Advertisement
فالمشهد لم يعد مرتبطاً فقط بالميدان العسكري أو بحجم الضربات والخسائر، بل بات متصلاً بشكل مباشر بالقدرة على فرض الشروط السياسية والاستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب، وهي المرحلة الأخطر والأكثر تأثيراً على مستقبل المنطقة بأكملها.
المواجهة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل انتقلت إلى مرحلة تثبيت الوقائع الجديدة ورسم التوازنات الإقليمية المقبلة. ورغم التقدّم الذي حققته إسرائيل والولايات المتحدة على أكثر من ساحة، سواء في لبنان أو غزة أو حتى عبر بعض التحولات الإقليمية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الماضية، إلا أن صورة المنتصر النهائية لن تُحسم إلا من خلال شكل التسوية المقبلة وطبيعة التفاهمات التي ستخرج من المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها يعتبرون أن الضغوط العسكرية والاقتصادية التي مورست خلال السنوات الماضية أدّت إلى إضعاف جزء من نفوذ إيران الإقليمي، وفرضت عليها الدخول في مفاوضات حساسة تحت سقف التهديد المستمر. في المقابل، ترى طهران أنها استطاعت الصمود ومنع سقوط مشروعها الإقليمي بالكامل، كما نجحت في الحفاظ على أوراق قوة أساسية تسمح لها بالتفاوض من موقع غير ضعيف، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالخليج والطاقة والممرات البحرية.
فإذا تمكنت إيران من فرض شرط ربط الجبهات ووقف إطلاق النار الشامل في المنطقة، إضافة إلى تكريس معادلة جديدة في مضيق هرمز تسمح لها بفرض رسوم أو قيود مرتبطة بحركة الملاحة والطاقة، فإن ذلك سيُعتبر انتصاراً استراتيجياً كبيراً لها، لأنه سيعني عملياً اعترافاً دولياً بقدرتها على التأثير المباشر في أمن المنطقة والاقتصاد العالمي. كما أن نجاحها في تحقيق هذه الشروط سيفتح الباب أمام إعادة ترميم وتعزيز نفوذ حلفائها في المنطقة بعد سنوات من الضغوط والاستنزاف.
أما إذا انتهت المفاوضات إلى فرض قيود قاسية على البرنامج النووي الإيراني، مع الإبقاء على العقوبات الاقتصادية وعدم تحقيق أي مكاسب إقليمية واضحة، فإن ذلك سيكرّس تراجع إيران سياسياً وعسكرياً، خصوصاً بعد الخسائر والتراجعات التي مُني بها "محور المقاومة" في بعض الساحات وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة التي تحاول واشنطن وتل أبيب استثمارها إلى أقصى حد ممكن.
لذلك، تبدو المفاوضات الحالية أكثر من مجرد نقاش نووي أو أمني، بل معركة سياسية كبرى ستحدد شكل المنطقة لسنوات طويلة. فالمواجهة العسكرية الأخيرة أظهرت تقدماً إيرانياً واضحاً في الواقع الخليجي وقدرتها على التأثير في معادلات الطاقة والملاحة، في مقابل استمرار التراجع التكتيكي في ساحات لبنان وسوريا وفلسطين. ومن هنا، فإن هوية المنتصر الحقيقي لن تحددها نتائج المعارك فقط، بل طبيعة الاتفاق النهائي الذي سيرسم توازنات الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.













0 تعليق