عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بكين متحدثًا عن "صفقات رائعة"وتفاهمات اقتصادية كبرى مع الصين، في زيارة وصفت بأنها واحدة من أبرز المحطات السياسية والاقتصادية بين القوتين الأكبر في العالم.
لكن خلف لغة التفاؤل والأرقام الضخمة، برزت حقيقة أكثر تعقيدًا،العلاقات بين واشنطن وبكين لا تزال محكومة بحذر استراتيجي عميق، خصوصًا في ملفات التكنولوجيا والأمن السيبراني وتايوان والنفوذ العالمي.
وبينما حاول الطرفان تقديم صورة توحي بتهدئة التوتر وفتح صفحة جديدة من الحوار، كشفت القمة أن التنافس بينهما لم يتراجع، بل انتقل إلى مرحلة أكثر هدوءًا ودقة في إدارة الصراع.
وفي هذا السياق، اختتم ترامب زيارته إلى الصين بعد قمة مطولة جمعته بالرئيس الصيني شي جين بينغ، رافقه خلالها وفد اقتصادي أمريكي ضخم ضم رؤساء شركات كبرى في قطاعات الطيران والزراعة والسيارات الكهربائية ورقائق الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى أن الاقتصاد لا يزال يشكل المدخل الرئيسي لإدارة العلاقة المعقدة بين البلدين.
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، فإن مؤشرات عدم الثقة ظلت حاضرة بوضوح، خاصة مع تقارير تحدثت عن تجنب أعضاء الوفد الأمريكي استخدام الهواتف الذكية الصينية، واعتمادهم على الوثائق الورقية والمطبوعات خلال الاجتماعات، وهو ما عكس حجم الحساسية الأمنية المتبادلة، حتى في لحظات التقارب السياسي والاقتصادي.
ومن الجانب الاقتصادي، سعى ترامب إلى تقديم الزيارة باعتبارها نجاحًا كبيرًا للإدارة الأمريكية، معلنًا أنه أبرم "اتفاقات تجارية رائعة ومفيدة للبلدين"،مشيرًا إلى موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة بوينج، مع إمكانية رفع العدد مستقبلًا إلى 750 طائرة، على أن تزود بمحركات من شركة جنرال إليكتريك.
ولم تتوقف الرسائل الاقتصادية عند قطاع الطيران، إذ أكد ترامب ايضًا أن بكين تعهدت بشراء مليارات الدولارات من فول الصويا واللحوم الأمريكية، إلى جانب اهتمام متزايد باستيراد النفط الأمريكي، في خطوة تهدف إلى تقليل اعتماد الصين على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، وهو ما يمنح الإدارة الأمريكية فرصة لتقديم هذه التفاهمات باعتبارها مكاسب مباشرة للاقتصاد الأمريكي.
ومع ذلك، تعاملت الأسواق بحذر مع التصريحات الأمريكية خاصة في ظل غياب تأكيد رسمي صيني بشأن تفاصيل الاتفاقات وآليات تنفيذها، الأمر الذي ترك كثيرًا من التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات اقتصادية طويلة الأمد.
وانطلاقًا من هذه الحاجة إلى إدارة الخلافات بصورة أكثر استقرارًا، أعلن البيت الأبيض اتفاق الجانبين على تأسيس "مجلس للتجارة"،إلى جانب مجلس مواز للاستثمار، بهدف معالجة النزاعات التجارية وتسهيل الصفقات بعيدًا عن أجواء الحروب الجمركية التي سيطرت على العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا متبادلًا بأن استمرار التصعيد الاقتصادي قد يحمل كلفة مرتفعة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا في ظل تباطؤ النمو الصيني والتحديات السياسية والانتخابية التي يواجهها ترامب داخليًا،ما يدفع الطرفين إلى البحث عن آليات أكثر مرونة لاحتواء التوتر.
لكن، وبرغم هذا التقارب الاقتصادي النسبي، بقيت الملفات التكنولوجية خارج دائرة التفاهم الحقيقي، وهو ما يكشف أن جوهر الصراع بين واشنطن وبكين لا يزال قائمًا.
فالقمة لم تشهد أي اختراق في ملف تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وعلى رأسها رقائق Nvidia H200، كما لم يتم تمديد التفاهمات الخاصة بالعناصر الأرضية النادرة، التي تستخدمها الصين كورقة ضغط مؤثرة في سباق التكنولوجيا العالمي.
ومن هنا، يتضح أن المنافسة بين البلدين تجاوزت منذ فترة حدود التجارة التقليدية، لتتحول إلى معركة استراتيجية على السيطرة التكنولوجية وسلاسل الإمداد والنفوذ العالمي، وهي ملفات يصعب تسويتها عبر الصفقات التجارية وحدها.
وفي موازاة التنافس الاقتصادي والتكنولوجي، كشفت القمة ايضًا عن اختلاف واضح في الأولويات السياسية بين الجانبين،الإعلام الصيني ركز بصورة أساسية على ملف تايوان، حيث حذر شي جين بينغ من أن أي تدخل أمريكي قد يؤدي إلى "وضع خطير للغاية"،في رسالة مباشرة مرتبطة بالدعم العسكري الأمريكي للجزيرة، وهو الملف الذي تعتبره بكين خطًا أحمر يمس أمنها القومي ووحدة أراضيها.
في المقابل، ركز البيت الأبيض على ملف إيران وأمن الطاقة، مع تأكيد ترامب وجود "تفاهم كبير"مع الصين بشأن منع طهران من امتلاك سلاح نووي، إضافة إلى أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة التجارة العالمية.
إلا أن بكين تجنبت تقديم أي التزامات واضحة بشأن ممارسة ضغوط مباشرة على إيران، مكتفية بالدعوة إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية، وهو ما يعكس استمرار التباين السياسي بين الطرفين رغم محاولات التقارب الاقتصادي.
يمكن القول إن قمة بكين لم تنته بفشل، لكنها ايضًا لم تحقق اختراقًا استراتيجيًا حاسمًا.
الزيارة ساهمت في تثبيت قنوات الحوار واحتواء التوتر مؤقتًا، كما منحت ترامب فرصة لتقديم مكاسب اقتصادية يمكن توظيفها داخليًا، بينما كسبت الصين وقتًا مهمًا لإدارة تحدياتها الاقتصادية وإعادة ترتيب أولوياتها في مواجهة الضغوط الغربية.
لكن أهمية الزيارة لا ترتبط فقط بالصفقات التجارية أو التفاهمات السياسية، بل ايضًا بالتوقيت الحساس الذي جاءت فيه.
الولايات المتحدة ذهبت إلى بكين وهي تخوض صراعات وضغوطًا جيوسياسية معقدة، من ملفات الشرق الأوسط وأمن الطاقة إلى المنافسة التكنولوجية والاقتصادية العالمية، في وقت تبدو فيه الصين أكثر استفادة من حالة الاستنزاف الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
ومن هذا المنطلق، تعاملت بكين مع القمة من موقع الطرف الذي يملك هامشًا أوسع للمناورة، مستفيدة من حاجة واشنطن إلى تخفيف التوتر وضمان استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد، دون أن تقدم في المقابل تنازلات جوهرية في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها التكنولوجيا وتايوان والنفوذ الاستراتيجي.
ولهذا، تبدو العلاقة بين واشنطن وبكين اليوم أقرب إلى "إدارة صراع" أو "سلام اضطراري" تفرضه المصالح المتبادلة، أكثر منها شراكة مستقرة؛ فالتفاهمات الاقتصادية قد تؤجل المواجهة، لكنها لا تنهي تنافسًا استراتيجيًا متصاعدًا بات يشكل أحد أبرز ملامح النظام الدولي الجديد.















0 تعليق