الخطر على لبنان اليوم لا يظهر بالضرورة في مشروع تقسيم معلن، ولا في خرائط تُرسم على الطاولة. الأخطر أن الحرب قد تُنتج تقسيمًا من نوع آخر: تقسيمًا في وظيفة الدولة، وفي معنى السيادة، وفي علاقة اللبنانيين بعضهم ببعض.
لبنان لا يعيش نقاشًا نظريًا حول شكل نظامه. هو يعيش حربًا فعلية تضغط على كل طبقاته دفعة واحدة: الحدود، الاقتصاد، الأمن، النزوح، القرار السياسي، والهوية الوطنية. لذلك، فإن سؤال "هل يحمل لبنان التقسيم؟"لا يجب أن يُقرأ كاحتمال جغرافي فقط، بل كاحتمال سياسي واجتماعي أعمق: هل تبقى الدولة قادرة على جمع تجارب اللبنانيين المختلفة داخل سردية وطنية واحدة؟
في الجنوب، لا تُطرح الدولة كسؤال دستوري بل كحاجة يومية. من يحمي؟ من يعوّض؟ من يفتح الطريق؟ من يضمن عودة الناس؟ من يقرر متى تصبح القرية قابلة للحياة مرة أخرى؟ هذه الأسئلة، حين تبقى معلّقة تحت النار، تتحول من تفاصيل إنسانية إلى أزمة كيان.
في المقابل، تعيش مناطق أخرى هاجسًا مختلفًا: كيف لا تتمدد الحرب؟ كيف لا يسقط ما تبقى من الاقتصاد؟ كيف لا يتحول لبنان كله إلى جبهة مفتوحة؟ هذا الهواجس لا تقل واقعية عن هواجس الجنوب، لكنها تكشف أن الحرب لم تعد تُعاش لبنانيًا بالمعنى نفسه.
هنا يبدأ الشرخ الحقيقي: ليس بين من يريد الحرب ومن يرفضها فقط، بل بين بيئات تعيش الخطر كوجود يومي، وبيئات تعيشه كاحتمال يجب منعه.
هذا التباعد في تجربة الحرب هو ما يمكن أن يتحول لاحقًا إلى تباعد في تصور الدولة. فالجنوب الذي يُترك طويلًا تحت النار سيطالب بدولة تحمي وتردع وتعوّض. والمناطق التي تخشى توسع الحرب ستطالب بدولة بضبط القرار ومنع الانجرار. وبين المطلبين، تقف الدولة اللبنانية أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف تكون دولة حماية ودولة ضبط في الوقت نفسه، من دون أن تبدو منحازة إلى طرف داخلي ضد آخر؟
هنا تكمن عقدة لبنان الحالية. الحرب لا تضربه من الخارج فقط، بل تضعف قدرته الداخلية على إنتاج معنى موحد للسيادة. فهناك من يرى السيادة في منع الاحتلال والاعتداء، وهناك من يراها في حصر قرار الحرب والسلم، وهناك من يراها في قدرة الدولة على حماية الناس وإدارة الكارثة. وكل تعريف من هذه التعريفات صحيح من زاوية ما، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى تعريف وحيد يلغي ما عداه.
لذلك، التقسيم المحتمل في لبنان لا يبدأ من الحدود. يبدأ عندما يصبح لكل جماعة تعريفها الخاص للسيادة، ولكل منطقة أولويتها الخاصة، ولكل بيئة ذاكرتها الخاصة عن الحرب. عندها تبقى الدولة موجودة باسمها وعلمها ومؤسساتها، لكنها تفقد قدرتها على أن تكون مرجعًا مشتركًا.
الحرب تفعل ذلك بصمت. فهي لا تحتاج إلى إعلان سياسي كي تعيد تشكيل البلد. يكفي أن تطول، وأن تتراكم الخسائر، وأن يشعر جزء من اللبنانيين بأنه يدفع الثمن وحده، في مقابل شعور جزء آخر بأنه يُدفع إلى كلفة لا يملك قرارها. هذه المعادلة، إذا تُركت بلا معالجة، قد تكون أخطر من أي مشروع تقسيم معلن.
والأشد خطورة أن كل طرف يستطيع أن يقدم رواية مقنعة عن خوفه. من يعيش تحت القصف يرى أن النقاشات السياسية البعيدة عن النار باردة وقاسية. ومن يعيش خارج الجبهة المباشرة يرى أن استمرار الحرب قد يهدد البلد كله. وبين الخوفين، تضيع الدولة بوصفها المساحة الوحيدة القادرة على جمعهما.
لهذا، لا يكفي القول إن لبنان لن يتقسم لأن جغرافيته متداخلة وطوائفه متشابكة. صحيح أن التقسيم الرسمي صعب، وربما مستحيل عمليًا، لكن الدول لا تتفكك فقط حين تُرسم حدود جديدة. أحيانًا تتفكك حين تتوقف مكوناتها عن الإيمان بأنها تعيش المصير نفسه.
في خضم الحرب، يصبح السؤال الحقيقي: هل ما زال اللبنانيون يشعرون بأنهم داخل مصير واحد؟ أم أن الحرب بدأت تصنع مصائر متوازية: جنوب يبحث عن النجاة والعودة، داخل يخشى الانفجار، دولة تبحث عن توازن، وقوى سياسية تنتظر ما سيقرره الإقليم؟
لبنان اليوم لا يقف أمام تقسيم جاهز، بل أمام امتحان أخطر: أن يتحول من دولة واحدة متنازعة إلى مساحات لبنانية متجاورة، لكل منها حربها وخوفها وحساباتها. وهذا النوع من التفكك لا يُعلن في بيان، ولا يحتاج إلى خرائط. إنه يتشكل حين تصبح الحرب أطول من قدرة الدولة على احتوائها، وأعمق من قدرة السياسة على تسميتها.
