اصطدام ثقيل، خرجت مسرعة، وجدته ملقى على الأرض تتحشرج أنفاسه، فسألت نفسها مندهشة:

«يا إلهى، ما هذا، هل هذه هى الإجابة السريعة؟».

ارتعشت، عادت تلملم بعض أغراضها بسرعة، لم تنحنِ لجمع أغراض صغيرة تساقطت، خرجت مسرعة، هرولت، صفعت باب الشقة وراءها، لم تنتظر المصعد، تخطت الدرج، تهبط بسرعة وهى تتمتم مكررة:

«ربى إنى ظلمت نفسى فاغفر لى».

وكانت لا تدرى أنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق