أكد سيد الأبنودي، رئيس قسم البترول والطاقة بجريدة «الدستور»، أن العنصر البشري يمثل القاعدة الأساسية لأي نهضة حقيقية في صناعة التعدين، مشددًا على أن نجاح المنظومة التعدينية في مصر والعالم يبدأ من بناء الإنسان وتأهيله، قبل الحديث عن التشريعات أو التكنولوجيا أو فرص الاستثمار.
الملتقى الدولي لاقتصاديات المناجم والمحاجر في العالم العربي
جاء ذلك خلال كلمته في أعمال الملتقى الدولي الحادي عشر لاقتصاديات المناجم والمحاجر في العالم العربي، برئاسة المهندس عبد الله غراب وزير البترول الأسبق، المنعقد بالقاهرة خلال الفترة من 16 إلى 18 مايو 2026، بحضور نخبة من الوزراء السابقين، والخبراء، والعلماء، وممثلي الدول العربية، وعدد كبير من المتخصصين في قطاعات التعدين والجيولوجيا والصناعة والاستثمار.
وشهد الملتقى حضور الدكتور إبراهيم فوزي وزير الصناعة الأسبق، والمهندس علاء خشب نائب وزير البترول الأسبق لشؤون التعدين، والدكتور تامر أبو بكر رئيس غرفة البترول والتعدين باتحاد الصناعات وعضو مجلس إدارة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية، والدكتور الجيولوجي حسن بخيت رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين، والدكتور الجيولوجي زكريا هميمي أستاذ الجيولوجيا التركيبية بكلية العلوم جامعة بنها، والدكتور سمير صبري عضو مجلس النواب ومقرر لجنة الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي بالحوار الوطني، إلى جانب عدد من الجيولوجيين والعلماء وممثلي الجهات العربية المعنية بقطاع التعدين.
وقال الأبنودي إن صناعة التعدين في مصر تحتاج إلى تحرك سريع ومنظم لبناء جيل جديد من الكوادر الفنية والعلمية القادرة على قيادة المرحلة المقبلة، موضحًا أن هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية قد تواجه خلال فترة تتراوح بين 10 و15 عامًا تحديًا كبيرًا يتمثل في خروج جزء مهم من كوادرها وخبراتها التاريخية من الخدمة، وهو ما يستوجب إعداد بدائل مؤهلة قبل فوات الأوان.
وأضاف أن الحفاظ على الخبرات الحالية ونقل معارفها إلى الأجيال الجديدة أصبح ضرورة وطنية، خاصة أن قطاع التعدين يعتمد بطبيعته على التراكم العلمي والميداني، ولا يمكن تعويض الخبرات الجيولوجية والتعدينية بسهولة أو خلال فترات قصيرة.
ودعا الأبنودي إلى إطلاق برنامج وطني عاجل لإعداد كوادر تعدينية جديدة، يبدأ من طلاب هندسة التعدين وأوائل خريجي أقسام الجيولوجيا بكليات العلوم، مع إخضاعهم لتدريب مكثف ومتخصص داخل مواقع العمل والمناجم، وتعريفهم بأحدث التكنولوجيات العالمية في مجالات الجيولوجيا والاستكشاف والتعدين وإدارة المناجم.
وشدد على أهمية إرسال بعثات تدريبية وعلمية إلى الدول المتقدمة في صناعة التعدين، وفي مقدمتها كندا وأستراليا، للاستفادة من تجاربها في إدارة الثروات المعدنية، وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة، بما يضمن إعداد كوادر مصرية تمتلك المعرفة النظرية والخبرة العملية معًا.
وتطرق رئيس قسم البترول والطاقة بجريدة «الدستور» إلى ملف القيمة المضافة في قطاع التعدين، مؤكدًا أن مصر تمتلك ثروات وخامات معدنية مهمة، لكن تعظيم العائد الاقتصادي منها يتطلب الانتقال من مرحلة استخراج الخامات وبيعها في صورتها الأولية إلى مرحلة التصنيع والتعظيم الصناعي لقيمتها.
وأوضح أن الحديث عن القيمة المضافة يجب أن يقوم على تعريف علمي وعملي واضح، يحدد طبيعة كل خامة، والصناعات المرتبطة بها، وحجم الطلب المحلي والعالمي عليها، وأولويات التصنيع، وآليات مشاركة القطاع الخاص، ودور الدولة في التنظيم والتشجيع والتحفيز.
وأكد أن هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية كانت مهمتها التاريخية تدور حول البحث والاستكشاف والاستخراج، بينما يحتاج ملف القيمة المضافة إلى شراكة مؤسسية قوية مع وزارة الصناعة والجهات الاقتصادية المعنية، حتى تتحول الخامات المعدنية إلى صناعات قادرة على خلق فرص عمل وزيادة الصادرات وتعظيم موارد الدولة.
وأشار إلى أن ملف التصنيع التعديني يجب التعامل معه باعتباره أولوية استراتيجية، من خلال وضع خريطة واضحة للخامات التي تحتاج إلى قيمة مضافة، وتحديد الصناعات المرتبطة بها، وترتيب الأولويات وفقًا لحجم الاحتياطي، وفرص السوق، والجدوى الاقتصادية، واحتياجات الصناعة الوطنية.
كما شدد الأبنودي على ضرورة تكاتف الجهود بين الجهات المعنية والجهات التشريعية لإعادة النظر في قانون المناجم والمحاجر، وتعديل بعض المواد التي مر عليها عشرات السنين ولم تعد تتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة أو مع احتياجات تطوير قطاع التعدين.
وأكد أن من بين الملفات التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة مسألة خروج الجيولوجيين والعاملين بهيئة الثروة المعدنية على المعاش في سن 55 عامًا، معتبرًا أن هذا الأمر يحرم القطاع من خبرات نادرة في مرحلة هو أحوج ما يكون فيها إلى تراكم الخبرة ونقل المعرفة.
وطالب بمد سن خروج الجيولوجيين والعاملين المتخصصين في الثروة المعدنية إلى 60 عامًا أو أكثر، خاصة أن هؤلاء يمثلون الكوادر الباقية التي تمتلك الخبرة الميدانية والعلمية القادرة على تدريب الأجيال الجديدة، وتأهيلها للعمل في مواقع البحث والاستكشاف والمناجم.
واختتم الأبنودي كلمته بالتأكيد على أن مستقبل التعدين في مصر لن يتحقق بمجرد امتلاك الخامات أو طرح المزايدات، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالإنسان، وتمر بالتشريع، وتعتمد على العلم والتكنولوجيا، وتنتهي بصناعة وطنية قادرة على تحويل الثروة المعدنية إلى قيمة اقتصادية حقيقية تخدم الدولة والمجتمع.











0 تعليق