Advertisement
لبنان لا يعيش نقاشًا نظريًا حول شكل نظامه. هو يعيش حربًا فعلية تضغط على كل طبقاته دفعة واحدة: الحدود، الاقتصاد، الأمن، النزوح، القرار السياسي، والهوية الوطنية. لذلك، فإن سؤال "هل يحمل لبنان التقسيم؟"لا يجب أن يُقرأ كاحتمال جغرافي فقط، بل كاحتمال سياسي واجتماعي أعمق: هل تبقى الدولة قادرة على جمع تجارب اللبنانيين المختلفة داخل سردية وطنية واحدة؟
في الجنوب، لا تُطرح الدولة كسؤال دستوري بل كحاجة يومية. من يحمي؟ من يعوّض؟ من يفتح الطريق؟ من يضمن عودة الناس؟ من يقرر متى تصبح القرية قابلة للحياة مرة أخرى؟ هذه الأسئلة، حين تبقى معلّقة تحت النار، تتحول من تفاصيل إنسانية إلى أزمة كيان.
في المقابل، تعيش مناطق أخرى هاجسًا مختلفًا: كيف لا تتمدد الحرب؟ كيف لا يسقط ما تبقى من الاقتصاد؟ كيف لا يتحول لبنان كله إلى جبهة مفتوحة؟ هذا الهواجس لا تقل واقعية عن هواجس الجنوب، لكنها تكشف أن الحرب لم تعد تُعاش لبنانيًا بالمعنى نفسه.
هنا يبدأ الشرخ الحقيقي: ليس بين من يريد الحرب ومن يرفضها فقط، بل بين بيئات تعيش الخطر كوجود يومي، وبيئات تعيشه كاحتمال يجب منعه.
هذا التباعد في تجربة الحرب هو ما يمكن أن يتحول لاحقًا إلى تباعد في تصور الدولة. فالجنوب الذي يُترك طويلًا تحت النار سيطالب بدولة تحمي وتردع وتعوّض. والمناطق التي تخشى توسع الحرب ستطالب بدولة بضبط القرار ومنع الانجرار. وبين المطلبين، تقف الدولة اللبنانية أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف تكون دولة حماية ودولة ضبط في الوقت نفسه، من دون أن تبدو منحازة إلى طرف داخلي ضد آخر؟
هنا تكمن عقدة لبنان الحالية. الحرب لا تضربه من الخارج فقط، بل تضعف قدرته الداخلية على إنتاج معنى موحد للسيادة. فهناك من يرى السيادة في منع الاحتلال والاعتداء، وهناك من يراها في حصر قرار الحرب والسلم، وهناك من يراها في قدرة الدولة على حماية الناس وإدارة الكارثة. وكل تعريف من هذه التعريفات صحيح من زاوية ما، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى تعريف وحيد يلغي ما عداه.
لذلك، التقسيم المحتمل في لبنان لا يبدأ من الحدود. يبدأ عندما يصبح لكل جماعة تعريفها الخاص للسيادة، ولكل منطقة أولويتها الخاصة، ولكل بيئة ذاكرتها الخاصة عن الحرب. عندها تبقى الدولة موجودة باسمها وعلمها ومؤسساتها، لكنها تفقد قدرتها على أن تكون مرجعًا مشتركًا.
الحرب تفعل ذلك بصمت. فهي لا تحتاج إلى إعلان سياسي كي تعيد تشكيل البلد. يكفي أن تطول، وأن تتراكم الخسائر، وأن يشعر جزء من اللبنانيين بأنه يدفع الثمن وحده، في مقابل شعور جزء آخر بأنه يُدفع إلى كلفة لا يملك قرارها. هذه المعادلة، إذا تُركت بلا معالجة، قد تكون أخطر من أي مشروع تقسيم معلن.
والأشد خطورة أن كل طرف يستطيع أن يقدم رواية مقنعة عن خوفه. من يعيش تحت القصف يرى أن النقاشات السياسية البعيدة عن النار باردة وقاسية. ومن يعيش خارج الجبهة المباشرة يرى أن استمرار الحرب قد يهدد البلد كله. وبين الخوفين، تضيع الدولة بوصفها المساحة الوحيدة القادرة على جمعهما.
لهذا، لا يكفي القول إن لبنان لن يتقسم لأن جغرافيته متداخلة وطوائفه متشابكة. صحيح أن التقسيم الرسمي صعب، وربما مستحيل عمليًا، لكن الدول لا تتفكك فقط حين تُرسم حدود جديدة. أحيانًا تتفكك حين تتوقف مكوناتها عن الإيمان بأنها تعيش المصير نفسه.
في خضم الحرب، يصبح السؤال الحقيقي: هل ما زال اللبنانيون يشعرون بأنهم داخل مصير واحد؟ أم أن الحرب بدأت تصنع مصائر متوازية: جنوب يبحث عن النجاة والعودة، داخل يخشى الانفجار، دولة تبحث عن توازن، وقوى سياسية تنتظر ما سيقرره الإقليم؟
لبنان اليوم لا يقف أمام تقسيم جاهز، بل أمام امتحان أخطر: أن يتحول من دولة واحدة متنازعة إلى مساحات لبنانية متجاورة، لكل منها حربها وخوفها وحساباتها. وهذا النوع من التفكك لا يُعلن في بيان، ولا يحتاج إلى خرائط. إنه يتشكل حين تصبح الحرب أطول من قدرة الدولة على احتوائها، وأعمق من قدرة السياسة على تسميتها.











0 تعليق